الرئيسية | مقالات | إبراهيم خليل: حول خصال المثقف ونصال الملاحق الثقافية

إبراهيم خليل: حول خصال المثقف ونصال الملاحق الثقافية

إبراهيم خليل: كاتب وباحث كردي سوري

 

على مدى تاريخها، نقلت الحركة السياسية الكردية، بجميع شقوقها وانشقاقاتها، معظم أمراضها إلى المتعلّمين والمثقفين الكرد السائرين في ركابها، رغماً عنهم وعنها. وبموازاة التخنّدق السياسي والحزبي الحاد (الحاد جداً في السنوات اﻷخيرة) توزعّ المثقفون الكرد على الخطوط الخلفية لهذه اﻷحزاب، واشتغل الكثير منهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، كملاحق ثقافية للجهة السياسية التي يقبضون منها، أو يميلون إليها مجاناً، رغم تعارض ذلك بشكل فاضح مع وظيفة المثقف. ومثلما يرفض الحزبي الكردي السوري (البعثي ذهنياً) خصمه الحزبي الكردي رفضاً وجودياً، ﻷنه صورة الخطأ والضلالة. كذلك أصبح المثقفون الكرد قوالب مصمتة من الحقائق المطلقة، لا يرى أحدهم في اﻵخر سوى عدو يستحق القتل أو السجن المؤبد أو النفي، على أقل تقدير. ومثلما يحاول الحزبي الكردي إعدام خصمه الحزبي الكردي في الميدان السياسي، بغض النظر عن الوسائل، كذا يفعل المثقف الكردي في الميدان الثقافي حين ينطّ إلى الحلبة عند أول استدعاء، فيضرب فوق الحزام وتحته، وعن يمينه وشماله ﻹظهار اﻵخر كواحد من أتباع الشيطان. ولو أتيح له أن يشقّ بقلمه صدر غريمه، بدل أن يكتب عنه وينتقده، لفعل دون تردد.

وكنتيجة لهذه الحال التي وصل إليها مفهوم الثقافة، ولشعور اﻹحباط الذي أصاب بعض المثقفين، نتيجة خيبة أملهم وعجزهم عن التغيير من الداخل، رغم سنوات النضال الطويلة، وقعت بعض حالات (الانشقاق الثقافي) التي انسحب فيها مثقفون كرد من خلف قياداتهم الحكيمة، وقدّموا أنفسهم للرأي العام كمثقفين مستقلّين. وكان من حسنات هذا الانشقاق الانعتاقي، أن أتاح لهم – فضلاً عن حرية التعبير – الخروج من قوقعة ضيقة كانت تحجب عنهم ما يُراد حجبه (لا نتحدث هنا عن النموذج المقنع والمنتدب بأمر حزبي ليكون مثقفاً مستقلاً).

المثقف بنية فوقيّة ﻷيّ مجتمع (المتعلّمون المهنيون والنقابيون بنية تقنيّة) وهو بهذه الصفة؛ روح سارية في جسد اﻷمة، حامل فرد لمجموع آلامها وآمالها، ابنها البار الذي يعبر بها مخاضة النهر، ووالدها الناصح، إن هي شطّت، ونبيُّها غير المعلن، وعبدها غير الموسوم، لسانها الفصيح في المحافل، ووجهها المشرّف في سباق الحضارات. وثقافة أيّ شعب هي هويّته التي يختلف – ولا يمتاز – بها عن غيره. ولا أجد داعياً، بعد ذلك، لتأكيد بديهية أن جميع الثقافات سواء. فما من ثقافة سامية وأخرى منحطّة. ولكن ربما يوجد داخل اﻷمة الواحدة مثقف سامٍ وآخر منحطّ. وما أجدني بحاجة إلى التأكيد عليه هنا أيضاً، هو أن كل صنف منهما ملّة واحدة، وإن اختلفت المذاهب والأعراق.

قبل سنوات، أتاح اﻷنترنيت وبشكل خاص وسائل التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية للمثقفين لكسر حواجز الجغرافيا، وإيصال أصواتهم إلى كل مكان. ورأينا جميعاً على الشاشات الصغيرة تلك التغييرات الكبيرة التي أنجزها هذا التواصل الحر في بلدان عريقة في الاستبداد مثل تونس ومصر وليبيا، والتي كانت مصداق مقولة “غرامشي” بأن جميع الناس مثقفون حين أظهر “مواطن الربيع العربي” أنه يستطيع أن ينطق بلسان حاله، دون توكيل أحد ولا توكيل من أحد.

لا شك أن تلك التطورات فضحت الكثير من المثقفين والشخصيات العامّة في تلك البلدان ممن كانوا من صناع الرأي العام حين انحازوا خلال الثورة / اﻷزمة إلى من كانوا ينتقدونهم من قبل. وثَبت أن “المثقف الناقد طويل العمر” في ظل نظام مستبدّ، ليس سوى واحد من أبناء هذا النظام غير الشرعيين. ولا شك عندي كذلك أن أهم ما قدّمته تلك التقنيات على اﻷرض، ومعها تلك التقلّبات، أنها وسّعت من دائرة المثقفين على الأرض، وأعفت المثقف الرسمي وشبه الرسمي من قيادة السفينة، وإن لم تعِفه من التنبيه على وجود الزوابع والصخور في الطريق.

ولكن مثلما ميز شيخنا الكواكبي، رحمه الله، في كتابه بين الماجد والمتمجّد، أميّز هنا بين صفتين تتداخلان في كثير من اﻷحيان، هما المثقف والملحق الثقافي، تعميماً وليس تخصيصاً، وأقول الكلمات التالية، تاركاً فسحة واسعة للاختلاف عنها، والنقاش حولها:

المثقف نبات مجتمعه، ولكنه صناعة نفسه، ينطق بلسان الخائفين والعاجزين، ويتحمّل بجلد نتائج قوله للحقيقة. بينما الملحق الثقافي نبات البلاط، وصناعة الماكينة الإعلامية، وصفوة المتسابقين إلى الخدمة، وصوت مصلحته، ولو تعارضت مع الصالح العام.

المثقف يعيش الواقع، لكنه يتتبّع المثال، وهو إلى درء المفاسد أقرب منه إلى جلب المنافع. فتراه يشير بأصبع الاتهام إلى الخطأ ممن كان، وحيثما كان، بهدف معالجته قبل استفحاله. بينما يتستّر الملحق على اﻷمراض الاجتماعية أو السياسية، بذريعة؛ أولويّات المهمّ اﻷكثر أهميّة، جاعلاً من نفسه عجلة تحت عربة ترحيل القضايا المعيشية وقضايا الحريات مثلاً، إلى تاريخ لاحق، قد لا يأتي.

المثقف ابن الشعب وولاؤه للمجموع. لا يكتب، ولا يخطب إلا ومصالح الشريحة اﻷكبر واﻷفقر نُصب عينيه. والملحق ابن شريحة صغيرة من الشعب، وولاؤه مقصور عليها. يعمل على تسيّدها غير آبه بالخسائر والضحايا.

يهتمّ المثقف بالتأسيس لثقافة تتجاوز السائد، وتدافع عن حق الجميع بدون استثناء، في ثلاثية؛ الكرامة والحرية والخبز. بينما يهتمّ الملحق بترسيخ الثقافة السائدة، وتخصيص، وتجزئة تلك الثلاثية تبعاً لمقاييس العاطفة الشخصيّة والمصلحة الحزبيّة.

المثقف قارئ ايجابي وفاعل، يراجع ويحلل آثار قدوته ذاتها، وينظر إلى قرآنه بعين من أنزل عليه هذا القرآن. وبتعبير أقرب إلى الواقع؛ أن ينظر الماركسي إلى كتاب (رأس المال) متخيّلاً نفسه ماركس شخصيّاً. بينما يتخصّص الملحق في تصدير جهله إلى اﻵخرين عبر الشرح والتبرير والتأويل والتجميل والتزويق، محاولاً إقناع من لم يقتنع طوعاً أو كرهاً.

المثقف يذكر بفخر محاسن خصومه العقائديين، إن هم أحسنوا إلى أنفسهم أو إلى المجموع، ويبرأ من مخازي رفاقه وأخطائهم، إن هم أخطأوا دون أن يتبرأ منهم بالذات. بينما يفخر الملحق بإنجازات جماعته فقط جاعلاً من حبّتهم قبّة، ومن كبائرهم مجرد مخالفات وأخطاء فرديّة، لا مفرّ منها، متجاهلاً في الوقت نفسه ما يقدّمه اﻵخرون أو مقللاً من قيمته، إذا اضطر إلى ذكره.

المثقف يحترم الرأي اﻵخر، مهما بلغ من الاختلاف، ويتقبّل النقد والطعن، مهما بلغ من الحدة (كأن يقول لي قائل هنا: إن كل كلامك هذا حول المثقفين هراء فارغ وتنظير، لا قيمة له. ونوع من الوعظ المقيت. وأنت وأمثالك من الحياديين الرماديين من خربوا هذا البلد لأنكم ترون أن حزبنا على حقـ ولا تتبعونه). بينما ينظر الملحق إلى من ينتقده نظرته إلى قاتل أبيه وأمه. وتراه يستمع إلى الرأي اﻵخر، كمن يستمع إلى صرير قطار.

المثقف ليس موظفاً، وليس له أن يستقيل من مهمته إلا بالموت أو العجز الفيزيائي. أما الملحق فيمكنه الاستقالة، كما يمكنه تغيير فرعه، كأن يكون مدققاً لغويّاً فيصبح محللاً استراتيجيّاً. ويكون ضابطاً متقاعداً، فيصبح محللاً عسكريّاً.

المثقف قد يكون مغروراً، وقحاً، وقد يستعمل اسلوباً فجّاً ولغة نيّئة لا تراعي اﻵداب العامة، لكن يبقى الفرق بينه. وبين الملحق أنه صريح لا يدّعي عكس ذلك، ولا يجتهد في إخفاء صفاته تلك، لشعوره العميق بحاجة من حوله إلى “صفعة اللغة” هذه. بينما يردح الملحق ويشتم مغلفاً بضاعته الفاسدة بأسلوب منمّق، بادي النفاق وكأنّ ربّه أدبه، فأحسن تأديبه.

وأخيراً، فإن الملاحق تشمت بخصومها من المثقفين عند تعرضهم للأذى على يد الحاكم أو المجتمع. وقد يكتب أفضلهم متصنّعاً التعاطف مع خصمه المعتقل أو القتيل “على نفسها جنت براقش”. بينما يدافع المثقف عن زميله المثقف الخصم في محنته، ولو دفع لذلك ثمناً غالياً (رغم ذاكرتي الضعيفة لا تبرح مخيلتي رسالة فولتير الخالدة الموجهة إلى روسو، عقب صدور قرار بحرق كتب اﻷخير في ساحات فيينا وباريس معاً، وقال فيها: عزيزي روسو، قد أختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن أضحي بحياتي في سبيل أن تبدي رأيك) …

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...