الرئيسية | مقالات | إيان بلاك_الأسد أو نحرق البلد لـ سام داغر

إيان بلاك_الأسد أو نحرق البلد لـ سام داغر

إيان بلاك

ترجمة: مصطفى إسماعيل


في صيف 2012، انتشرتْ أخبار مفادها أن مناف طلاس- وهو جنرالٌ في نخبة الحرس الجمهوري في سوريا والمقرب من بشار الأسد- قد انشق وكان في طريقه إلى المنفى في فرنسا. لم يكن طلاس شريكاً في لعبة التنس فقط لطبيب العيون الخجول الذي كان يدير أكبر أزمة في الربيع العربي، بل كانا صديقين مقربين وحميمين عائلياً.
شعر طلاس بالفزعِ من حملة القمع الوحشية التي قام بها الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا الجنوبية في مارس 2011: كان الشباب مُستلهمين التغييرات التاريخية التي جرت في تونس ومصر وليبيا الداعية إلى الكرامة والحرية والإطاحة بأنظمتهم القمعية. لكن يبدو أن سوريا كانت مُعدة منذ البداية لتكون قصة مختلفة، وقصة أكثر دموية.
إن سرد سام داغر الفظيع والمفصل بشكل مؤثر عن تدمير بلادْ يرتكزُ على عاملين وثيقي الصلة:
أولاً، كان داغر هو الصحفي الوحيد من إحدى الصحف الغربية الكبرى مُقيماً في دمشق بشكل دائم بين 2012 و2014، قبل أن يتم احتجازه وطرده.
ثانياً، إن عمله مُنزهٌ لاستقائه من مصادر- وصوله إلى طلاس وآخرين يقدم رؤى غنية عن الأسد ودائرته الداخلية- وكذلك وصوله إلى قياديين في المعارضة.
مشاعر التعاطف لدى داغر واضحةٌ من عنوانه (رغم أنه افتقد الحيلة من خلال عدم توضيحه أن الشعار المُهدِد-المكتوب على الجدران-هو موزونٌ أيضاً بعناية لغوياً) ومن العنوان الفرعي الأكثر وضوحاً (كيف دمّر تشهوه السلطة لدى عائلةٍ سوريا).وهو يقتبس من قيادي سوري قوله قبل بدء الاضطرابات وبعدها: “يستحيلُ حكم مجتمعنا بدون الدعسِ على رؤوس الناس”.
كانت ردة فعل الأسد على احتجاجات درعا- بناء على نصيحة شقيقه الأصغر ماهر وابن خاله حافظ مخلوف- هو المراهنةُ على القمع. أطلق الأسد بشكل حاسم سراح المئات من الإسلاميين الذين كان قد تم تشجيعهم في السابق على محاربة الاحتلال الأمريكي للعراق بعد إسقاط صدام حسين، لكن تم سجنهم حين عادوا إلى بيوتهم. وكانت النتيجة أن شعار “سلمية” (سلمية الثورة) قد حُجبب التفجيرات الانتحارية الجهادية (بعضها مُلفقٌ من النظام) والهجمات بالبراميل المتفجرة.
في الأيام الأولى كان هناك نقاشٌ في العواصم الغربية حول كيفية رد الأسد على الاحتجاجات: أحد الأفكار كان أن تنصيبه في عام 2000 قد تبعه “ربيع دمشق” قصير الأجل.كان الحديث عن الإصلاح عالياً آنذاك، رغم أنه كان إلى حد كبير يتعلق بالتحرير الاقتصادي من أجل أصحاب الامتيازات، ولم يؤثر الحديث عن الإصلاح على “حاجز الخوف” الذي تحتفظ به فروع مختلفة من عناصر المخابرات السرية واسعة الانتشار.
كانت زوجته الساحرة الناطقة بالإنكليزية أسماء مكسباً بالغ القيمة حتى حين كانت سوريا في مأزق نتيجة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري. كان مروجو الدعاية يتوهمون فرصاً للتغيير الإيجابي، لكن قام نيكولا ساركوزي في عام 2008 بإكرام وفادة الزوجين الرئاسيين في يوم الباستيل،وفي العام التالي استضاف الزوجان أنجلينا جولي وبراد بيت في دمشق.
تعد الردود الدولية والإقليمية جزءاً مهماً من هذه القصة القاتمة والمستمرة.في أغسطس 2011، دعا باراك أوباما الأسد إلى التنحي. حذت بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حذو الولايات المتحدة. كان تعداد القتلى في سوريا بحلول نهاية ذلك العام قد تجاوز بالفعل 5 آلاف. كانت الاحتمالات الضعيفة للتدخل الغربي- طغتْ عليها دائماً حربُ العراق- قد بلغت ذروتها حينما وصل مناف طلاس إلى باريس بمساعدة عملاء المخابرات الفرنسية.
الصورة الكبيرة هي أن ردود الفعل الغربية المفتقرة إلى الحماس لم ترقى أبداً إلى مستوى التصميم الاستراتيجي الذي أبدته إيران بدعمها كل من الأسد وحزب الله اللبناني، وروسيا التي اغضبها دور الناتو في الإطاحة بمعمر القذافي.

إن الدعم الإقليمي غير المنسق للجماعات المتمردة السورية- التنافس السعودي والقطري والتركي على ممارسة النفوذ- ساعد على تحول المشهد العسكري والرواية الرسمية.ما رآه داغر صراعاً متحركاً من أجل الحرية- كما فعلت أنافي يناير 2012عندما أرسلت التقارير من دمشق ومنطقة قريبة إليها يسيطر عليها المتمردون- كان قد تحول إلى حرب على الإرهاب.يكتب داغر أن ذلك “كان متسقاً مع تقليد النظام الراسخ المتمثل في تغذية الوحش، ومن ثم تقديم نفسه إلى الغرب باعتباره الوحيد القادر على ذبحه، لكنه تقليد يخضع لشروط مسبقة”.
تعد صلةُ مناف طلاس طريقاً ممتازاً لصياغة السياق التاريخي (رغم أنه من العدل افتراضُ أن ما اختار طلاس الكشف عنه هو عنصر من عناصر التبرير الذاتي في الدفاع عن النفس). إذ شغل والده مصطفى طلاس منصب وزير الدفاع بولاء في عهد حافظ الأسد الذي حكم من عام 1971 حتى وفاته في عام 2000.كانت عائلة طلاس من طائفة الأغلبية المسلمة السنية في سوريا، واختير العديد منهم من قبل الأسد الذي ينتمي إلى طائفة الأقلية العلوية.

كان مصطفى طلاس في منصبه أثناء مذبحة حماة عام 1982،حين قُتِلَ الآلاف في أعقاب انتفاضة قامت بها جماعة الإخوان المسلمين.

بقيت حماه مثالاً عنالوحشية الرسمية.
داغر- مراسل صحيفة وول ستريت جورنال- لا يقوم فقط بتجميع هذه القصة المعقدة رابطاً بين التطورات بأسلوب ميسر من أجل جمهور غير خبير. إذ تنتشر في سرده الكثير من السبق الصحفي، ويؤكد الكثير منها على الوحشية الساخرة لنظام كان يقاتل- قبل أي اعتبار آخر- من أجل بقائه.
يكتب داغر أن جنرالاً سورياً تحدث معه واصفاً مقتل صحافية الصنداي تايمز ماري كولفين وزميلها الفرنسي في حمص بالـ ” مبرر”. كما أنه يُظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الأسد رتب قتل صهره آصف شوكت وغيره من كبار الشخصيات الأمنية، فيما أفيد من وسائل الإعلام الرسمية بأنه هجوم إرهابي.ويقتبس داغر من “مطلعين من داخل النظام” قولهم إن الأسد أمر قادة الجيش الحائرين بترك النقاط العسكرية الأمامية على الحدود العراقية مع ظهور داعش.

ويكشف داغر أن مناف طلاس نصح البرنامج السوري السري للمخابرات المركزية الأمريكيةCIA، وقد دُعِم من قبل حكومة المملكة المتحدة (التزمت فقط بتجربة الدعم غير الفتاك) بتنظيم لقاءات مع المنشقين المحتملين الآخرين.
يكرس داغر الكثير من فضاء الكتاب لقصة مازن درويش- المحامي العلوي وناشط حقوق الإنسان الذي تعرض للتعذيب في سجن صيدنايا سيءالصيت (حيث أفادت منظمة العفو الدولية أنه قد تم فيه إعدام ما يصل إلى 13 ألف معتقل)، وقصة سالي مسالمة وهي شابة من درعا.وقد انتهى بهما الأمر بالفرار إلى ألمانيا كجزء من موجة اللاجئين السوريين التي ساعدت في تحديد عدم تجاوب أوروبا مع الأزمة على عتبة بابها.

كان يمكن أن يكون مفيداً قراءة المزيد-رغم ذلك- عن أولئك السوريين الذين-رغم كل شيء- ظلوا ثابتين ومستمرين في دعم رئيسهم.
اجتهادُ داغر هو أن سكوتُ أوباما على استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية- ما أسفر عن مقتل ما يقرب من 1400 شخص في الغوطة في أغسطس 2013- كان نقطة تحول مصيرية.ويخلص إلى أنه “لا يوجد حدثٌ في تاريخ الصراع السوري ساعد المتطرفين الإسلاميين على تبرير إرهابهم ورسالة الكراهية أكثر منالهجوم… (في الغوطة) والطريقة التي تعامل بها المجتمع الدولي مع تبعاته”.
كانت اللحظة الأخرى الهامة هي التدخل العسكري لفلاديمير بوتين في سبتمبر 2015.منذئذ استعاد الأسد السيطرة على معظم أنحاء البلاد باستثناء محافظة إدلب التي فيما يبدو وكأنه االفعل الختامي الذي يجري الآن في مأساة سوريا.
في الأشهر الأخيرة، نشر النظام شهادات وفاة الأشخاص الذين اختفوا وتعرضوا للقتل والقتل-عازياً السببفي ذلك إلى النوبات القلبية أو السكتات الدماغية- بينما يتم إعادة بناء تماثيل حافظ الأسد التي دمرت منذ عام 2011 في درعا وفي أماكن أخرى.
إجمالاً، يبدو العنوان الفرعي (كيف دمرت شهوةُ السلطة لدى عائلةٍ سوريا)دقيقاً للغاية.

* إيان بلاك:محرر سابق لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان. وقد نُشِرَ هذا العرض في أسبوعية الأوبزرفر.
** سام داغر: كبير مراسلي صحيفة وول ستريت جورنال في الشرق الأوسط. وقد بدأ تغطيته للشرق الأوسط في 2003 لصالح وكالة فرانس برس. عمل لاحقاً لصالح صحف عامة أخرى من بينها كريستيان ساينس مونيتور والنيويورك تايمز، ورشح من قبل وول ستريت جورنال إلى جائزة بوليتزر وجوائز صحافية أخرى
***صدر كتاب سام داغر “الأسد أو نحرق البلد: كيف دمرتشهوةُالسلطة لدى عائلةٍ سوريا”في أواخر مايو 2019 عن دار النشر الأمريكيةLittle. Brown and Company.






---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رياض علي _ مبادرة سوريا الاتحادية والقرار 2254

القاضي رياض علي عندما سمعت من أحد الأصدقاء بمبادرة سميت “بمبادرة من أجل جمهورية سورية ...