الرئيسية | تقارير | بين التجنيد القسري والهجرة: الشباب الكُردي والخيارات المُرة

بين التجنيد القسري والهجرة: الشباب الكُردي والخيارات المُرة

اسماعيل شريف

 

بعد انطلاقة الثورة السورية آذار/مارس 2011، ولجوء النظام السوري إلى الحل العسكري خياراً وحيداً في التعامل معها و في قمع التظاهرات السلمية، حيث زج بالجيش والأمن وقوات الشرطة في مواجهة المدنيين، فأدخلها جميعاً إلى المدن السّورية وعززها بميليشيا الشبيحة، وأوعز لها جميعاً بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين؛ الأمر الذي أدى في أحد جوانبه إلى لجوء عدد كبير من الضباط، وكذلك الآلاف من العناصر إلى الانشقاق عن وحداتهم، خاصةً بعد ارتكاب عدد من المجازر بحق المدنيين العزل. لقد لجأ بعض المنشقين إلى مواجهة نظام الأسد بالوسيلة ذاتها التي استعملها، من خلال تشكيل كتائب أطلقت على نفسها إسم”الجيش السوري الحر”، في حين اختار آخرون ركوب طريق اللجوء إلى دول الجوار فراراً من التصعيد العسكري الذي قام به النظام السوري، خاصةً بعد تحول مسار الثورة السلمي إلى العسكرة، وقد اختلفت أسباب الخروج من البلاد ومبرراته خاصةً بالنسبة للمنشقين أو حتى المعارضين للنظام؛ فمنها ما كان يُعزى إلى أسباب أمنية، تتعلق بخشية الوقوع في أيدي الأجهزة الأمنية التابعة له، ومنها ما تعلق بالبحث عن الأمان بعيداً عن آلة القتل التي تعمل على مدار الساعة.

الهروب إلى المجهول

لم يكن  الشاب الكُردي المجند في سوريا بأفضلٍ حالٍ من غيره؛ فتعامل النظام السوري معه لم يختلف في المحصلة عن ذلك الذي جرى مع الشُبان السوريين الآخرين، لا بل كان أكثر سوءاً في أحايين كثيرة، بسبب فوقية التعامل مع الكُرد، الذين يندر وصولهم إلى رتب عسكرية عالية في الجيش أصلاً، هذا عدا عن التنافر الكُردي ـ الأسدي على مدى عقود، الذي تُرجم انتفاضات وأعمال مقاومة وملاحقات وقمع مستمر.

عمد النظام السوري إلى جعل الخدمة الإلزامية للكُرد في مناطق بعيدة عن سكناهم، خاصة مناطق الداخل السوري التي تبعد مئات الكيلو مترات عن المناطق الكُردية السورية. الشاب “هوزان عيسى” من أبناء مدينة الحسكة، وهو من مواليد 1990 وكان يخدم في فرع المخابرات (فرع أمن الدولة) بالعاصمة دمشق تحدث عن وضعه قائلاً: “خدمتيّ الإلزامية، والتي كانت مدتها عام وستة أشهر انتهت في حزيران/يونيو عام 2011، لكن ولسوءِ حظيّ شملني قرار الاحتفاظ العسكري ومن ثم الاحتياط، ليتأجل تسريحيّ إلى أجلٍ غير مسمى”.

يضيف هوزان: “في بادئ الأمر لم يتم تكليفنا بأية مهامٍ خارج موقع الخدمة، وهذا السبب دفعني إلى التريث والصبر وعدم الانشقاق، فقد كنت انتظر قرار تسريحي، مع عدم وجود مهام أقوم بها. إلا أن الأمر لم يكن يخلو أحياناً من إغراءات يقدمها ضباطٌ مسؤولين لأجل التطوع في الفرع، سواءً عبر الراتب الشهري، أو الإعفاء من الدورات التدريبية للمتطوعين، أو بطاقات عدم التعرض، ورغم ذلك لم أقبل التطوع، وكانت غايتي، ومبتغايّ حينها هي العودة إلى الحياة الطبيعية المدنية..”.

يتابع هوزان. ” لكن هذا الحلم سرعان ما تبدد، والرغبة في العودة إلى الحياة المدنية تبخرت بعد أن بدأ الضابط المسؤول عنا بتكليفنا بمهام خارج القطعة العسكرية، وإلغاء كل الإجازات”. ثم يضيف قائلاً: “تمكنت بعد دفع مبلغٍ مالي كرشوة من الحصول على إجازة على أن أقضيها في دمشق حصراً، بعدها قُمت بطلب هوية أخي الشخصية لأسافر بها من دمشق إلى الحسكة، مغامراً بإستعمالها والعبور بها على كل الحواجز الأمنية التابعة للنظام، وهكذا غادرت على وجه السرعة المنطقة إلى تركيا عن طريق التهريب خوفاً من الاعتقال “.

ينهي حديثه هوزان عيسى: “كان بوديّ العودة إلى الحياة المدنية، والعيش بسلام بعيداً عن كل مظاهر القتل والدمار، وهذا السبب هو ذاته الذي جعلني أختار رحلة أوربا الشاقة، وعدم العودة للعسكرة سواءً في صفوف فصائل المعارضة السورية، أو وحدات حماية الشعب التي غالبيتها من الكُرد”.

التجنيد في صفوف وحدات حماية الشعب

كانت “الإدارة الذاتية الديمقراطية” التي يقودها تحالف كرُدي، عربي، سرياني، بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، قد أعلنت قانون واجب الدفاع الذاتي (الخدمة الإلزامية) خلال جلسة المجلس التشريعي بتاريخ 13تموز/يوليو 2014، معتبرةً إن القانون هو واجبٌ أخلاقي، قانوني واجتماعي يشمل كل مكونات مناطق الإدارة الذاتية، ويشمل كافة شرائح المجتمع.

قوبل القرار برفض الأوساط الشعبية والطبقة السياسية الكُردية ومنها المجلس الوطني الكردي في سوريا , لأسبابٍ كثيرة، منها أن القانون حزبي بحت يقوم على تجنيد الشبان الكُرد رغماً عنهم في صفوف الوحدات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يعمل وفقاً لايديولوجيا حزبية تختلف عن تلك التي تسير عليها الأحزاب الكُردية الأُخرى، وتتعارض مع المسلمات التي يؤمن بها المجتمع الكُردي والتي سار عليها خلال عقود طويلة، وكذلك بسبب عدم وضوح الأهداف التي وضعها الحزب لنفسه، والتي دخل بسببها معارك كثيرة خارج المناطق الكُردية السورية البعيدة نسبياً عن التهديدات، والتي أدت إلى خسائر بشرية كُردية فادحة. لقد تسبب القرار بالإضافة إلى ذلك إلى حصول نزيف بشري تمثل بهجرة كبيرة من الشبان الذين تتراوح أعمارهم بين سن 18 و 30 ممن يشملهم الجنيد القسري، وخاصةً من لم يكن يملك حجةً لتأجيل خدمته ومنهم من اضطر لأن يخدم في الخدمة في سبيل البقاء في بلاده وعدم الهجرة منها .

عن قصة سوقّه للتجنيد من قبل الادارة الذاتية  يقول أحمد شيخو، وهو من سكان مدينة كوباني، وكان يعمل مع إحدى منظمات المجتمع المدني قبل أن الخدمة : “فضلت البقاء في روجآفا لأنني كنت ولا أزال مؤمناً بالثورة والأهداف التي خرجنا من أجلها، ولا أودُ الخروج من مدينتي التي هي بحاجة إلى الشباب المثقفين وخريجي الجامعات، خاصة بعد حرب داعش عليها، خاصةً أن نسبة الشباب العظمى باتت خارجها، وتسكن أوربا، ودول الجوار”.

الشاب احمد شبخو في معسكرات التجنيد التابعة للإدارة الذاتية

ويتابع شيخو حديثه قائلاً: “اخترت أن أخدم في صفوف قوات الحماية الذاتية في خدمة واجب الدفاع الذاتي،  لأنني أجدُها واجباً يقع على عاتق كُل الشبان المنتمين إلى هذه الأرض، التي تتعرض بشكلٍ دائم لهجماتٍ إرهابية، وكل من يجاور الكُرد باتوا يعادونه، إذا لم نقم بحماية هذه الأرض، فنحن ندمر حلم أجدادنا وأحلامنا”.

وعن خدمة واجب الدفاع الذاتي يقول شيخو: “كانت خدمتي ضمن تخصصي، كوني كنت طالباً في كلية الحقوق، لذلك كان عملي في المحكمة العسكرية التابعة لقوات الحماية الذاتية، ضمن الأكاديمية العسكرية… وهذا سهل خدمتي، فلم أُعاني  كثيراً خلال مدة الخدمة، خاصة أن المسؤولين عن التدريب وقوات الحماية الذاتية كانت معاملاتهم إيجابية، والطلبة الجامعيين يملكون احتراماً خاصاً، وهذا ما جعلني أُكذب كل الأقاويل حول سوء المعاملة، لأني لم أجد سوى الاحترام والاخلاق العالية في التعامل، دون أن تصادف حالات ضرب أو إهانة، ولا يمكنك أن تلاحظ فرقاً بين العسكري والقائد العسكري المسؤول ـ القوميتان”.

آراء مخالفة

إضافةً إلى وجود حالات كانت تؤيد البقاء في الداخل، والقيام بالتالي بأداء واجب الدفاع الذاتي، كانت هناك نسبة كبيرة تخالفها الرأي والفعل، فالكثيرون أُضطروا للخروج خوفاً من الملاحقة لأسبابٍ سياسية، أو لسبب يتعلق بواجب الدفاع الذاتي حصراً، ليس كرهاً بالدفاع عن المنطقة، بل بسبب الإختلاف مع أفكار وتوجهات الإدارة الذاتية والتنظيمات العسكرية التابعة لها؛ كقوات الحماية الذاتية، التي تتبنى فكر حزب العمال الكردستاني، والعاملة تحت صور زعيمها عبد الله أوجلان.

عن هذه الحالة تحديداً يقول سعدون السينو، وهو شاب من مدينة الدرباسية، وكان منشداً في التظاهرات المناهضة للنظام السوري في المدينة: “وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني، ليست سوى تنظيم يتبع للنظام السوري ومن ورائه المحور الإيراني، وتقوم بخدمة أجندة النظام السوري، ولا تملك أي هدف أو طموح قومي كُردي، لذلك لا يمكن أن أتطوع ضمنها أو أقوم بخدمة إلزامية في قواتها”.

أشار السينو إلى أنه تعرض للاعتقال والتهديد أكثر من مرةٍ من قبل تلك القوات ويتابع: “إن هذا الأمر هو ما دفعني إلى مغادرة مدينتي الدرباسية، بعد أن كثرت التهديدات لي في الفترة التي تطوع فيها إخوتي في صفوف قوات بيشمركة كردستان سوريا (بيشمركة روج)، ومع ذلك فضلت البقاء في كُردستان سوريا، لكن إصابة أخي في إحدى معارك البيشمركة ضد داعش، دفعتني إلى السفر إلى إقليم كُردستان العراق، والتطوع ضمن صفوف البيشمركة، بعد دخولي إلى الإقليم بيومين”.

الشاب البشمركة “سعدون السبنو ” مع محموعة من قوات البشمركة في اقليم كوردستان العراق

يقول سعدون السينو عن مرحلة التطوع في صفوف البيشمركة: “البيشمركة قوة عسكرية مقدسة لدى الشعب الكُردي، ولديّ أملٌ كبير في أن تكون هذه القوة الحامية للشعب الكُردي على أرض كُردستان جميعها، لأنها القوة الوحيدة التي ستحقق طموحات وتطلعات الشعب الكردي، وهذا كان سبب تطوعي في تلك القوات”.

أما عن السبب في عدم التحاقه بالخدمة الإلزامية في جيش النظام السوري فيقول: “تعرضت للفصل من الجامعة بسبب نشاطي في الثورة السورية والمجلس الوطني الكُردي، الذي كنت عضواً في مؤتمره التأسيسي، إضافةً إلى أن عملي مع قناة أورينت (القسم الكُردي) جعل إسمي معمماً لدى أغلب الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري، وكما يعلم الجميع أنا أُعارض النظام السوري، والجيش ليس إلا مؤسسة تتبع له، فكيف التحق به؟”.

أما آشتي ملكي فله رأي أخر، حيث يقول: ” كنت مطلوباً للتجنيد الإلزامي عند النظام السوري كما هو شأن الكثير من الشباب السوريين والكُرد ، وقد حاولت جاهداً الحصول على تأجيل من شعبة التجنيد دون جدوى، رغم إني كنت طالباً جامعياً، ولم أستطع أن أُكمِلَ دراستي في جامعة الفرات فرع الحسكة (كلية الأداب)، رغم أنه لم يكن باقياً لتخرجي سوى أربع مواد، وقد اقتصر تواجدي في المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، لكن بعد فترة من الزمن أصدرت هذه القوات أيضاً قانون واجب الدفاع الذاتي، فلم يبق أمامي سوى الخيار الوحيد الا وهو مغادرة البلاد، والهجرة إلى أوربا”.

أشار آشتي إلى نشاطه السابق قائلاً: “كنت مراسلاً لفضائية روداو الكُردية، لكن الإدارة الذاتية قامت بسحب الترخيص من القناة والعاملين معها في كُردستان سوريا، الأمر الذي زاد الضغوط علي وحد من حركتي المحدودة أصلاً، فقمت بمغادرة الأراضي السورية، وتجاوز حدود بلدانٍ عدة حتى وصلت إلى أوربا”.

عن سبب عدم التحاقه :بواجب الدفاع الذاتي” التابع للإدارة المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي يقول ملكي: “القوات التابعة للإدارة الذاتية، والإدارة الذاتية ككل تعمل وفق اجندات حزبية وعقائدية يضعها حزب العمال الكردستاني، وهذه التوجهات تختلف مع مبادئي. لم يكن الهدف من وراء واجب الدفاع الذاتي سوى تفريغ المنطقة الكُردية من الشباب الكُرد المعارضين له ولسياسته، وخاصةً ناشطي الثورة السوري، ومناصري المجلس الوطني الكُردي واحزابه، وإذا كانت هذه الإدارة تهدف فعلاً إلى حماية الكُرد، فكان الأجدر بها أن تلتزم باتفاقاتها مع المجلس الوطني الكُردي، والسماح لبيشمركة روج بالدخول إلى كُردستان سوريا، فهذه قوة مدربة، ومنظمة، وتملك طاقات وقدرات عسكرية وبشرية جيدة، عوضاً عن أنها لا تقوم  بزج الكرد في معارك لا ناقة لهم فيها، ولا جمل كقوات حماية الشعب ال ypg”.

الخاتمة:

لم يتغير مصير الشبان الكُرد خلال السنوات القليلة الماضية ولم يخرج عن هذين القدرين، فالبقاء في المنطقة الكُردية مغامرة كبرى قد تودي بصاحبها إلى الموت في جبهات القتال البعيدة، ذلك أن من ينجو من تجنيد الإدارة الذاتية الديمقراطية القسري، التي يقتحم مسلحيها البيوت والمدارس والأسواق ويبنون حواجزهم لهذه الغاية قد لا يحالفه الحظ طويلاً للنجاة بنفسه من الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية لدى النظام السوري، الذي يلاحق بدوره الشبان الكُرد على حواجزه ويدفع بهم رغماً عنهم إلى المحرقة ذاتها، لذلك لا يبقى سوى طريق الهجرة، الذي يتضافر مع ما سبق في تجفيف المنطقة الكُردية السورية من الفئة الشابة الفاعلة في المجتمع، والتي يكاد غيابها يؤدي إلى إنهيار المجتمع الكُردي.

 

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.