الرئيسية | مقالات | روزين خيركي: المرأة الكردية بين الواقع والمأمول

روزين خيركي: المرأة الكردية بين الواقع والمأمول

روزين خيركي: صحافية كردية سورية

 

تُعدُّ المرأة جزءاً رئيسيّاً من كيان المُجتمع، وهي تتجاوز اعتبارها “نصف المجتمع” كما يصفها العديد من الفلاسفة، نظراً للدور الذي تلعبه في تأسيس الأسرة التي تعتبر الخلية الاولى في مجتمع سواء على صعيد بناء الأجيال والحفاظ على اللغة وتلقينها لهم، والحفاظ على جوانب مهمة تدخل في تكوين الهوية الثقافية لأي شعب من شعوب المعمورة. وشغلتْ المرأة عبر العصور أدواراً مهمّةً، وكانت فاعلةً ونَشطة ومؤثّرة في الكثير من الاحداث. كذلك عانت المرأة وكافَحَتْ كثيراً لإثبات حضورها وشخصيتها، كما ذكرها الروائي المصري نجيب محفوظ في إحدى شخصيات رواياته، عندما أصبحت اول امرأة في مصر وتدعى “توحيدة بنت أم علي” خارج المنزل، وتوظّفتْ في إحدى الدوائر الحكومية، وتحدّت كسر الأعراف والتقاليد.

للمرأة حق المشاركة في جميع مجالات الحياة، حسب التشريعات القانونية والمواثيق الدولية. ولكن ما هي نسبة حصول المرأة الشرقية بشكل عام والكردية على وجه الخصوص على حقوقها وفق هذه المواثيق والعهود والشرائع الدولية، كحقها في الإرث والتعليم والعمل السياسي والإداري والعسكري والترفيه…الخ؟.

رغم أن نسبة كبيرة من حقوقها محفوظة في بعض المجتمعات الغربية، ومع ذلك ما زالت المرأة هناك تطالب بالمزيد، خاصةً ما يتعلق بقوانين العمل. تعيش المرأة في الغرب مكرّمة معززة، وحقوقها مساوية لحقوق الرجل تقريباً، بينما في المجتمع الشرقي تنحصر حقوقها في بعض المجالات المحدودة. وبالاضافة إلى ذلك فأنها تتعرض للعنف الأسري والاجتماعي ضمن هذا المجتمع الذكوري.

هنالك من ينظر إلى المرأة على انها فقط موضوع للتغزّل بها وتشبيهها بالفراشة الناعمة او الغزالة او الحمامة…الخ التي خلقت لتسر عيون الناظرين إليها. وفي مواقف كثيرة تتعرض للتحرش تحت غطاء ما نسميه في العامية بـ”التلطيش”. وإذا تحدثنا عن المجالات التي تشارك فيها المرأة هنا في هذه البقعة السوداء (المجمتع الشرقي)، فهي محددة، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، كالتعليم والمنظمات المدنية. ويكاد يكون دورها شكلياً غير فاعل، مقارنةً بدور الرجل. أما القطاع الإعلامي بوصفه السلطة الرابعة التي تشكل منبراً مهماً في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وعن طريق الإعلام تستطيع المرأة أن تمارس دوراً مؤثراً في تنوير المجتمع وتوعيته، كذلك الامر، نسبة حضور المرأة في هذا القطاع قليلة جداً. حتى ان بعض المؤسسات تتعامل مع المراة وكأنها لزوم الديكور، لا أكثر.

فيما يخص مشاركتها في العملية السياسية بخاصة في كردستان العراق، وضمن الاحزاب الكردية العراقية والسورية، كذلك نسبتها قليلة جداً، وتكاد تكون معدومة قياساً بنسبة الرجل. فممارسة العمل السياسي والتنظيمي لا يحتاج إلى جهد عضلي حتى يتم استبعادها أو تغييبها.

ربما لا يختلف واقع المرأة الكردية عن المحيط الشرق اوسطي الموبوء والمخنوق بالعادات والتقاليد البالية رغم اننا في القرن الواحد والعشرين. وإذا أرادت المرأة أن تمارس السياسة هنا لابد أن تأخذ بعين الاعتبار قواعد وعادات وتقاليد وضوابط المجتمع والتي تضع العوائق والعراقيل امام رغبتها في الانخراط ضمن العمل السياسي الحر. لذا، تلجأ إلى وسيلة وحيدة ويتيمة تمارس من خلالها السياسة، إلا وهي المنظومة الحزبية. ولا خلاف على الفكرة من حيث المبدأ، الخلاف هو أن هذه الاحزاب الكردية هي أيضاً نتاج هذا الواقع المتخلف الذي جعل من الحياة الحزبية كالحياة القبلية والعائلية، على صعيد توزيع المهام والمناصب. فسكرتير الحزب يجمع حوله حاشية من الأقرباء والأصدقاء المقربين. لذا يتم التعيين حسب الأهواء وصلة القربى والولاءات وليس وفق الكفاءات والمهارات والتجارب والمواهب. حتى ان وجود بعض النساء في بعض الاحزاب والمؤسسات الحزبية يفتح المجال للتساؤل حول ذلك، وفي ما إذا كانت هذه السيدات وصلن إلى مناصبهن بجهدهن النضالي؟ ام ان الامر مجرد تعيين، لا أكثر؟.

ربما يعتبر الكثيرون كلامي هذا مسيئاً لهم او لهن أو للمجتمع الكردي الذي نعيشه فيه ونعاني مرارته. وأعلم انني ساكون عرضة لانتقادات كثيرة، وسيأتي البعض بالامثلة على عدم صحة الافكار والملاحظات التي طرحتها، وأن الوسط السياسي الكردي مساعد على حضور المرأة ويقدر دورها، وأن كل الامور جيدة ووردية وتمام التمام.

ما زالت المرأة الشرقية والكردية على وجه الخصوص في سجون الأنظمة الذكورية، سجون العادات والتقاليد البالية، سجون التخلف والاستبداد، بالإضافة إلى السجون السياسية. وخير مثال على ذلك الناشطة الحقوقية رزان زيتونة والمئات وربما الآلاف من أمثالها، ولا احد يعلم مصير زيتونة؟ وهل ما زالت حية أم لا؟. كذلك الحال مع القيادية فصلة يوسف. وقبلها البرلمانية الكردية ليلى زانا…، كلهن ضحايا هذا الواقع المزري. هذه البيئة المتخلفة المتعفنة فرضت على المرأة هذا النمط من الحياة المليئة بالانتقاص والمهانة والذل والظلم.

إزاء هذه الحال البائسة، ربما جزء من المسؤولية يقع على عاتق المرأة أيضاً. فالحركة التحررية النسائية الكردية المستقلة على صعيد المنظمات الحزبية او مؤسسات المجتمع المدني، لم تصل الى ذلك المستوى المؤثر والفاعل. وبالتالي المعاناة التي تعيشها المرأة الكردية بشكل خاص والمرأة في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام هي معاناة مركبة ومعقدة. ولا يمكننا الحديث عن تحرر المجتمع طالما بقي واقع المرأة على هذه الحال.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مستقبل سوريا شبابها مثلما هي مستقبلهم

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث جاءت الوقفة الشبابية السورية في ظروف بالغة التعقيد تعيشها منطقة ...