الرئيسية | مقالات | أكراد سوريا وعربها: حتميتا العداء والتعايش

أكراد سوريا وعربها: حتميتا العداء والتعايش

عمر قدور _كاتب سوري

لا نحتاج إثباتات لشرح واقع الكراهية والعداء الذي استفحل بين أكراد سوريا وعربها في السنوات الخمس الأخيرة تحديداً. وذلك لا يعني أن العلاقة كانت من قبل طيّبة أو طبيعية جداً، بخاصة في مناطق الاختلاط السكاني وما يتخلله من تضارب في المصالح أحياناً. إلا أن نسبة من العداء الكردي كانت قبل اندلاع الثورة موجّهة إلى النظام، ولو بوصفه الممثل الرسمي للعرب والعروبة. بينما كان العداء للأكراد يقتصر على غلاة القوميين تحت بند اتهام جميع الأكراد بالرغبة في الانفصال.

نظرياً، كان يُفترض بالثورة أن توحّد جميع المتضررين من النظام، عرباً وأكراداً ومن مختلف الطوائف والأديان. ذلك لم يحدث كما نعلم. فالانفجار الكبير حمل معه كل الأمراض التي عززها حكم البعث والأسد خلال نصف قرن سبق الثورة. والأشهر الأولى التي حملت وعد التضامن بين مختلف المكونات سرعان ما انقضت وانتهى معها الصراع السوري بوصفه صراعاً داخلياً فقط. لقد أصبح الصراع دولياً وإقليمياً بأدوات سورية، فوق أنه سوري أيضاً. وبطبيعة الحال، عندما تنفتح الصراعات المحلية لتصبح خارجية، تتفتت القوى الداخلية وتعيد اصطفافاتها وفق المحاور الإقليمية والدولية. وغالباً ما تتغلب القوى الخارجية الداعمة على منطق المصالح المحلي، فتصنع عداواتها وتحالفاتها الجديدة.

وأحد التأثيرات الخارجية الكبرى على العلاقة بين الأكراد والعرب هو دخول العامل التركي بقوة منذ عام 2012. ومعلوم أن للأكراد حساسية خاصة إزاء الحكم التركي. وهذه الحساسية غير موجودة لدى العرب. يزيد فوقها تحول تركيا إلى البلد الأول من حيث عدد اللاجئين السوريين، وتحكمها في خطوط إمداد فصائل المعارضة المسلحة، وغير ذلك العديد من الاعتبارات العملية التي تجعل من عدو الأكراد صديقاً طوعياً أو إجبارياً للمعارضة العربية. بالتأكيد هناك في المعارضة السورية من يلتقي مع الحكم التركي من جهة الأيديولوجيا الإسلامية، ولا تخلو من أشخاص قد يلتقون معه في العداء للأكراد. لكن ما يحكم موقف المعارضة أكثر من غيره هو موقع تركيا الجغرافي وأهميته الحالية. وهذا عامل لا ينتبه إليه بعض الأكراد. على رغم أن تركيا

استقبلت نازحين أكراد سوريين مثلما استقبلت غيرهم من العرب. وهذا، على أية حال، لا يبرر لها قمع الأكراد في الداخل على النحو الذي نعرفه.

في المقابل، ليست سراً العلاقة بين حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد، وصولاً إلى نظام الملالي في طهران. فرع الحزب في سوريا كان دائماً أسير هذه العلاقة. وخلال السنوات الخمس الأخيرة ظهر واضحاً تنسيقه مع المحور الإيراني في المنطقة، حتى صار خطابه الإعلامي إزاء القضية السورية ككل مطابقاً لخطاب النظام الذي يواظب على بث الكراهية والعنصرية تجاه السوريين المناهضين له. لا ينبغي أن ننسى هنا أن الحزب، الذي أصبح قوة أمر واقع في المناطق الكردية، وأخيراً بعض المناطق خارجها، هذا الحزب قد بدأ مبكراً في قمع المظاهرات الكردية المناوئة للنظام، إلى درجة إطلاق الرصاص الحي وقتل بعض المتظاهرين، وصولاً في الأيام الأخيرة إلى اعتباره نفسه نظاماً على شاكلة النظام القمعي السوري، بحيث يجيز لنفسه إغلاق مقرات أحزاب وتنظيمات كردية أخرى بحجة عدم نيلها تراخيص من سلطته.

العلاقة مع النظام، كما يعلم الجميع، لن تكون مضمونة النتائج. فالنظام الذي قدّم بعض التنازلات لسلطة أمر الواقع الكردية، يراهن منذ البداية، على أمرين؛ قدرته فيما بعد على استعادة السيطرة الكاملة عمّا تخلّى عنه طوعاً، وأيضاً وجود خط أحمر تركي فيما يخص المناطق الكردية في سوريا. أي أنه يضمن محاصرة ما تخلى عنه من جانبي الحدود. من جهة أخرى، التعويل على الدعم الأمريكي غير مضمون النتائج دائماً. لأن الانقلاب الأمريكي على الأصدقاء موجود بكثرة في تاريخ الإدارات الأمريكية. ومن الواضح أن للإدارة الأمريكية السابقة والحالية همهما يتلخّص بالتخلّص من “داعش”، دون وجود إستراتيجية واضحة تخصّ مستقبل سوريا ككل.

ضمن هذه اللوحة العامة، ودون الخوض في تفاصيل وانتهاكات أي طرف، يبدو العداء الكردي العربي حتمياً الآن. ومن الملاحظ أن الأصوات العاقلة بين الجانبين بلا صدى. وبالطبع، لا تأثير لها على الأرض، حيث تقرر المعارك والانتهاكات المرافقة لها زيادة منسوب العداء. وإذا اعتبرنا اللوحة الحالية نهائية، لن نغامر بالقول: إن هذا العداء مرشّح لمزيد من العنف، وقد يستمرّ سنوات طويلة. وأن خطوط التماس مرشّحة للتغير على حساب المزيد من الأرواح، وعلى حساب آلاف جديدة من المهجّرين على الضفتين. في الواقع، لن يحدّ من احتمالات العنف سوى عامل الضبط الخارجي على الطرفين. وهو إذا بقي موجوداً، لن يبقى سوى على حساب الحد الأدنى من تطلعات الطرفين.

لكن، وهذا قد يكون مؤسفاً لصقور الأكراد والعرب، لا أفق للعداء في النهاية البعيدة سوى التعايش بين مختلف مجموعات المنطقة، سواء أتى التعايش ضمن حدود واحدة أو وفق الانفصال. فحروب إعادة رسم الحدود تستغرق دائماً عقوداً من العنف، ولا يمكن أن تستقر أية حدود لا تتسم بالحد الأدنى من الواقعية والعدالة. ولو كان الأمر غير ذلك، لما كانت هناك قضية كردية الآن.

علينا أيضاً ملاحظة أن القضية الكردية، باستثناء النموذج العراقي ككل الذي لا يريد صانعه الأمريكي تكراره، هي أولاً أسيرة قوتين إقليميتين كبيرتين، تركيا وإيران. هاتان القوتان لهما طموحات نفوذ تتعدى الموضوع الكردي إلى الهيمنة على المنطقة أو اقتسامها، وتتفقان سراً وعلناً على التصدي للمشروع الكردي، وإنْ استخدمت طهران دعم حزب العمال كورقة في الصراع الدائر بينهما. وليس غريباً مع الصراع الحالي أن تتراجع مؤشرات التجربة الديموقراطية في تركيا، بينما في الأصل لا وجود لتجربة ديموقراطية لدى نظام الملالي. ومع تدخل المافيا التي يمثلها بوتين في التوسّط بينهما لن تكون النتيجة في أية حال لصالح أي مشروع ديموقراطي تحرري في المنطقة ككل.

يُقال عادة بأن الأوروبيين خاضوا حروباً طويلة جداً حتى ارتسمت الحدود المعروفة بين دولهم. وهو تشبيه يستمد وجاهته من الاكتظاظ الإثني والديني في منطقتنا. وعادة يُنذر هذا القول “أو يبرر بشكل غير مباشر” حروباً طويلة مقبلة في المنطقة. لكن ما ينقص هذا القول عادة هو أقصى ما وصلته التجربة الأوروبية حتى الآن، وليس أقصى ما يمكن أن تصله، أي الاتحاد الأوروبي وآفاقه المحتملة على رغم ما يعانيه من تعثر حالي بسبب صعود موجات اليمين الأوروبي.

إذا أردنا استلهام التاريخ الغربي حقاً فأول ما يجب الانتباه إليه هي الضريبة الباهظة التي دفعتها شعوب المنطقة بسبب التجارب القومية، سواء البعث في شطريه أو القومية التركية أو الفارسية. ولا يخرج عنها التجارب التي تمزج القومية بالإسلام كما هو الحال مؤخراً في إيران وتركيا. لقد جرّت هذه الأنظمة الخراب على بلدانها، وعلى بلدان مجاورة أيضاً. والأمر لا يتعلّق بتجربة سيّئة لفكر جيّد. على العكس، يجوز القول: إن التجارب القومية في منطقتنا لا يمكن إلا أن تقود إلى الكارثة. ولم تكن هناك تجربة قومية ديموقراطية واحدة، بل حتى الاستبداد فيها انحدر ليصبح

حكماً عائلياً وراثياً أو شبه وراثي. وما حمى التجربة التركية من هذا المآل ربما وجودها ضمن منظومات غربية مثل حلف الناتو والشراكة مع الاتحاد الأوروبي في بعض المجالات.

أيضاً تجربة السيادة والحدود المغلقة “الداعمة للاستبداد عادةً” كانت طوال الوقت مصدراً للتنازع على بعض المناطق، أو مصدراً للفصل بين كتل متماثلة أو تربطها قرابات وثيقة على جانبي الحدود. ذلك يعني أن تجربة الدولة المركزية الصارمة، ذات الحدود القوية، هي تجربة غير مطابقة للواقع السكاني، ولا يمكن الزعم بوجود ترسيم حدود عادل ومنطقي جغرافياً يطابق واقع شكّلته الطبيعة والفوضى، وأحياناً، السياسة خلال قرون من الزمن. خيار تشكيل دول قومية ذات حدود قوية دونه موجات متوقعة من التغيير الديموغرافي. لأن تلازم القومية مع الانغلاق لا يمكن بأية حال أن يكون ديموقراطياً إزاء الأقوام الأخرى، مثلما لن يكون ديموقراطياً في المحصلة العامة.

على المدى البعيد، ربما لن يكون هناك بديل عقلاني لكافة شعوب المنطقة سوى صيغة مشابهة لصيغة الاتحاد الأوروبي. صيغة دول تتراجع سيادتها وتنفتح حدودها لصالح مجمل سكانها. صحيح أن الأكراد وقعوا ضحية التيارات القومية لدى جيرانهم، لكن ذلك قد لا ينجيهم أيضاً من المآل البائس لتجارب بعض الأحزاب الكردية. فالفكرة القومية العابرة للحدود الحالية تقيم حدودها وحدود انغلاقها على الآخر. وسرعان ما تنحدر إلى فاشية محلية، فضلاً عن أنها تفترض تشابهاً مطلقاً أو تماثلاً ضمن الجماعة الواحدة ينحدر إلى اختزال المجتمع وإفقارها ثقافياً.

قد يُقال: إن الوصول إلى مستقبل مشابه لصيغة الاتحاد الأوروبي غير عقلاني، لأنه لا يستند إلى واقع حالي يعاكسه بشدة. غير أن هذا التصوّر سيبدو في منتهى العقلانية، إذا قارناه بأولئك الأكراد والعرب المقيمين في أوروبا، والذين يتنعمون بالمزايا الحقوقية والثقافية الكاملة بموجب قوانين الاتحاد الأوروبي، لكنهم عندما يتعلق الأمر بأكراد المنطقة وعربها يحرّضون على العداء وعدم التعايش، وربما بصراحة قلّ نظيرها على سفك الدماء.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا_العقد الوطني الجامع أساس الخلاص السوري.. مشروع مبادرة حالمة

كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة. الأزمة السورية معقدة بكل المقاييس، ومرد ذلك إلى عوامل ...