الرئيسية | مقالات | حسين جلبي:اتجاهات الوضع في كُردستان بعد استفتاء الاستقلال
حسين جلبي: كاتب وباحث

حسين جلبي:اتجاهات الوضع في كُردستان بعد استفتاء الاستقلال

حسين جلبي: كاتب وباحث

دخل الكُرد في إقليم كُردستان،بسبب اجرائهم استفتاء على الاستقلال، واختيارهم بالنتيجة الاستقلال عن العرق في مواجهة مع تركيا وإيران، الدولتين اللدودتين، اللتان تجمعهما مشاعر الكراهية والتناحر في أكثر من ساحة صراع، ويجمعهما فوق ذلك العداء التاريخي للكُرد، الذي تبدو له الأولوية على ما عداه،حيث تستخدمان في الفترة الأخيرة،الحكومة الطائفية الشيعية في العراق بيدقاً مشتركاً، تقومان بتحريكه لاطلاق التصريحات العدائية ضد كُردستان بالنيابة عنهما، وللمطالبة باتخاذ إجراءات، مثل الحصار الشامل على الإقليم،تهدفان من ورائها إلى اركاع الشعب الكُردي بأقل الأثمان، ، مستندتين ـ أي تركيا وإيران ـ إلى ما تقولانه ضرورات الحفاظ على وحدة الأراضي العراقية،وشرعية تمتلكها حكومة العبادي، كان أكثر من سلبها إياها إيران، التي حولت العراق ـ باستثناء إقليم كُردستان ـ إلى ولاية فارسية تتبع عمامة الولي الفقيه، وأكملت تركيا عليه في مناسبات كثيرة، كان آخرها الاهانات العلنية، التي وجهها الرئيس التركي اردوغان لرئيس الوزراء العبادي، حيث خاطبه وكأنه موظف صغير عنده، والذي تتواجد قواته في مناطق من العراق رغماً عن حكومته، هذا عدا عن الأطماع التي لا تكف تركيا عن اظهارها في كركوك والموصل.

من جهتها لجأت حكومة إقليم كُردستان، منذ استفتاء الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي إلى سياسة النفس الطويل، وعمدت إلى تهيئة نفسها لامتصاص الصدمات التي ستترتب عليه، والتي بدأت في الحقيقة منذ لحظة الإعلان عن الاستفتاء، ووصلت إلى ذروتها عشية توجه المواطنين إلى صناديق التصويت، الأمر الذي نجحت معه في تجاوز امتحان الاستفتاء. وعندما توالت التصريحات المتشنجة من حكومة العبادي، بعد التصويت الحاسم لمصلحة الاستقلال، وذلك بالتوازي مع التهديدات التركية والإيرانية، المترافقة مع اجراءات على الأرض، لجأت حكومة الإقليم، كما فعلت في البداية إلى الشارع الكُردي، وكأنها تضع قرار الاستقلال، وبالتالي الدفاع عنه بعهدته، وقد زادت التصريحات المعادية الكُرد تقارباً، وكلما ارتفعت نبرتها، ازداد التفاف المواطنين حول قيادتهم، وتصميمهم على المضي معها إلى الهدف المنشود، الأمر الذي وفر للقيادة الكُردية أريحية في الثبات على الهدف، و في إدارة ملف الصراع بهدوء تحسد عليه، ما أخرج الطرف المقابل عن طوره، ودفعه إلى التخبط خلال سعيه لتسجيل نقاط لمصلحته.

إذا ما أجرينا مقارنة بين عناصر القوة، بصرف النظر عن قوة الحق الذي يمتلكه الكُرد، وحق القوة الذي يظهر وكأنه يميل لمصلحة الأتراك، الإيرانيين والحكومة العراقية التي يديرونها، فاننا نجد رغم ذلك خوفاً يستشعره الطرف الأخير، من مجرد محاولة الاقدام على فتح صندوق لا يعلم ما ينتظره بداخله، إذ إن مطالبة الكُرد بالحوار، وعدم مقابلتهم التهديدات باستخدام القوةبما يماثلها، للدفاع عن قرار الاستقلال، تعتبر قوة في حد ذاتها، وهو ما يناقض مواقف الطرف الآخر الذي كشف كل أوراقه، وبدى كل لاعب فيه وكأنه يحاول الاستفادة من الوضع الناشئ، مع التنصل من القيام بأي إجراء فعلي، أو من تحمل أية أعباء قد تترتب عليه،وإذا أضفنا إلى ذلك الموقف الدولي الهادئ من الاستفتاء، الذي يجعل الدول الثلاث في ريبة من أمره، من احتمال أن تكون المواقف الدولية فخاً منصوباً لها باحكام، مع ما قد يستتبعه ذلك من احتمال وجود رد فعل قوي، إذا ما أقدمت على أية خطوة متهورة، فإن الوضع يتجه إلى التجميد، مع بعض الشغب هنا وهناك، انتظاراً لحل، يحفظ ماء وجه الأطراف التي عمدت إلى رفع سقف مطالبها.

في الحقيقة تجد إيران وتركيا حالياً نفسيهما في موقف لا تحسدان عليها، فالصداع الأمريكي الدائم، بمفاجآته غير السعيدة ـ طبعاً ـ يكاد يضعضع استقرار الدولتين، إذ لا يكاد الوضع يهدأ في جبهة ما، حتى تفاجأهما الحكومة الترامبية بما يعكر عليهما وهم القوة وفرحة الانتصار، وحكومة العبادي، الذي يسعى لأن يكون ظل صدام حسين على الأرض، لا يقل وضعها سوءاً، إذ كل أبواب السوء مفتوحة عليها على مصراعيها، الأمر الذي يمنعها من فتح جبهة جديدة على نفسها، وسيحول تصريحاتها المعادية لكُردستان، مع طول تكرارها إلى وبال عليها.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد الحسيني:الواقعية السحرية والدلالات الرمزية في رواية * فقهاء الظلام * للأديب الكردي سليم بركات

محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي   سليم بركات الشاعر المبدع , يبدأ مشواره الروائي بالمفهوم المتداول ...