الرئيسية | مقالات | إبراهيم خليل: الكرد وانطون سعادة والهلال الخصيب!

إبراهيم خليل: الكرد وانطون سعادة والهلال الخصيب!

إبراهيم خليل: كاتب وباحث كردي سوري

 

من الواضح أن المرجعية الفكرية التي ينطلق منها ويستند عليها اﻷستاذ “نظام مارديني” في مقاله “حول الهُويّة والأقلّيات والانعزال والمواطنة” المنشور في المركز الكردي السويدي للدراسات (25/6/2017)، هي أيديولوجية الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه في لبنان الزعيم “أنطون سعادة” (1949 -1904) ودعا عبره إلى وحدة “الهلال السوري الخصيب” رافعاً شعار “سوريا للسوريين، والسوريون أمة تامة” في طرح وحدوي نصف أممي، ينحّي جانباً – وبتعبير أدقّ يصهر – عوامل اللغة والعرق والدين والمذهب لصالح الجغرافيا، بمعنى؛ الاشتراك في سكنى اﻷرض السورية بمعناها الواسع، والتي تشمل – حسب سعادة – الكيانات السورية والعراقية والكويتية واللبنانية والفلسطينية والقبرصية معاً.

لم يحالف الحظّ أيديولوجية سعادة، كما هو معروف، ولم يتح لها التطبيق في أي من الدول أو الكيانات الست المذكورة. وكان أقصى ما قام به القوميون السوريون الاجتماعيون انقلاباً عسكرياً فاشلاً وسلسلة من الاغتيالات السياسية. وأقصى ما حصل عليه الحزب هو انضمامه إلى حظيرة البعث السوري المسماة بالجبهة الوطنية التقدمية، واستخدام أفكاره من قبل البعث في مرحلة لاحقة كـ”حديقة خلفية” وبديلاً نظرياً مقبولاً عن أيديولوجية البعث الشمولية، ﻷسباب تعود إلى النزعة الوحدوية المشتركة بينهما. وبشكلٍ اعتبر معه حزب البعث أن أيديولوجية سعادة جزء أو خطوة على طريق تحقيق أهداف أيديولوجية البعث اﻷصح واﻷشمل. مع الاتفاق النظري والتواطؤ الضمني على اعتبار العروبة مادة أساسية للأمة السورية، طبقاً لقوله: “حاربنا العروبة الوهمية، لنقيم العروبة الواقعية”.

يمكننا تصنيف جميع تلك النزعات ما وراء الدولتية وفوقها (اﻷمة الاسلامية واﻷمة الشيوعية واﻷمة الديمقراطية…) وكذلك اﻷمة العربية بتعريفها البعثي، في خانة واحدة بوصفها جميعاً اختزالاً يوحي بالواقعية لنزعة الكوزموبوليانيزم المطموح إليها، والعصية على التحقق منذ اﻷزل. فمع وجود العوائق المادية الواقعية والفاعلة من عرق ولغة ودين، لا تعود هناك قيمة للحجج والبراهين النظرية، مهما بلغت من القوة والبلاغة. ولنا في انفراط عقد اﻷمة اﻹسلامية واﻷمة الشيوعية التي خلفتها مباشرة وكذلك في الدول العربية الحالية المصممة على استقلالها القطري، درس تاريخي واجب الاعتبار.

لم يتطرق سعادة، على حد علمي، إلى القضية الكردية، خلال فترة حياته، رغم وجودها على اﻷقل في العراق. فملأ أنصاره فراغ النص بحشوة الاجتهاد والقياس، واعتبروا الكردية مجرد ثقافة (جزئية) بعيدة عن أن تكون هوية (كلية)، وذلك تأسيسا على وقائع وتقسيمات جيوسياسية رسمها قبل قرن من الزمان الانكليزي سايكس والفرنسي بيكو، وألحقا خلالها أجزاء من كردستان بهلالهم الخصيب.

يبدو مصطلح (الثقافة) النبيل، بالنسبة للسيد مارديني، هبة من السماء يلطم بها وجوه من يسميهم باﻷقليات. ولا تنجح كلماته الودودة في إخفاء نبرة “الاستهجان” التي يكنّها لتلك الثقافات (الانعزالية) الطامحة للتحوّل إلى هوّيات. وبتركيزه على المسألة الكردية دون سواها، إنما يحاول تحصين أيديولوجيته، وحمايتها لا أكثر. ﻷن الكردية بالذات، هي اﻷكثر استحقاقاً وجدية، بالتالي فهي أكثر من يهدد اليوم بتقليص خارطة الهلال السوري الخصيب التي رسمها سعادة بناء على أبحاثه الميدانية في فحص التربة، ولوّنها أنصاره من بعده.

جاء في مفتتح المقالة: (للمرة اﻷولى في التاريخ بدأنا نسمع الحديث عن المظالم التي تعرضت وتتعرض لها الجماعات اﻹثنية والمذهبية بهذا الزخم في دول الهلال السوري الخصيب). وأما أنها المرة اﻷولى في التاريخ فليس صحيحاً. وأما أنه لم يسمع بها من قبل!، فجائز، ﻷن التاريخ (السوري والعراقي الخصيبين على وجه الخصوص) ذاخرٌ وزاخر بمظالم اﻷمويين والعباسيين في دمشق وبغداد ضد ما يصفها اﻷستاذ بـ (الجماعات اﻹثنية والمذهبية)، ناهيكم عن مظالم المماليك والعثمانيين، وانتهاء بمظالم البعثين السوري والعراقي خلال القرن العشرين.

يتابع مارديني: (ومن يقرأ الصفحات الثقافية التي تغطي الحراك القائم في سوريا والعراق، سيكتشف العجيب من المباح والغريب من المسكوت عنه، وما بين هذين النقيضين تتبدى أوهام اللغة. ولكن من أكثر تجليات هذه اﻷوهام؛ الشفرة الانعزالية الطائفية منها واﻹثنية العرقية… هذه اﻷوهام تحولت خندقاً لاحتواء جماعات معينة ولترسيم حدود تأخذ في حسابها التجنيس الهوياتي للبعض).

إن النظر إلى أركان التمايز الثقافي من لغة وعرق ودين، وهي المحددات الفعلية للهوية على أنها أوهام توصيف مغرق في الوهم، لا يرى في جميع اﻵخرين أكثر من (جماعات معينة) يجب “سرينتها”، وبصورة لا تختلف إلا في الشكل عن المنطلقات النظرية لحزب البعث الداعي إلى “تعريب” جميع الكائنات المقيمة على أراضي الجمهورية العربية السورية.

لا أريد التهجم على أيديولوجية الزعيم سعادة، ولا زعزعة إيمان السيد مارديني بها، ولا حتى التلميح إلى عدالة القضية الكردية حين أواجهه بالحقائق التالية:

دولة (فلسطين / إسرائيل) يسكنها اليوم ملايين اليهود، وهي دولة قوية ومسلحة حتى أظافرها. وتحظى بدعم وتعاطف دوليين كبيرين, وليس لهم أية رغبة في الانضمام إلى الهلال السوري الخصيب. ولا يملك العرب ولا السوريون قوة تسمح لهم بإرغامها على الانضمام، هذا إذا توفرت الرغبة. وحسب معلوماتي، فإن الزعيم لا يعتبر اليهود سوريين. ولذلك يجب تحريرها منهم: “لا نريد تحرير فلسطين من اليهود لمجرد تحريرها من اليهود، فقد تتحرر من اليهود وتبقى للإنكليز أو تبقى لجماعة أخرى. نحن نريد تحرير فلسطين ﻷنها جزء منا… نحن نقول: إنه يجب أن يخرج المعتدون من أرضنا لتبقى أرضنا لنا _ اﻷعمال الكاملة، المحاضرة العاشرة”

كيانات (العراق وسوريا ولبنان) اليوم تحت النفوذ الايراني. وايران لها هلالها الخاص المتناقض تماماً من حيث العقيدة مع مشروع الهلال الخصيب والمشتمل عليه من حيث الجغرافيا.

دولة (الكويت) تعتبر نفسها جزءً من الخليج ومجلس التعاون وسكانها الذين يرى سعادة أنهم مقيمون على التراب السوري لا ينظرون إلى السوريين إلا كنظرتهم إلى الصوماليين أو الهنود.

جزيرة (قبرص) نجمة الهلال السوري الخصيب يسكنها (يحتلها) اليوم مناصفة ملايين الترك واليونان القبارصة. ولكل منهما (دولة أم) ليست هي سوريا. على أية حال، لا داعي للقول: أن مجرد التفكير في تحريرها وضمها إلى الهلال الخصيب يعني، وإعلان حرب إقليمية جديدة (تذكر أن الحزب يطالب كذلك بتحرير كيليكيا والاسكندرونة واﻷحواز).

من دأب اﻷيديولوجيات الوحدوية الشمولية محاولة صياغة المجتمعات وفق رؤيتها اﻷحادية، وليس وفق ما هي عليه بالفعل، ولا وفق ما يجب أن تكون عليه، من أجل نزع فتيل اﻷزمات وإقامة تعايش مستدام على أساس المصلحة ،لا تعايش قسري على أساس لحمة وطنية هشة على جميع الصعد باستثناء اﻹعلام.

تلك اﻷماني والتجربة أثبتت عدم جدوى وضع الناس على سرير “لابروكروست” وتشكيلهم وفقاً للرغبة، ﻷن (اللصق) النظري غالباً ما ينتهي بـ(قص) عملي، كما حدث مؤخراً في أكثر من دولة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...