الرئيسية | مقالات | بوتان تحسين: الكورد في جعبة “الاخوات السبع”

بوتان تحسين: الكورد في جعبة “الاخوات السبع”

بوتان تحسين: المدير العام لمؤسسة “باسينوز” الصحافية في كردستان العراق

 

البترول باعتباره شريان الارض الدافق، بعد اكتشافه، تحوّل في القرن العشرين الى شريان القوّة لدى الدول العظمى.

ويعد احد عوامل واسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى، يخاصّة، جراء وجود احتياطي كبير منه تحت الجسد المنهك للامبراطورية العثمانية، والتي كانت تعرف آنذاك بـ”الرجل المريض”. فالكل كان يحدّق صوب جزء من ميراث وأملاك تلك الامبراطوريّة.

الغالبية العظمى من احداث وافرازات القرن العشرين حدثت من منظور عمليات انتاج البترول ومصالح الشركات الكبرى العاملة في قطاع النفط. هذه الشركات المعروفة بالاخوات السبع (Seven Sisters) وهي شركات (انجلو ايرانيان التي تحولت لاحقاً الى بريتش بتروليوم، غولف اويل، رويال دوتش شيل الهولندية، ستاندار اويل شركة كاليفورنيا: التي هي حالياً شيفرون، ستاندار اويل شركة نيوجرسي: وهي الآن ايكسون، وستاندار اويل شركة نيويورك: وهي الآن ايكسون موبيل، والسابعة هي تيكساسيكو، واصبحت لاحقاً شيفرون).

مجموعة “الاخوات السبع” كانت حتى ساعة تأسيس منظمة اوبك تسيطر على 85% من عمليات انتاج وتجارة النفط العالمية. ومع تأسيس هذه المجموعة، فإن حالة الشرق الاوسط، ارتبطت بالمصالح القريبة والبعيدة المدى لهذه المجموعة. مشاريع وتجارة هذه المجموعة كانت دوما تحرك الارادة الدولية من خلف الستار، سواء أكان في مجلس الامن الدولي أم خارج هذا الاطار. إن مؤسسات الامن القومي والمؤسسات الاستخباراتية كانت تعمل وفق منظار مصلحة هذه المجموعة وأرباحها. المخططون الاستراتيجيون الامريكان يقولون بكل صراحة: “الامن القومي الامريكي يعني امن الطاقة الامريكية”.

أمسكت مصالح هذه الشركات خلال القرن الماضي بزمام الأمور السياسية، وحددت توازن القوى العالمية. القسم الاعظم من معطيات العمل لدى هذه الشركات هو بترول دول الشرق الاوسط. لذا، فأن بعض هذه الشركات حملت أسماء بلدان الشرق الاوسط، مثل شركة “انجلو ايران” البريطانية، والتي تم تغيير اسمها تالياً الى شركة “برتيش بتروليوم”، وكانت هذه الشركة السند للانقلاب الذي دبّر ضد محمد مصدّق رئيس الوزراء الإيراني الأسبق، منتصف خمسينيات القرن الماضي، رغم تسلّمه السلطة عن طريق الانتخابات. وعندما قام جمال عبدالناصر بتأميم قناة السويس، فان هذه الشركة قامت بتحريض كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من اجل استخدام السلاح النووي لضرب مصر.

تأميم النفط في بعض البلدان المنتجة له وتأسيس منظمة “اوبك” خارج ارادة ورغبات “الاخوات السبع” هذه، كان بمثابة الشرارة  لحرب خفية في الصراعات الدولية. جزءٌ كبير من هذه الحرب الدولية، كانت على شكل حرب مخابراتية. إن معاداة مصالح وبرامج هذه المجموعة (الاخوات السبع) والسعي لتدمير وتخريب البنية التحتية لانتاج البترول خلال القرن الماضي، كان دوما كاللعب بالنار، دفع بمصير اللاعبين باتجاهات مشؤومة .

عام 1973 عندما اقدمت السعودية وبالتنسيق مع البلدان الاخرى في منظمة “اوبك” على إيقاف انتاج وتصدير البترول، تسببت في خلق ازمة عالمية في مجال قطاع الطاقة، فقتل الملك فيصل من قبل ابن اخيه في حادث غامض. وهذه الازمة بالذات كانت السبب في تراجع ثقة الدول الغربية بشاه ايران، الذي وبعد انقلاب عام 1979 لم يجد من يستقبله.

صدام حسين الذي يقول البعض من قادة حزب البعث في مذكراتهم: بأنه جاء الى سدة الحكم بالقطار الامريكي، تمّ التغاضي عن جميع تجاوزاته وانتهاكاته مقابل حراسته المصالح النفطية لهذه الشركات. لكن يوم قيامه بتفجير آبار نفط الكويت، قرّرَ وضع نهايتهِ بنفسه.

ذاق الكورد أحياناً، وبشكل مباشر، مرارة أفعال هذه الشركات. فكلما أراد الكورد اللعب بهذه الورقة تعرّضوا الى نكسة. بحسب بعض المصادر عام 1974 وبعد انهيار اتفاقية 11 آذار بين الكورد والحكومة العراقية، نفذت قوات البيشمركة عملية عسكرية ضد آبار نفط كركوك وقصفتها بالصواريخ. آنذاك، كان النفط العراقي مؤمّم بصورة شكلية. لكنه كان فعلياً تحت سيطرة تلك الشركات العملاقة. وسخّرت الحكومة العراقية كل امكانياتها الدبلوماسية من اجل إظهار أن اهداف الثورة الكوردية لا تتوافق مع مصالح هذه الشركات. وتمّ اطفاء شعلة ثورة جماهيرية كبيرة بموجب اتفاقية الجزائر.

مرّة أخرى، عندما قامت قوّة من حزب “الاتحاد الوطني الكوردستاني” عام 1987 بالتعاون مع الجمهورية الاسلامية الايرانية بقصف الآبار النفطية في كركوك بالصواريخ، فان ميزان الدعم الدولي انتهى تماما لصالح دعم العراق. وتلّقت الحكومة العراقية بشكل غير مباشر الضوء الاخضر كي تكون طليقة اليدين لتوجيه الضربات الكيمياوية وتنفيذ حملات الانفال ضد الكورد. وتغافل الرأي العام الدولي حيال حملة الابادة الجماعية الكبيرة هذه، ولم ينبس ببنت شفة، حتى اضرام النار في آبار الكويت النفطية، المذكور أعلاه. وبحسب تصريحات لبعض القادة الكورد: فإن مسؤولي بغداد كرروا مراراً على مسامع الوفود الكوردية: إن “نفط كركوك لم يكن ملكنا، ولن يكون ملكا لكم”.

انتهاء مرحلة القطبين بسقوط الاتحاد السوفيتي، أتى بفرص جديدة أمام هذه المجموعة من اجل فتح سجل المحاسبة مع جميع الاطراف التي وجّهت الضربات خلال نصف القرن الماضي الى مصالح هذه الشركات. مرّة اخرى، وتحت عنوان “الربيع العربي” الثاني تقوم بمساءلة وقصاص كل الذين تحركوا بالضد من مصالحها خلال الفصل الاول من “الربيع العربي”.

بحسب دراسة لمعهد “بروكينك” البريطاني، والتي قدّمت عام 2014 في العاصمة القطرية الدوحة، الفصل الجديد من “الربيع العربي” الذي انطلق اعتبارا من عام 2011 اطلق عليه الفصل الثاني من “الربيع العربي”. وبحسب هذه الدراسة فإن الفصل الاول من “الربيع العربي” قد انطلق في خمسينيات القرن الماضي، وذلك عندما حرّض جمال عبدالناصر بمغازلة الرأي العام العربي من خلال اذاعية “صوت العرب” من القاهرة، على القيام بالثورة ضد الملكيات العربية والامبريالية العالمية وتسبب في أزمة عالمية للبلدان الغربية. وآنذاك، تم استخدام مصطلح “الربيع العربي”. وحين قاموا بوضع خطة الفصل الثاني من “الربيع العربي”، فأن الموجة شملت فقط البلدان التي شملتها الحملة الاولى من “الربيع”. بعبارة أوضح، إن البلدان التي شهدت الانقلابات هي فقط تحوّلت الى ساحة للفصل الثاني من “الربيع العربي” وشملت مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن وسوريا. علاوة على شراراة قليلة في البحرين من دون ان تطال بلدان الخليج والاردن والمغرب.

لقد كتب الكثير من التحليلات حول مجريات الواقع العالمي بعد سقوط الشيوعية. أعلن برجنسكي الذي كان مستشاراً سابقا للامن القومي الامريكي في مقال له في التسعينيات، بأن: “خارطة العالم السياسية لا تتوافق مع شروط ومستلزمات ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، ويجب أن نشهد حدثاً عالمياً كبيراً. ومن خلال نتائج هذا الحدث العالمي نقوم بتغيير الكثير من تكوينات الخارطة السياسية الحالية. هذه الخارطة يجب أن يطالها التغيير”. وهذه الخطة تم الاعداد لها منذ الثمانينيات، خصوصا اثناء فترة رئاسة رونالد ريغن للولايات المتحدة ومارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك. إن البلدان الغربية التي قامت بعناوين شتى بتشكيل العديد من المنابر المشتركة. فقد تم خلال فترة “ريغن- تاتشر الاعداد لصيغة جديدة من توازن القوى في العالم، بالشكل الذي يمهد لصياغة النظام السياسي العالمي من منطلق القوة والنفوذ الاقتصادي. ويطلق على كل من ريغن وتاتشر لقب أب الرأسمالية الجديدة ضمن ذاكرة التأريخ الغربي المعاصر. قام الاثنان، وفي وقت عصيب باتخاذ قرارات جريئة، بغض النظر عن مجلس الامن الدولي وباقي القوى الدولية. الاسس السياسية لتلك الفترة بلورت صيغة بحيث تكون الارادة الدولية رهن منظمة مثل (G20) وليست رهن مجلس الامن. وكامتياز يتم تشخيصه وتحديده من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وهاتان المؤسستان هما بمثابة إدارتي تنفيذ لقرارات وتوصيات مجموعة (G20).

قال دونالد ترامب، أثناء حملته الانتخابية، بصريح العبارة: “إن البترول العراقي ملك مستحق للولايات المتحدة”، وهو امتداد للخطة التي وضعت في عصر ريغن وتاتشر. يطالب ترامب بشكل صريح بأن يتم تخصيص نسبة 2% من اجمالي الدخل القومي لبلدان منظومة الناتو للولايات المتحدة. وأثناء فترة اوباما تمّ تطبيق هذه الحقيقة عندما قام الامريكان بوضع خطة دولية للقضاء على منظمة “داعش” في اجتماع عقد عام 2014 في جدّة، حيث حملت بلدان الخليج تكاليف الحرب على “داعش”. وعهد بجزء من تكاليف هذه الحرب بذمة ايران وذلك تحت غطاء الاتفاقية النووية. وبعد ازاحة صدام، اثيرت الكثير من الاقاويل، بان هناك اتفاقية سرّية بين الامريكيين والبريطانيين والايرانيين، بحيث لا تقترب ايران من حقول انتاج البترول في مناطق جنوب العراق، فيما تكون طليقة اليدين في القطاعات الاخرى.

شاركتُ قبل مدة في ندوة لمركز اكاديمي، تم فيه توجيه سؤال الى متخصص تركي بالقانون الدولي اسمه (محمد اوزون): تُرى، هل يعيش العالم حالياً حرب باردة جديدة؟. اجاب هذا الاكاديمي، وبالادلة: “يعيش العالم حالياً حالة حرب ساخنة، وليست حرباً باردة”. إجابة المتخصص التركي ذكّرني بحديث لـ(مادلين اولبرايت)، حين كانت وزيرة للخارجية الامريكية قالت فيه: “الحرب العالمية الثالثة ستكون تحت يافطة الحرب ضد الارهاب. لكن هذه الحرب ستكون مختلفة من كل النواحي عن الحربين العالميتين السابقتين. حربا مختلفة من ناحية الساحة وصيغة المواجهة ومدتها الزمنية”. هذه الحرب التي تحدثت عنها اولبرايت، هو ذاته الحدث العالمي الذي كان ضرورياً من وجهة نظر برجنيسكي. ومن أجل ترسيخ قيم رأسمالية ريغن وتاتشر بعد تهاوي الاشتراكية، يقوم ترامب بتنفيذها بشكل مباشر. حيث أن اغلبية فريقه جاءوا من رحم “الاخوات السبع”.

ما هو موقع الكورد في جعبة “الاخوات السبع”؟. هل وجود الثروة النفطية في أرض الكورد يعطيهم فرصة التحوّل الى لاعب فعّال في خطة هذه المجموعة واجندتها؟. تُرى، الى أي مدى يمتلك الكورد الدراية والاطلاع على آليات وأطر عمل هذه المجموعة؟ بحيث يتحوّل ذلك الى خميرة للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟. الجغرافية السياسية للكورد الى أي مدى تستطيع أن تلعب دوراً في عملية نقل البترول والغاز الطبيعي؟ ما هي خطة الكورد حول كيفية التعامل مع ايرادات هذا البترول؟. فالعملية السياسية في المستقبل لن تكون مرتبطة فقط باستخراج النفط، بل الاهم من ذلك هو نقل البترول وخطط صرف ايراداته.

ساحاول في مقال آخر، التوقّف عند إجابات هذه الاسئلة والاستفسارات، وانهي مقالي هذا بمقتبس بتصرف لعبارة للمخرج السينمائي الكوردي هونر سليم، حين كان الكورد في خضم حملة ابادة كبيرة ترتكب بحقهم: “ماضينا مآتم، حاضرنا مآسي ولا مستقبل لنا”. مقارنة بمآتم الماضي ومآسيه، كل ما سيحصل عليه الكورد حالياً يُعتبر إنجازاً.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا_العقد الوطني الجامع أساس الخلاص السوري.. مشروع مبادرة حالمة

كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة. الأزمة السورية معقدة بكل المقاييس، ومرد ذلك إلى عوامل ...