الرئيسية | دراسات | د.عبدالباسط سيدا: المسألة الكردية بين تجاذبات المصالح البريطانية والفرنسية (1916-1923)

د.عبدالباسط سيدا: المسألة الكردية بين تجاذبات المصالح البريطانية والفرنسية (1916-1923)

د.عبدالباسط سيدا_كاتب وباحث كردي سوري

 

في أي حديث حول القضيّة الكرديّة في منطقة الشرق الأوسط، سابقاً وحاليّاً، يبرز العامل الدولي باعتباره الضالع الرئيس في مأساة الكرد وما هم عليه الآن من تقسيم بين أربع دول. اليوم أيضاً، يتم الحديث عن الدور الروسي والأمريكي في هذه القضية الملتهبة من قرن نيّف من الزمن. ومع اختلاف الظروف والشروط والمعطيات بين الأمس واليوم، تبقى المخاوف من أن تكون القضية الكردية ضحيّة مصالح الدول الكبرى وصفقاتها، جديّة وقائمة. ولفهم ما يجري اليوم، تحاول هذه الورقة البحثيّة تناول المسألة الكردية في إطار التجاذبات والصفقات بين القوى الدولية الكبرى، (بريطانيا وفرنسا) قبل ما يزيد عن قرن تقريباً، في سياق الظروف الشرق اوسطية التي اعقبت الحرب العالمية الأولى، واكتشاف النفط في مناطق كركوك والموصل.

 

بداية الانتداب الأوروبي على المنطقة:

كانت منطقة سورية الطبيعية ما عدا فلسطين بالإضافة إلى الموصل وأجزاء من كردستان الجنوبية الغربية من نصيب فرنسا بموجب اتفاقية “سايكس – بيكو” عام 1916 التي اتفقت بموجبها كل من بريطانيا وفرنسا بصورة أساسية، مع الدول الأخرى المتحالفة مثل روسيا وايطاليا بالدرجة الثانية، على تقسم المناطق التي كانت خاضعة للدولة العثمانية فيما بينها، وتحويلها إلى مناطق احتلال مباشر، وانتداب، ونفوذ. لكن مجريات الحرب والعلاقات الدولية، فضلاً عن التطورات الإقليمية والأطماع الاستعمارية، خاصة البريطانية منها، حالت دون تنفيذ اتفاقية “سايكس – بيكو” كما كانت تنصّ حرفياً، بل أدخلت عليها تعديلات كبرى. فروسيا انسحبت من الحرب بعد الثورة البلشفية عام 1917، وايطاليا لم تكن متحمّسة، أو بالأحرى، لم تكن قادرة على التحكّم بمقادير الأمور في المنطقة. كما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قوة في طريقها إلى البروز على الصعيد الدولي، لذلك لم تكن عاملاً مؤثراً مثل بريطانيا في ذلك الوقت. في حين شهدت تركيا تحولات متتابعة لافتة للنظر، تجسّدت في تصدّي مصطفى كمال للسلطان، وتشكيله المجلس الوطني الكبير في أنقرة، واستقطابه قطاعات واسعة من الرأي العام التركي، خاصة في أوساط الجيش. الأمر الذي مكّنه من تحقيق العديد من الانتصارات العسكرية والسياسية، مثل انتصاره على اليونانيين، وبناء العلاقات مع روسيا الاشتراكية وقتذاك، وإجبار الخليفة على الاعتراف به قوة قيادية في البلاد. حتى أن سامي بكير ترأس الوفد التركي المشترك الذي كان يمثل مصطفى كمال في أنقرة والسلطان في استانبول، وذلك في مؤتمر لندن عام 1921. إلى جانب ذلك اكتشفت بريطانيا بأنها أخطأت الحساب حينما وافقت على إعطاء فرنسا ولاية الموصل الغنية بالنفط الواعد منذ ذلك الحين. كما أن المنطقة ذاتها لم تكن بعيدة كثيراً عن الهند ولا عن روسيا الاشتراكية، العدو المنتظر. لذلك ارتأت إعادة النظر في اتفاقية “سايكس – بيكو” رغبة منها في اخذ لواء الموصل من فرنسا بأي ثمن. وما عزز توجهها هذا هو وصول قواتها إلى المنطقة قبل فرنسا، وسيطرتها على مساحات واسعة منها[1].

 

وتنبهت تركيا وفرنسا لما كانت بريطانيا تفكّر فيه. الأمر الذي أثار حفيظتهما، من مواقع مختلفة. ففرنسا كانت تعلم أن المنطقة ستكون في المستقبل واحدة من أغنى مناطق العالم بالنفط، وترى ضرورة الحصول على قسط من هذا النفط بغية الاستمرار كقوة عظمى في مواجهة بريطانيا، وقادرة على رسم ملامح السياسة الدولية من موقع الشريك القوي. أما تركيا فكانت تخشى جدية بريطانيا في إنشاء دولة كردية مستقلة، تكون حاجزاً بين مستعمرات هذه الأخيرة في العراق والخليج، وروسيا وتركيا. دولة من شأنها مدّ بريطانيا بأسباب التحكم بمصير دول المنطقة. وتنبه ارنولد توينبي للتخوّف التركي هذا خلال زيارته لأنقرة في نهاية عام 1922، إذ خرج بانطباع من الأحاديث التي أجراها مع رئيس الوزراء حسين رؤوف بك (إن الدافع الأكبر خلف مطالب الأتراك في عودة هذا الإقليم “ولاية الموصل” لم يكن اقتصادياً أو استراتيجياً، بل سياسياً وهو مرتبط كلياً بالأكراد)[2].

 

أتاتورك والأكراد:

ويكمن تفسير ذلك في أن الأتراك كانوا يريدون إذابة الكرد في كيانهم السياسي. وحول هذا الموضوع يقول لازاريف: (يجب أن نعطي توينبي حقه. فقد أدرك آنذاك خطر السياسة، وانسداد آفاقها التي بغض النظر عن تخلّف الأكراد، تجلب مصاعب كبيرة لأنقرة مثل التي “جلبها الألبانيون للإمبراطورية العثمانية القديمة. ربما كان من الحكمة أن يقترح كمال وزملاؤه على الأكراد موقف الشركاء المتساوين” لكنهم آثروا “سياسة الصهر” وتأكد توينبي من أن الكماليين يطمحون إلى توحيد كردستان كلها تحت الإشراف التركي. ذلك أنهم يجدون في اقتسام كردستان مصدر خطر دائم على تركيا)[3]. مع مرور الوقت، أكّدت بريطانيا صراحة تمسّكها بولاية الموصل، (بل إنها كانت تعلن بأن لديها مشروعاً حول استقلال كردستان تركيا وكردستان فارس)[4]. وهو ما عرف بمشروع اللورد كيرزون.

وحول أهمية ولاية الموصل بالنسبة إلى تركيا يقول المؤلف الألماني كارل هوفمان: “إن كردستان الجبلية بالنسبة لتركيا هي عبارة عن حاجز إقليمي في الشرق. ولكي تقوم تركيا بالالتفاف على كردستان غير الآمنة من الجنوب فانها تحتاج إلى منطقة الموصل. أو على اقل تقدير، إلى الجزء الشمالي من هذه المنطقة وحتى كركوك وكيفري في الاتجاه الجنوبي الشرقي. وهنا تنحصر الأهمية الإقليمية، السياسية لمنطقة الموصل بالنسبة لتركيا”[5]؛ واستمرت لعبة شد الحبل بين الإطراف الثلاثة: بريطانيا، فرنسا، وتركيا، حول منطقة الموصل والحدود المنتظرة لنفوذ كل طرف. الخلاف البريطاني – الفرنسي كان يتمثّل في عدم التوصّل إلى اتفاق بخصوص منطقة انتداب ونفوذ كل منهما. ونشير هنا إلى أن اتفاقية “سايكس – بيكو” كانت غير مقبولة، من وجهة النظر البريطانية على الأقل. أما الخلاف البريطاني – التركي كان حول ولاية الموصل. إذ أن تركيا كانت تريدها بأي ثمن، في حين أن بريطانيا تمسّكت بها حتى النهاية.

الخلاف الأول، تم تسويته إلى حد ما بموجب المعاهدة الانكلو- فرنسية التي تم التوقيع عليها في باريس في 23 كانون الأول عام 1920. وحُدّدَت بموجب هذه المعاهدة (الأراضي الواقعة تحت حكم انتداب الدولتين العظميتين في سورية والعراق. واعتباراً من هذا التاريخ يبدأ اسمياً كردستان الجنوبية – الغربية. ذلك أن الحدود الجديدة ضمت جزءاً من الأراضي الكردية إلى سوريا. وبالنتيجة وجدت عشائر كردية نفسها على جوانب الحدود المختلفة كانت قريبة من بعضها البعض)[6].

 

الكرد وطموح الاستقلال:

والجدير بالذكر هنا أن الوعي القومي في هذه الفترة كان متبلوراً إلى حد كبير لدى الكرد الذين كانوا يطمحون في الاستقلال، شأنهم في ذلك شأن سائر الشعوب التي كانت خاضعة فيما مضى للإمبراطورية العثمانية. (لكن القوى التي تألبت على بلادهم كانت تفوقهم في العدة والعدد. ومع ذلك حارب فريق من الزعماء الأكراد ضد الفرنسيين والأتراك في آن واحد. وبلغ في آب عام 1923 عدد الثوار الأكراد في شمال سورية ألفي مقاتل. وأدّت هذه الأحداث إلى اتهامات متبادلة بين الأتراك والفرنسيين في تحريض الأكراد، والى تقديم مذكرات ديبلوماسية في كل من أنقرة وباريس)[7].

وحول تصدي الكرد في جنوب غربي كردستان للتدخل الفرنسي في منطقتهم يقول لازاريف: (أبدى الأكراد حمية اكبر في النضال ضد التدخل الفرنسي في جنوب شرق الأناضول في الفترة ما بين 1920-1922. وهذا مفهوم لان السكان الأكراد قاموا بالدفاع عن ديارهم الأصلية وواجهوا العدوان الاستعماري وجهاً لوجه. وقاتل الأكراد بتفان في مناطق ماراش، وماردين، وعنتاب “غازي عنتاب” بصورة مستقلة).

أما فيما يتصل بالخلاف البريطاني – التركي حول ولاية الموصل، فقد كان باستمرار العقدة المستعصية في جميع الاجتماعات والمداولات التي تمت خلال المرحلة الفاصلة ما بين نهاية الحرب العالمية ومؤتمر لوزان “1920 -1923”. وصرّحت بريطانيا مراراً أنها عازمة على إنشاء دولة كردية انسجاماً مع وعودها لجميع الشعوب التي كانت خاضعة للنير العثماني. لذلك كانت تتمسك بولاية الموصل بوصفها ورقة أساسية على طريق تحقيق هذا الهدف المعلن الذي كان يخدم، على ما يبدو، أهدافاً أخرى غير معلنة، تتصل بموقع كردستان، وغنى المنطقة وحسابات المستقبل. في حين أن الأتراك كانوا يريدون كل كردستان، لإدراكهم أن بقاء أجزاء منها خارج نطاق سيطرتهم سيكون عامل قلق وإثارة دائمين في المستقبل، لكنهم في المقابل كانوا يدركون أهمية كردستان بالنسبة لبريطانيا. وهذا ما ورد في الحديث الذي أدلى به مصطفى كمال للسفير السوفياتي آنذاك، س.ي. ارالوف. ومما قاله في هذا السياق: (إن المسألة الكردية  مسألة متشابكة ومعقدة. واعلم أن كردستان غنية بالنفط والنحاس والفحم والحديد وغيرها من الثروات المعدنية، وان أنظار الكثيرين شاخصة نحو كردستان، وقبل كل شيء بريطانيا، خصمنا الرئيسي. كما يؤثر هنا الاستراتيجية وطرق التجارة المؤدية إلى بلاد فارس والقفقاس وميسوبوتاميا. وتنتهز بريطانيا فرصة أن الأكراد تابعين لدولتين هما تركيا وفارس وتستغل ذلك لمصلحتها، فهي ترغب في إنشاء دولة كردية تحت سيطرتها. وبذلك تقوم بالإشراف عليها وعلى فارس وما وراء القفقاس)[8].

 

الاتراك واتفاقية سيفر:

وكان الإلحاح التركي المستمر على ضرورة إعادة النظر في بنود اتفاقية “سيفر” التي نصّت على إمكانية إنشاء دولة كردية مستقلة، فالأتراك كانوا فهموا تماماً أنهم سيفقدون السيطرة على جميع المناطق التي كانت خاضعة لحكم الإمبراطورية العثمانية. وأدركوا في الوقت ذاته، انه إذا أنشئت الدولة الكردية المستقلة، فإن ذلك ربما يكون بداية النهاية لوجود الدولة التركية نفسها التي ستغدو صغيرة، ضعيفة، ممقوتة من قبل الجميع. لذلك ظلت الحكومة التركية، خاصة تلك التي كان مصطفى كمال قد أنشأها في أنقرة، تعمل بكل إمكانياتها في سبيل التمسك بالورقة الكردية، وتنشد ود الكرد، وتمارس الترغيب والترهيب معهم. مع تعزز علاقات مصطفى كمال مع السوفييت، قدَّم الحجّة تلو الأخرى للحلفاء لإثبات أن الكرد والأتراك هم من العرق نفسه، أو أن لهم على الأقل ( شعور مشترك وثقافة مشتركة ودين واحد)[9]. أو أن الفوارق بين الأتراك والكرد (ليست اكبر من الفوارق القائمة بين الإنكليز والاسكوتلنديين)[10]. واستمرّت الحكومة التركية في هذا الاتجاه، خاصة بعد أن أدركت أن المصالح الخاصة لكل دولة من دول الحلفاء بدأت تفعل فعلها، بعد توقف العمليات الحربية. الأمر الذي أعطى الأتراك المزيد من الحظوظ للتملّص من تبعات معاهدة “سيفر”. وهذا ما كان لهم  في مؤتمر لندن الذي انعقد في الفترة الواقعة ما بين 21 شباط ولغاية 14 اذار 1921، بعد سلسلة من المناقشات والمماحكات المطولة، خاصة بين وزير خارجية بريطانيا في ذلك الحين اللورد كيرزون ورئيس الوفد التركي المشترك[11].

وما يتصل بالموضوع الذي نحن بصدده من تلك المناقشات، يتمثّل في تلك الاتفاقية التي وقّعها في التاسع من آذار 1921 بكير سامي مع وزير الخارجية الفرنسي آنذاك بريان، خارج إطار المؤتمر. وكانت (اتفاقية عسكرية وسياسية واقتصادية واسعة تحافظ فرنسا بموجبها على مواقعها الاقتصادية السائدة وإمكانيات التأثير السياسي في كيليكية وفي المناطق جنوب وشرق الأناضول المجاورة لها، لقاء وقف وجودها العسكري فيها. كما تضمنت الاتفاقية تصوير الحدود التركية – السورية . وليس صعباً أن نلاحظ أن هذه الاتفاقية سواء من حيث جانبها الجغرافي أم السياسي – الاقتصادي قد مسّت كردستان الجنوبية الغربية. وأصبحت المسألة الكردية وللمرة الأولى موضوعاً مباشراً للمفاوضات التركية – الفرنسية. وحصل الفرنسيون على إمكانية التغلغل في المناطق الكردية الواسعة الغنية)[12].

كما وقعت تركيا اتفاقية مع ايطاليا بخصوص جنوب وجنوب غرب الأناضول، وأخرى مع بريطانيا من أجل تبادل الأسرى[13].

إلا أن هذه الاتفاقيات لم تحظ بموافقة حكومة أنقرة نظراً لسحبها الثقة من بكير سامي الشركسي، وأدانته بتجاوز صلاحياته، بعد أن أعلن أمام لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، بعد أعمال مؤتمر لندن أن (ميسوبوتاميا “ثمن بخس مقابل الصداقة البريطانية ” وأضاف بأن أنقرة لا تريد إلحاق الأذى ببريطانيي الموصل)[14].

ولكن مع ذلك كانت تلك الاتفاقيات، خاصة التركية – الفرنسية منها، تعد مؤشّراً يبيّن إلى أي حدّ قد وصل تباين وجهات النظر بين الدول الحلفاء. كما أنها كانت صدى لمستوى تطور المباحثات التركية – الفرنسية، واستعداد الطرفين لعقد اتفاق ثنائي، يقطع الطريق أمام بريطانيا للاستفراد بالمسألة الكردية. وما يحققه لها ذلك من تحكم بالمفاصل الأساسية للعبة السياسية في المنطقة. كل هذا تجسد لاحقاً في معاهدة الصلح التركية – الفرنسية التي وقعها بعد ذلك مندوب فرنسا في أنقرة في 20 تشرين الثاني 1921. وكان لهذه المعاهدة تأثير سلبي مباشر على المسألة الكردية، باعتبارها أكدت بوضوح سقوط معاهدة “سيفر”، خاصة موادها الكردية. لكن التأثير السلبي الأكثر حدة لهذه المعاهدة تمثّل في إقرارها؛ اقتطاع جزء من كردستان الجنوبية الغربية (كردستان سوريا)، وإلحاقه بمنطقة الانتداب الفرنسي في سورية. فقد (أقرّت المعاهدة وبصورة نهائية السيطرة الفرنسية على جزئها السوري، ووطّدت المواقع العسكرية – السياسية لحكومة الكماليين في المناطق الجنوبية من كردستان تركيا. وفي آن واحد أصبحت لدى تركيا إمكانية تحسين مواقعها العسكرية – الاستراتيجية وبشكل ملموس على حدود كردستان الجنوبية)[15]. أمّا فيما يتّصل بالدوافع التي حدت بتركيا إلى توقيع هذه المعاهدة مع فرنسا، والتخلّي بموجبها عن سيطرتها على جزء من كردستان لفرنسا، مع أنها منذ البداية كانت تصر – خاصة مع بريطانيا- على أن تكون كردستان بأكملها تحت سيطرتها، حتى القسم الواقع تحت السيطرة الإيرانية، إن كان بالإمكان، وذلك ضماناً للمستقبل، واستعداداً لإلغاء الوجود الكردي من خلال صهره ضمن القومية التركية وبصورة نهائية.

إن هذه الدوافع وفق ما نذهب إليه هنا، استناداً لمتابعتنا محاضر المناقشات والمباحثات، قبل مؤتمر لندن وبعده، ودراستنا لما آلت إليه الأمور في مؤتمر لوزان، هي ما يلي:

1-رغبة حكومة أنقرة في استمالة فرنسا إلى جانبها، ولو ضمن الحدود الدنيا، وإتاحة المجال أمامها، ولو جزئياً، للتدخل في المسألة الكردية، كي لا تستفرد بريطانيا بالموضوع، بعد أن وصلت حكومة أنقرة إلى يقين تام بان بريطانيا لن تتخلى عن ولاية الموصل بأي ثمن.

2-استعادة نصيبين وجزيرة بوتان، والمناطق المحيطة بهما من فرنسا. الأمر الذي كان مؤدّاه الإلغاء النهائي لحدود اتفاقية “سايكس – بيكو” بالنسبة إلى الانتداب الفرنسي. كما أن المنطقتين المعنيتين كانتا تتمتعان بأهمية فائقة بالنسبة لتركيا، نظراً للكثافة الكردية فيهما. وما يستنتج من هذا هو أن تركيا كان يهمها في المقام الأول الاحتفاظ بالعنصر الكردي. في حين أن أهمية الأرض كانت تأتي في المقام الثاني، باعتبار أن الخطر المستقبلي يتمثّل في العنصر البشري نفسه الذي ينبغي تطويقه وإقناعه، أو إجباره على ضرورة التمسّك بالرداء التركي. ومن الواضح أن جزيرة بوتان كانت تحظى بأهمية استثنائية بالنسبة لتركيا، سواء من جهة موقعها الاستراتيجي وقربها من كردستان الجنوبية، أو من جهة دورها في التاريخ الكردي عبر مختلف المراحل، وعلى جميع المستويات.

3-إحداث نوع من الخلاف أو المنافسة بين بريطانيا وفرنسا، بعد أن تأكدت الحكومة التركية من وجود أساس لمثل هذا الأمر، نتيجة اتصالاتها مع مختلف الأطراف خاصة فرنسا، وما كان سيترتّب على تحقيق هذا الهدف يتمثل في إخراج فرنسا من نظام “سيفر” إن صحّ التعبير، لتبقى الاتفاقية عبئاً على بريطانيا وحدها التي أبدت في مؤتمر لندن استعدادها لإعادة النظر فيها، إذا كانت العروض البديلة المقدمة موائمة، وتنجز ما تصبو إليه. وقد تحقق لتركيا ذلك. فقد أعربت بريطانيا عن امتعاضها الشديد من الاتفاقية التركية – الفرنسية موضوع الحديث هنا، واعترضت من دون جدوى عليها حين غدت معاهدة. حتى أن ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطاني آنذاك أرسل مذكّرة إلى حكومته تضمنت شكوكه وتخوفاته بخصوص المعاهدة المعنية. ومما ذكره في هذا السياق هو “إن الفرنسيين وعدوا أثناء مفاوضات فرانكلين بويون في أنقرة بمنح تسهيلات لنقل القوات التركية عبر قطاع كيليكية لخط بغداد الحديدي إلى كردستان (من الملاحظ إلى كردستان الجنوبية) ليقوم مصطفى كمال بالضغط على بريطانيا”. ولقد شكك وزير المستعمرات في مصداقية هذا النبأ، لكنه رأى في الوقت ذاته إمكانية إقدام الفرنسيين على اتخاذ مثل هذا الإجراء غير الودي. وأردف تشرشل قائلاً، وهو في غاية الشك: “إن الفرنسيين يقومون بضمان مصالحهم على حساب بريطانيا. فهم اغتاظوا من فيصل ويرغبون في وضع العراقيل أمامه في العراق (وأمام بريطانيا). وحسب رأي السير ونستون كانت الحالة خطيرة للغاية وينبغي الضغط على فرنسا”[16].

وبناء على هذه المذكرة، طلب اللورد كيرزون؛ وزير الخارجية البريطاني آنذاك (من الفرنسيين تغيير مادة معاهدة فرانكلين بويون حول إعادة منطقتي نصيبين وجزيرة ابن عمرو (جزيرة بوطان) اللتين تمتلكان أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى تركيا، والخط الحديدي من تشوبان بك وحتى نصيبين، على أية حال، أصرّ كيرزون على انه ينبغي استشارة بريطانيا حول هذه المسائل)[17].

4-رغبة تركيا في توجيه قواتها بقصد تركيز الضغط على كردستان الجنوبية – الجبهة البريطانية، إن جاز التعبير. وهذا ما لمسناه بوضوح في رسالة تشرشل إلى حكومته. وما نعتقده هنا، هو أن تركيا لم تكن قادرة في ذلك الحين، على الدخول في عمليات حربية ضد بريطانيا. إذ كانت مرهقة من جميع النواحي بفعل تبعات الحرب العالمية الأولى. كما أنها كانت تدرك في الوقت ذاته أن الشروع في أي نشاط عسكري جدي سيؤدي من دون شك إلى تنسيق المواقف ونبذ الخلافات الهامشية بين دول الحلفاء. الأمر الذي لم تكن تركيا ترغب فيه على الإطلاق. بل على النقيض من ذلك، كانت تسعى ضمن حدود إمكانياتها المتاحة من اجل إحداث شيء من الفرقة بين الدول المعنية. لذلك كان كل ما تسعى إليه في إطار جهودها الرامية إلى التفرغ لجبهة كردستان الجنوبية، هو تعزيز موقفها في المفاوضات القادمة، ومغازلة بعض الزعامات الكردية في كردستان الجنوبية، بغية إثارتهم ضد بريطانيا كي تنشغل هذه الأخيرة بمسألة القلاقل في كردستان. الأمر الذي أثّر في دوائر اتخاذ القرار البريطانية ودفعها نحو إعادة النظر في سياستها الكردية. بالإضافة إلى ذلك، كانت تركيا تدرك مدى قابلية كردستان الشمالية، خاصة الأطراف المحاذية لكردستان الجنوبية، للاشتعال في أية لحظة. لذلك وجدت أن الوضع يتطلب حشد القوات والاستعداد لأي طارئ. وهذا ما حدث بالفعل لدى اندلاع ثورة الشيخ سعيد عام 1925، فقد استفادت الحكومة التركية من بنود المعاهدة الفرنسية – التركية، خاصة فيما يتعلق باستخدام الخط الحديدي لنقل القوات. الأمر الذي دحض المزاعم الفرنسية التي أكدت وقتها للبريطانيين بأنها لن تسمح  (بأية نقليات “المقصود هنا النقليات العسكرية” على خط بغداد الحديدي الذي يمر على الأراضي السورية)[18]. ولكن من جهة أخرى يبدو أن فرنسا كانت صادقة في وعودها البريطانية حينئذ. لأن المقصود هنا، على ما يبدو، كانت النقليات الموجّهة ضدّ بريطانيا فحسب من دون الكرد.

معاهدة الصلح بين أنقرة وباريس:

أما الدوافع التي أدت فرنسا إلى عقد معاهدة الصلح المنفرد مع تركيا، فتتمثّل وفق ما نراه استناداً إلى المعطيات المتوفّرة حالياً بما يلي:

1-تأكد فرنسا من السعي البريطاني الحثيث لامتلاك زمام الأحداث في المنطقة، وتحسسها من هذا الموقف. خاصة إذا وضعنا في الاعتبار إخفاق نابليون في مصر، وذكرياته الأليمة بالنسبة لفرنسا. والدور البريطاني الفاعل في ذاك الإخفاق. فبريطانيا كانت تريد بكل وضوح واختصار؛ نفط المنطقة، والتحكم بكياناتها الوليدة، وحماية طريق الهند. بالإضافة إلى التدخل المستمر في سياسات كل من تركيا وإيران، وضبطها وفق مصالحها. فماذا بقي لفرنسا إذاً؟ هل تكفي ولاية سورية – ما عدا فلسطين – المنهكة أصلاً نتيجة الظلم العثماني، وخلافات الطوائف المستمرة. وصرح المسؤولون الفرنسيون علانية برغبتهم في الحصول على نفط كردستان[19]. لذلك وجد هؤلاء في معاهدة الصلح مع تركيا فرصة للوصول إلى مناطق محاذية للموصل – التي كانت القرائن جميعها تؤكد احتواءها هي الأخرى على مخزون من النفط – خاصة المنطقة التي عرفت لاحقاً بمنقار البطة في الجزيرة – وإن لم يكن بالمستوى نفسه مقارنة مع نفط الموصل الذي أعلنته بريطانيا خطاً احمر لا يمكن التنازل عنه.

2-إن الاهتمام الفرنسي بالمسألة الكردية عموماً لم يكن مركّزاً مبرمجاً مثلما كان عليه الحال لدى بريطانيا، بل كان اهتمامها سطحياً لا يتعدى استخدام القوى المحلية الكردية في سبيل تعزيز سلطتها في منطقة انتدابها، ومحاولة تسخير تلك القوى في خدمة توجهاتها. بالنسبة إلى الأقليات المسيحية في سورية، كانت فرنسا ترى أن تقوية هذه الأقليات وتعزيز دورها إنما هو خير ضمانة لاستمرارية نفوذها في المنطقة مستقبلاً. وتشخّص توجّهها هذا في فصل لبنان عن سورية. كما أنها بذلت في الجزيرة محاولات عدة بقصد عقد اتفاق بين الكرد والطوائف المسيحية المختلفة. لكن مشروعها هذا لم يجد طريقه إلى النور، بفعل استيعاب الزعماء الأكراد في ذلك الحين لطبيعة النوايا الفرنسية.

ولعل أحداث عاموده عام 1937 التي تعرف بـ” Toşa Amudê”، حين تعرّضت المدينة لهجوم القوات الفرنسية التي استخدمت الطيران في سبيل إجبار السكان على التسليم بالشروط الفرنسية، لعل هذه الأحداث تؤكد إلى أي مدى كان الكرد يثقون بتوجهات السياسة الفرنسية الخاصة بالكرد. (دوافع المقاومين الكرد في عامودة كانت وطنية بحتة، ولم تكن لهم أية اتصالات مع الأتراك. فقد كانوا يدركون أن فرنسا قوة استعمارية تريد كبحهم. لقد فضّلوا المقاومة على الرغم من انسداد الآفاق).

3-رغبة فرنسا في التفرغ لتصفية الأوضاع العالقة بينها وبين ألمانيا، خاصة تلك التي كانت تتصل بقضية “الالزاس واللورين”. لأنها كانت تمسّ أوضاعها الداخلية بصورة مباشرة، وتؤدي في حال استمرارها إلى نتائج مفتوحة قد لا تحمد عقباها بالنسبة لها ولأوربا بأسرها. (وحدث لاحقاً ما كانت فرنسا تتخوف منه في ذلك الحين. إذ أقدمت ألمانيا النازية فيما بعد على اجتياح فرنسا بأسرها خلال أيام معدودات، وعيّنت حكومة فيشي الدائرة في فلكها بدلاً عن الحكومة الفرنسية الشرعية التي انتقلت إلى المنفى). لذلك ارتأت فرنسا تصفية الأمور مع تركيا، والاكتفاء بما حصلت عليه بموجب معاهدة “فرانكلين بويون” التي نحن بصددها.

وندد العديد من الشخصيات الفرنسية في ذلك الحين بمعاهدة الصلح الفرنسية – التركية ومن هؤلاء الصحفي الشهير اوغيوست غوفين الذي كتب مقالاً في “جورنا دي ديبا” بتاريخ 31 كانون الثاني عام 1922، تناول فيه القضية الكردية وسياسة الحكومة الفرنسية التي خانت الثوار الأكراد – حسب تعبيره – ضد السلطة التركية. ومما ذهب إليه في هذا المجال: (إننا لا نعرف أمثلة شبيهة لهذه الدناءة … إن فرنسا في الشرق ليست ضحية لدسائس غريبة، بل ضحية لأخطاء رعاتها الطالحين)[20]. إلا انه على الرغم من المعارضة الداخلية والخارجية لمعاهدتها مع تركيا، مضت فرنسا قدماً في الالتزام بها وتهيئة الأجواء في سبيل ترجمتها على صعيد الواقع. بل إنها اكتفت بالحد الأدنى مما كانت تنص عليه “المعاهدة” نظراً لرغبتها في التفرّغ للمسألة الألمانية كما أسلفنا. في ظل هذه الأجواء باتت ظروف تركيا أفضل مما كانت عليه الحال قبل سنتين أو أكثر، خاصة الانتصار الذي حققه الجيش التركي على اليونانيين في الأناضول بمساعدة الكرد أنفسهم، وما ترتب عليه من توقيع على صلح “مودان” في 12 تشرين الأول عام 1922، وخروج ايطاليا من الحلبة نتيجة أزمتها السياسية الداخلية. والتخلص من ازدواجية القرار في تركيا حتى على المستوى الشكلي[21]. وترك لويد جورج – عرّاب “سيفر” – أن صح التعبير، المسرح السياسي نهائياً. فضلاً عن تحسن  العلاقات باطراد مع روسيا الشيوعية آنذاك. جميع هذه العوامل، أعطت دفعة قوية لتركيا، ومكنتها من تعزيز موقفها، وتشديد لهجتها – قياساً إلى ما كان عليه الحال بعد الحرب مباشرة – في مؤتمر لوزان الذي بدأ أعماله في 20 تشرين الثاني 1922، حيث جرت مناقشات طويلة صعبة بين كل من كيرزون رئيس الوفد البريطاني، وعصمت باشا اينونو، رئيس الوفد التركي، حول المسألة الكردية بصورة عامة، والموصل على وجه التحديد.

الجدير بالذكر هنا أن بريطانيا في تمسّكها بالورقة الكردية، وإعلانها بأنها ماضية قدماً في الالتزام بالوعود التي قطعتها على نفسها لصالح الشعوب التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية، ومنها الكرد، كانت تريد ضمان منطقة الموصل، وقطع الطريق نهائياً أمام أية مطالبة تركية بها. هذا في حين ان عصمت إينونو من جهته، كان يلحّ على ضرورة الحصول على الموصل، مع علمه المسبق باستحالة ذلك. لكنه كان بهذه المطالبة يسبر النوايا، ويرمي إلى تحقيق شروط أفضل لبلاده مع الحلفاء على صعد أخرى. والأمر اللافت للنظر هنا، انه حاول إقناع الوفد البريطاني بحجج عرقية مفادها تأكيد عدم وجود فرق كبير بين الأتراك والكرد، فيما يخص العرق. لكن كيرزون دحض هذه المزاعم مستنداً إلى إطلاعه الواسع على الموضوع، وخبرته في ميدان التعامل مع الكرد والأتراك في الوقت ذاته. حينئذ انتقل عصمت باشا إلى الرغبة في العيش المشترك لدى الأتراك والكرد. لكن كيرزون نفى الادعاء، مبرزاً بالتفصيل أدلة استياء الكرد من الأتراك، ومنها انه (في السنوات الأربع الأخيرة وجهت رسائل كثيرة إلى الحكومة البريطانية تتضمن مطالب الأكراد حول منحهم الحكم الذاتي أو الاستقلال)[22]. ثم أضاف كيرزون قائلاً: (إن جميع معلوماتنا تبيّن أن الأكراد وتاريخهم المستقل وعاداتهم وتقاليدهم وطبعهم يجب أن يكونوا عرقاً يتمتع بحكم الذاتي)[23]. مبيناً أن الأتراك لم يفرضوا أبداً (إشرافاً فعّالاً على كردستان الجنوبية، وأثناء الحرب قام الأكراد بمساعدة الإنكليز وليس الأتراك)[24].

وهكذا استمرت المناقشات والمجادلات العقيمة في الكثير من الأحيان بين الوفدين البريطاني والتركي. وطرحت مجموعة من الأفكار بخصوص تسوية الخلاف حول الموصل، منها إجراء استفتاء أو تحكيم عصبة الأمم، أو شطب مسألة الموصل من معاهدة الصلح التي تركزت على قضية المضائق. وقوبل هذا الاقتراح الأخير الذي كان عصمت باشا قد تقدم به الموافقة. ثم اقترح كيرزون تعليق أعمال المؤتمر من دون التوقيع على معاهدة الصلح، الأمر الذي تم بالفعل، وكان ذلك في 4 شباط 1923)[25].

وعاد المؤتمر إلى الانعقاد من جديد، وتم التوقيع على معاهدة الصلح في لوزان في 24 تموز 1923. تلك المعاهدة التي لم تأتِ على ذكر الاستقلال الكردي أو الحكم الذاتي، سواء للكرد أو لكردستان. وما يهمنا هنا بالنسبة لما نبحث فيه هو ان المادة الثالثة من هذه المعاهدة اعترفت بالحدود بين تركيا وسوريا بصورة مباشرة (حسب معاهدة فرانكلين – بويون بتاريخ 20 تشرين الأول عام 1921)[26]. يعني أن معاهدة لوزان أقرّت إعطاء قسم من كردستان الجنوبية الغربية لفرنسا. ومنذ ذلك الحين بات هذا القسم جزءاً من أراضي الدولة السورية. كما ان المادة نفسها (حددت مدة عشرة اشهر لتعيين الحدود التركية – العراقية والمحافظة على الوضع القائم، ريثما يتم هذا التحديد) وألزمت هذه المادة تركيا وبريطانيا (في انتظار القرار الذي سوف يتّخذ بشأن الحدود بعدم القيام بأية تحركات عسكرية أو غيرها قادرة على إدخال أية تغييرات في الوضع الحالي للأراضي التي سوف يرتبط مصيرها النهائي بهذا القرار).

 

دفن سيفر في لوزان:

وهكذا تم الاتفاق على إلغاء العمل بمواد معاهدة “سيفر Treaty of sevres” الخاصة بالشعب الكردي، الأمر الذي كان يعد انتصاراً بالنسبة لتركيا[27].

ومن باب الاطلاع، نورد هنا أن معاهدة لوزان تضمّنت في القسم الثالث الخاص بحماية الأقليات، مجموعة مواد تنصّ على ضرورة حماية حقوق الأقليات، وهي مواد 38-45. فقد نصّت المادة 38 على سبيل المثال على أن (الحكومة التركية تتعهد بمنح سكان تركيا الحماية التامة والكاملة لحياتهم وحريتهم، دون تمييز في الأصل والقومية واللغة والعرق أو الدين. وسيكون لجميع المواطنين في تركيا الحق في حرية العبادة وكل اعتقاد أو دين أو عقيدة تكون تأديتها غير منافية للنظام العام والعادات الخيرة)[28]. كما تضمّنت المادة 39 (التزام الحكومة التركية بعدم إصدار أية قيود على الاستخدام الحر لكل مواطن تركي لأية لغة كانت)[29]. إلا أن جميع هذه المواد ظلت مجرد ذكرى. بدليل الواقع الذي يواجهه الشعب الكردي في كردستان الشمالية “كردستان تركيا” راهناً، ووضعية سائر الأقليات التي مازالت خاضعة للحكم التركي.

أما الدوافع التي حدت بكل من بريطانيا وتركيا إلى الاتفاق، على الرغم من البون الواسع بين موقفيهما، إذ كانت الأولى تدعو إلى إعطاء كردستان حكماً يصل إلى الاستقلال، في حين أن الثانية كانت تريد تطويق كل ما هو كردي بغية ابتلاعه دفعة واحدة والى الأبد، تلك الدوافع بالنسبة إلى بريطانيا – وفق ما نذهب إليه – تتمثل برغبتها في ضمان أسباب القوة لحكمها في العراق ومنطقة الخليج. فضلاً عن تأكدها من سلامة مسالك الهند. إلى جانب ذلك، كانت الموصل بالنسبة لها خزان النفط المنتظر الذي سيساهم في استمرارية قوتها وريادتها للأحداث، سواء في المنطقة أو العالم. وفيما يتصل بروسيا، أدركت بريطانيا نتيجة خبرتها بشؤون المنطقة، وتعاملها مع مختلف الإطراف، أن تركيا لن تكون على وئام معها. لأن اللعبة في أساسها تكتيكية هدفها الضغط من اجل استعادة الموصل. ولكن بعد إغلاق هذا الملف، وتأكد تركيا من عدم جدوى المراهنة على أي كان من اجل الموصل، حينئذ ستعود الخلافات من جديد، وستكون تركيا نفسها هي الحاجز الفاصل بين الإدارة البريطانية في العراق والموصل، وبين روسيا السوفياتية. وهذا ما تحقق بالفعل لاحقاً.

ولعل الواقعة التالية التي حدثت في إطار مؤتمر لوزان التي ينقلها لازاريف ذات دلالة خاصة، وتلقي المزيد من الضوء على الاستنتاج الأخير، إذ يقول لازاريف: (بعد أن اقتنع الوفد التركي بان شن “هجوم مباشر” على الوفد الإنكليزي لن يرد له الموصل، التجأ إلى أساليب المراوغة. واقترح المندوب التركي الثاني رضا نور بك في حديثه مع كيرزون الصفقة التالية: إن تركيا مستعدة لقطع صلاتها بالسوفيات، إذا وافق الإنكليز على إعطائها الموصل. وأدلى بحجج عرقية، رفضها كيرزون رفضاً مطلقاً، أو تاريخية وعلاقة الموصل مع تركيا التي استمرت قروناً. واقتصادية، واخيراً قرارات “الميثاق الوطني”. وعارض وزير المستعمرات ذلك قائلاً بأن (ضياع الموصل يجر ضياع بغداد والعراق كله والفشل النهائي للسياسة البريطانية في الشرق)[30].

أما فيما يخص تركيا التي وافقت على معاهدة الصلح في لوزان، بعد ممانعة مستديمة تمحورت حول الموصل بصورة خاصة، فإننا نرى ان ما كتبه الصحفي الإنكليزي فيليب غريفس يعبّر، إلى حدّ كبير، عن الحقيقة: (إن السبب الرئيسي لرغبة الأتراك في استرداد الموصل كان خشيتهم من أن الإنكليز يدفعون الأكراد الذي وعدتهم معاهدة “سيفر” بالحكم الذاتي للقيام بالانتفاضة. ولم يكن نشاط الإنكليز بين صفوف الأكراد في الأيام الأولى للحركة القومية فعّالاً جداً … لكنه أثار المخاوف من النوايا البريطانية في الجزء الضعيف من آسيا الصغرى)[31]. ويتابع غريفس عرض وجهة نظره قائلاً: (وقف الأتراك “بارتياب كبير” من الأهداف البريطانية في كردستان، حيث حاولت الإدارة العراقية وأجهزة الاستخبارات كسب تأييد الأكراد ضد القوميين الأتراك. كما طرحت فكرة تشكيل شبه دولة كردية ما التي ربما كانت تكون حاجزاً بين روسيا وتركيا وإيران)[32]. ولكن (“ما أن أدركت حكومة أنقرة بأنه ليست لدى الحكومة البريطانية الرغبة في بسط نفوذها على كردستان تركيا” حتى أصبح حل مسألة الموصل قضية سهلة نسبياً)[33]. وذلك على حد تعبير غريفس.

ليعذرنا القارئ الكريم أن أطلنا عليه بعض الشيء، بهدف وضعه ضمن أجواء ما حدث بالنسبة لكردستان عموماً، وكردستان سورية على وجه التخصيص، باعتبارها موضوع هذا البحث،  ولجوءنا في بعض الأحيان إلى الاستشهاد المطوّل عن لازاريف، فإنما ذلك لعلمه وإطلاعه الواسعين على مختلف جوانب الموضوع، ويعدُّ واحداً من أولئك يمكن الاعتماد على آرائهم في هذا المجال. وإن كان يحاول بهذه الصورة او تلك تبرئة ساحة الاتحاد السوفيتي السابق الذي لم يتحمل مسؤولياته التاريخية كما ينبغي إزاء الشعب الكردي، خاصة في كردستان تركيا، واتخاذ موقف “الحياد” إزاء الدولة التركية والكرد[34].

 

خلاصة:

مما تقدّم، يتبيّن لنا الدور الإنكليزي والفرنسي في نشوء المأساة الكرديّة، وكيف ان مصالح الدول الكبرى في المنطقة كانت على حساب الشعب الكردي وكردستان، من خلال تسوية الخلافات بين بريطانيا وفرنسا من جهة، وبين هاتين القوتين وتركيا من جهة أخرى. وصحيح أن روسيا وأمريكا ليستا فرنسا وبريطانيا في مطالع القرن المنصرم، كذلك الكرد، ليسوا أكراد 1915-1923، لكن الانقسام الكردي الذي كان موجوداً وقتذاك، موجود حالياً ايضاً. ومع عدم إغفال الدور الكردي الوازن والمهم حالياً في منطقة الشرق الأوسط، تبقى المخاوف من أن تتكرر مأساة الكرد، إذا استمرّوا في تكرار أخطاء الأمس.

[1]  م. س. لازاريف: “المسألة الكردية (1917-1923)”، ترجمة عن الروسية: د. عبدي حاجي. الطبعة الثانية: دار الفارابي – 2013 –  ص 31.

 

[2]  Arnold j .Toynbee.  Angora and the British Empire in the East, the contemporary revew. V 690 Jun 1923 .p 686

[3]  لازاريف :المسألة الكردية ص 248.

[4]  المصدر نفسه ، ص263

[5]  كارل هوفمان: السياسة النفطية والاستعمار الانكلو-ساكسوني ص 171-.172 عن لازاريف. المصدر نفسه ، ص 30 .

[6]  A.J.Toynbee. the Islamic World Since the paece Sttemenr p 465 . عن لازاريف المصدر نفسه ، ص 264.

[7]  لازريف: المصدر نفسه، ص 253.

[8]  س.ي .ارالوف: مذكرات دبلوماسي سوفياتي 1922-1923 موسكو 1960 ،ص109 عن لازاريف المصدر نفسه ،ص 248-249 .

 

[9]  من حديث بكير سامي رئيس الوفد التركي المشترك في مؤتمر لندن 1921 . راجع حول هذا الموضوع عن لازاريف المصدر نفسه ، ص267

[10]  المصدر نفسه ، ص268

[11]  للمزيد عن هذه المناقشات راجع لازاريف :المرجع نفسه ،ص 266.

 

[12]  المصدر نفسه ، ص270

[13]  المصدر نفسه ، ص271.

[14]  المصدر نفسه ، ص272.

 

[15]  المصدر نفسه ، ص274.

 

[16]  أرشيف سياسة روسيا الخارجية ،قسم أرشيف الهند الوطني .مذكرة بتاريخ 26 تشرين الأول عام 1921 عن لازاريف : المصدر نفسه ، ص275.

 

[17]  المصدر نفسه ، من كيرزون إلى الكونت سين اولير 5 تشرين الثاني 1921 عن لازاريف المصدر نفسه ، ص 275.

[18]  لازاريف المصدر نفسه ، ص275.

[19]  راجع بخصوص هذا الموضوع :لازاريف : المصدر نفسه ، ص164.

[20]  دورية لمفوضية الشعب للشؤون الخارجية، العدد 116، شباط 1922. عن لازاريف : المصدر نفسه ، ص276.

 

[21]  لازاريف : المصدر نفسه ، ص279.

 

[22]  المصدر نفسه ، ص284-285

[23]  المصدر نفسه ، ص285.

[24]  المصدر نفسه ، ص 284 .

 

[25]  المصدر نفسه، ص 290.

[26]  المصدر نفسه ، ص299.

[27]  راجع نص هذه المواد في الوثيقة الدولية رقم :3.

 

[28]  – المصدر نفسه ، ص152.عن لازاريف :المسألة الكردية ص 299

[29]  المصدر نفسه ، ص152 عن لازاريف المصدر نفسه ، ص299

[30]  لازاريف : المصدر نفسه ، ص282.

[31]  Philp Graves, Britain and Turk ,London,.Melbourne.1941 p207-208

عن لازاريف : المصدر نفسه ، ص301.

 

[32]  – المصدر نفسه ، ص221-222 .عن لازاريف : المصدر نفسه ، ص 301 .

 

[33]  المصدر نفسه ، ص221-222 .عن لازاريف : المصدر نفسه ، ص 301

[34]  فيما يخص هذا الموضوع هناك وثائق هامة حصل عليها صديق باحث من أرشيف وزارة الخارجية الروسية. قدّمها في إطار ندوتين، واحدة في ستوكهولم. والثانية في اوبسالا. وقد وعد بنشرها مستقبلاً، نظراً لأهميتها، وحاجة الدارسين والباحثين في القضية الكردية من الكرد والعرب والأجانب، إلى الإطلاع عليها.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي رضا اسدي: اللغة الکردیة الفيلية (الكردية الايلامية)

  علي رضا اسدي :الـمُحاضر أستاذ جامعي  الملف بصيغة pdf اللغة الکردیة الفیلیة (1) الملخص ...