الرئيسية | دراسات | تساؤلات حول الديمقراطية

تساؤلات حول الديمقراطية

شيار عيسى_كاتب وباحث كردي سوري

 

مقاربات أولية

يتسم مفهوم الديمقراطية بالقدم، وقد اختلفت أشكال تطبيقه من حقبة زمنية إلى أخرى، ورقعة جغرافية إلى أخرى. فالشكل الديمقراطي الشائع في أثينا اليونانية كان “الديمقراطية التشاركية”؛[1] التي كانت تعتمد على تجمّع المواطنين في ساحات عامة لاتخاذ القرارات، ما ساعد على اتباع هكذا أسلوب، هو المساحة الجغرافية الصغيرة لدويلة أثينا، وكذلك قلة عدد سكانها.[2].بعد اندثار تجربة الدويلات اليونانية، ظهرت الإمبراطورية الرومانية التي توسّعت لتشمل مساحات واسعة، وازداد عدد سكانها ما جعل من الصعب بمكان أن تقوم الحشود السكانية – من مختلف أنحاء الإمبراطورية – بالتجمع في أماكن محددة لاتخاذ القرارات بشكل جماعي/ مركزي، خاصة أنّ مفهوم اللامركزية لم يكن معمولاً به في تلك الحقبة، مما حدا بالمشرّعين في روما إلى تبنّي شكل آخر من أشكال الحكم وهو “الديمقراطية التمثيلية”؛ التي تعتمد على اختيار ممثلين ينوبون عن المواطنين لاتخاذ القرارات في مختلف هيئات الدولة.
إنّ الانتقال من فلسفة الدولة؛ المدينة الشائعة في عهد الدويلات اليونانية، والتي كانت الدولة تقتصر فيها على المدينة والريف المحيط بها، إلى فلسفة التوسّع والهيمنة التي فرضتها الإمبراطورية الرومانية، أدّى إلى تغيير شكل إدارة الدولة، لكن الاختلاف كان تاريخياً وفي مختلف التجارب والعصور، لا يكمن فقط في أساليب إدارة الدولة، ولا القوانين الناظمة للعملية الديمقراطية، وإنّما كانت هنالك على الدوام نقاشات فكرية- فلسفية حول مفهوم وماهية الديمقراطية. وتحاول هذه الورقة طرح المزيد من التساؤلات حول الديمقراطية واسقاط ذلك على الواقع الشرق اوسطي، والتجربة السورية على وجه الخصوص.

 

كتب توماس مور[3] في العام 1515-1516م كتاباً باللغة اللاتينية بعنوان “اليوتوبيا”؛ ينحدر المصطلح من كلمة أتوبوس اليونانية، وتتألف الكلمة من مقطعين “أو” وتعني غير موجود، و”توتيج” [4] أي مكان؛ وتعني بالمحصلة “المكان غير الموجود”.

يعتمد هذا النمط الذي قدّمه توماس مور على نظرة مثالية للمفاهيم، كما أنّ تطبيقها أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، لكنّ ذلك لا يمنع أن يكون ثمّة دافع لتحسين الحياة الديمقراطية، لتقترب ما أمكن من تلك الحالة المثالية. في هذا الإطار لابدّ من ذكر مسألة نسبية المثالية أيضا، وأنّها تقبلُ التأويل تبعا للزمان والمكان، وطبيعة المجتمع والفرد المتلقّي لهذا المصطلح.
لم تكن فكرة توماس مور بجديدة في الحقلين السياسي والفكري، فقد سبقه أفلاطون[5] قبل ذلك بأكثر من ألفي عام، في طرح فكرة مثالية في إدارة الدولة/ المدينة[6]، والتي كانوا يطلقون عليها اسم “بوليس”.[7]

خرج أفلاطون بفكرة “المدينة الفاضلة” التي كانت الديمقراطية فيها تعني أن تنتفي مفاهيم كالعائلة والملكية، فمهمة رعاية الأطفال – بحسب المدينة الفاضلة – يجب أن توكل إلى الدولة، وبذلك يكون كلّ الأطفال لكلّ الآباء والأمهات. وبالتالي يحصل كلّ الأطفال على قدر كاف من الحب والحنان. أما بالنسبة للممتلكات فيجب أن تكون هناك مستودعات مشتركة للمال والغذاء، يأخذ كلّ فرد منها ما يحتاجه، فتتحقق العدالة الاجتماعية إثرها؛ فالعدالة ليست فقط سعادة فرد وتعاسة آخرين، بل هي مساواةٌ بين جميع أفراد المجتمع.[8]

في إطار الحديث عن المفاهيم الطوباوية عادة ما يتمّ الحديث عن حصول الأفراد في تلك المجتمعات على ما يصطلح تسميته بـ “الحرية الأوبتيمال”؛ أي الحرية القصوى، والتي لا تعني الحرية المطلقة التي يكون فيها لكلّ فرد الحرية في فعل ما يريد. فالمجتمع الذي يستطيع الأفراد فيه فعل ما يشاؤون بعيداً عن المنظومة الأخلاقية والقانونية، يكون أبعد ما يمكن عن المجتمع الديمقراطي. فغياب القانون ليس من محدّدات الديمقراطية، بل سمة لغيابها.[9]
الحرية القصوى؛ هي حرية كلّ فرد بممارسة ما هو مسموح به في إطار المنظومة الأخلاقية والقانونية السائدة في ذلك المجتمع، والتي تتيح للفرد ممارسة حريته دون التعدّي على حرية الآخرين في إطار محدّدات الدولة (القانون)، والمجتمع (الأعراف).

يمارسُ الفرد حريته ضمن أُطر كتلك التي يحدّدها المجتمع بعاداته وتقاليده المتعارف والمتفق عليها. تختلف النظرة إلى تلك الأطر باختلاف المجتمع وعاداته، ففي حين أنّ زواج الأقارب مسموح به في المجتمعات الشرقية، ومرغوب فيه أيضا، فإنّه أمر غير مسموح به في أوربا، بل ويعتبر من الشائنات؛ حيث أنّ الزواج بين أبناء العمومة والخؤولة يُعتبر زواجا غير شرعي في إطار المنظومة القيَمية للمجتمع.

الإطار الآخر الذي يُمارس الفرد فيه حريته، هو الإطار القانوني الذي يرتبط بشكل عضويّ بعادات وقيم المجتمع الذي يقوم بتنظيمه. فالعادات والتقاليد تؤثر في المشرّعين، وتدفعهم لتضمين قرارات معيّنة تتناسب وتلك المجتمعات في الدستور. ففي أغلب المجتمعات الغربية التي يكون معظم أفرادها من معتنقي الديانة المسيحية، لا يكون تعدّد الزوجات مسموحا به قانوناً؛ وبذلك يكون القانون انعكاساً للمنظومة القيَمية التي تجذّرت خلال قرون عبر الديانة المسيحية، والتي لا تسمح بتعدّد الزوجات. أما في الدول التي يكون غالبية سكانها من المسلمين فتعدد الزوجات فيها مسموح قانوناً، بسبب تأثّر تلك القوانين بالشريعة الإسلامية التي تسمح بتعدّد الزوجات.

كما المفاهيم الأخرى غير المجردة فإنّ مفهوم “ممارسة الفرد لحريته الشخصية” مفهومٌ نسبي، يعتمد على محدّدات المكان والزمان، والمنبت الفكري، والأيديولوجي للفرد، أو الأفراد المشخصّين لتلك الحالة. إنّ النقاش في هذا الموضوع يقبل الكثير من التأويل والاستقصاء، لكن وباختصار، تتكوّن الحرية الفردية في إطارين محدّدين أساسيين؛ هما المجتمع وكذلك الدولة؛ بما يحويانه من قوانين ناظمة. ولكي يكون القانون حالة ناظمة محدّدة لسلوك الفرد ومُكتسباً للشرعية، يجب أن يكون عادلاً، وإلا فإنّه يفقد شرعيته. وبالتالي لا يكون الخروج عنه خروجاً عن الحرية الشخصية الفردية، إذاً، لكي تكون المنظومة القانونية صالحة للعمل في إطارها، يجب أن تكون عادلة. فقد يختلف مفهوم العدالة القانونية في إطارها النظري، وكذلك من حيث الممارسة من شخص لآخر. لكن يمكن وضع مقاربة منطقية للمفهوم من خلال عدة منطلقات:

1- العدالة القانونية؛ مفهومٌ مجرّد غير ملموس، لذا فإنّ تعريفه مهمّة صعبة، من جهة إيجاد صيغة جامعة يتفق عليها الجميع. فالأشياء الملموسة يسهُل إيجاد تعريف جامع متفق عليها، لها، وذلك بحسب المراد من التعريف؛ لأنّنا نستطيع أن نقترب منه بواسطة الحواس. لكنّ المفاهيم المجرّدة لا تملك تلك الصفة. لذا فإنّ ما لا يمكن أن نستشعره بالحواس يصعُب تفسيره بما يمكن الاتفاق عليه.

2- هنالك اختلاف جوهري وكبير في تفسير مفهوم العدالة القانونية، من حيث ارتباطه بالحرية الفردية من شخص لآخر؛ فهنالك من يفسّر مفهوم العدالة بأنّه ممارسة لتلك القوانين التي يصدرها من يمتلكُ القوة، بينما يفسّره آخرون بأنّه ممارسة كلّ شخص لمهنته، وإبداعه فيها، بالإضافة إلى الكثير من التفسيرات، كاعتبار استعباد المستبِد للمقهور، وقبول الأخير لذلك الاستعباد عدالة.

3- في ظلّ غيابِ صيغة جامعة -متفق عليها- لتفسير مفهوم العدالة القانونية، يمكن تفسير العدالة عن طريق الأخذ بالتفسير الذي تتفق الغالبية على صحته.

المُشكِل في المحدّد الآنف الذكر، هو عدم توفّر أو وجود استطلاعات رأي تجزم بشكل حاسم أنّ غالبية البشر تتفق على تفسير معيّن لمفهوم عدالة القوانين عليه؛ فالعدالة مفهومٌ مجرّد يصعُب تعريفهُ، كما لا يوجد توافق على تفسيره كمفهوم نظريّ، أو كممارسة عملية. لذا يمكن الأخذ برأي الأغلبية في تفسيره، لكن مكمَن المعضِلة هو عدم وجود معلومات عن توافق أغلبية البشر، أو الباحثين على تعريف معيّن. لذا يتوجّب البحث عن صيغة أخرى جامعة، أو تكاد، يتمّ التوافق عليها لشرعنة القوانين الصادرة، واعتبارها عادلة، كأحد الحلول لإيجاد تفسير لمفهوم عدالة القانون. سيتم نقاشُ ما إذا كانت القبيلة والدولة توفّران مناخا ملائما، وتشكّلان أرضية صلبة لاتخاذ قرارات، وكتابة قوانين تكون عادلة من جهة تمثيلها لشريحة واسعة، تمثل أغلبية المواطنين، لتستمد الشرعية، أو لا.

في النُظُم الأقلّ تطوّرا من نظام الدولة، كالنُظم القبلية، كان رؤساء تلك القبائل قديما يسيطرون على زمام الأمور، لكن لم تكن لهم السطوة المطلقة؛ على اعتبار أنّ زعيم القبيلة وباقي الأفراد في ذلك الإطار كانوا خاضعين لسلطة الأعراف، وهي القوانين غير المكتوبة، والتي كانت تشكّل مظلّة جامعة يدينُ لها أفراد المجموعة.

كانت لتلك الأعراف سلطة خاصة في العصور التي كان للقبيلة فيها سطوة أكبر، فيتمُّ الحفاظ عليها، وتداولها من قبل أفراد تلك المجموعات؛ أي أنّ بعض تلك القوانين يتشكل بفعل تطوّرات تاريخية، وبعضها الآخر يتمّ سنّها من قِبل أفراد القبيلة. وبذلك كانت تملك صيغة شِبه جامِعة ومتفق عليها من أغلب أولئك الأفراد.

انطلاقاً مما سبق، فإنّ الالتزام بأعراف القبيلة كان يمثّل التزاماً بقيم العدالة؛ على اعتبار أنّ تلك الأعراف كانت تُصاغ من قبل أفراد تلك المجموعات، أو على الأقل يتمُّ قبولهم لها.

في الوقت الراهن ونتيجة لتضاؤل دور وسطوة النظام القَبلي في المجتمعات المتطورة، فإنّ أعراف تلك القبائل لم تعد تمتلك الصفة الجامعة المتفق عليها؛ لأنّها لم تعد تتفق ومتطلبات أفراد تلك المجموعات؛ نتيجة التغيّرات الهائلة التي طالت تلك المجتمعات بعد الثورة التقنية، الخدمية، والصناعية. حصل كلُّ ذلكَ في فترة قصيرة من تاريخ البشرية، لم تستطع خلالها تلك الأعراف مجاراة تلك المتغيّرات. بالإضافة إلى ذلك فإنّ تلك الأعراف لم تعد  تمثل أغلبية أفراد تلك المجموعات. كما أنّ معظم أفراد تلك القبائل في المجتمعات المتمدّنة لا يمتلكون الإحساس بالانتماء لتلك القبائل، بل ويشعرون بحالة من الاغتراب، نتيجة عدم توافق تلك الأعراف مع الأنماط الجديدة لحياتهم. كذلك لم تعد تلك الأعراف تمثّلهم؛ لأنّها لم تُوضع من قبلهم، ولم يتمّ حتى قبولها أو تداولها فيما بينهم، فتزايد دور الدولة في مقابل تضاؤل دور القبيلة في هذه المجتمعات المتحضرة.

في العهد الإغريقي كان يُطلق على الدولة اسم “بوليس”، أمّا في العهد الروماني فقد كانت التسمية الشائعة هي”سيفيتاس”، أما مصطلح الدولة بشكله الحديث فقد تمّ تداوله في أوربا خلال عصر النهضة، وكان ميكيافيلي من الأوائل الذين استخدموا هذا المصطلح. تتمايز الدولة عن غيرها من التجمعات كالقبيلة بوصفها كيانا سياسيا ينبعُ من إرادة العيش المشترك، ومن واقع اجتماعي، وتاريخي، وكونها كياناً حقوقياً تنبع السلطة في إطاره من خلال مجموعة قوانين.[10].

كانت الدول في البداية مركزية في حكمها، كما كانت سلطة المواطن فيها ضئيلة، لكنّها سرعان ما تعرضت لتغييرات كبيرة وسّعت من المشاركة الجماهيرية في اتخاذ القرارات فيها. ومع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ شكل الدولة يتغيّر لينحو إلى الشكل اللامركزي تدريجياً. وترافق ذلك مع تطوّر الشكل الديمقراطي للدولة، وكذلك دمقرطة المزيد من الدول نتيجة ظروف عديدة منها:

الثورة الصناعية التي غيّرت بُنية الدولة والمجتمع، من خلال عدّة محاور من أهمها:

– أدّت الثورة الصناعية إلى الهجرة من الريف إلى المدينة، حيث المصانع التي بدأت بالتزايد بشكل مطرد، والتي أمّنت فرص عمل جديدة، أدت بالتدرج إلى تحسّن الوضع الاقتصادي للعديد من العوائل، ما أسفر بدوره إلى نمو الطبقة الوسطى، وساهم في تهيئة أجواء إيجابية لدمقرطة الدولة؛ على اعتبار أنّ الانتقال من حالة الفقر في الريف إلى حالة الاكتفاء، وتحسّن المستوى المعيشي في المدينة، يمكن أن يساهما في زيادة مطالبة الفرد بحقوقه، وإلى اقترابه أكثر من الحركة الثقافية والسياسية في المدينة، وقدرته على تخصيص وقت لأجل هكذا نشاطات، وهو ما لن يستطيع أن يقوم به من يعيش تحت وطأة ظروف اقتصادية سيئة في مناطق ريفية نائية بعيدة عن الأحداث السياسية.

– أدت الثورة الصناعية أيضا إلى تحسين اقتصاد الدول التي عايشت تلك الثورة، فتزايدت قدرة تلك الدول على توفير حياة أفضل لمواطنيها من كلّ النواحي، وخاصة في مجال تحسين طرق ومناهج التعليم، وتوفيرها لأكبر عدد ممكن من مواطنيها، ما يمكن أن يُسهم في تهيئة الأجواء لدمقرطة النظام السياسي كسبيل لمشاركة شعبية أكبر في اتخاذ القرارات العامة، من خلال تهيئة الفرد في تلك المدارس ليعرف حقوقه وواجباته، ويُسهم في زيادة فعاليّة تلك المُطالبات، من خلال طرُق أكثر نجاحا، فيستطيع الإنسان المُتعلّم أن يتّبعها بفعالية أكبر من الإنسان الأميّ.

– أدّت الثورة الصناعية، وكذلك الحربان العالميتان إلى زيادة انخراط المرأة في كافة الميادين، وخاصة ميدان العمل، فانعكس ذلك على زيادة المشاركة الشعبية في آلية اتخاذ القرارات المصيرية، حيث أنّ حضور المرأة بفعالية أكبر في الحياة العامة ساهم في شرعنة مطالبتها بحقوقها، وكذلك قدرتها على انتزاع تلك الحقوق، ما أثّر إيجابا على الحياة الديمقراطية بشكل عام، فلا ديمقراطية حقيقية دون مشاركة فعلية للمرأة في اتخاذ القرارات في دول ومجتمعات تُشكّل المرأة نصفها.

– أدّت الثورة الصناعية ومن ثم الهجرة من الريف إلى المدينة إلى زيادة دور المرأة ومكانتها، من خلال عملها في تلك المدن، لتكسر بذلك احتكار الرجل لميدان العمل، بالإضافة إلى كسر احتكار الرجل لإعالة العائلة ماديا، التي كان يُسيطر عن طريقها على معظم مفاصل المجتمع، وكان لانتقال حماية المجتمع إلى الدولة بشكل رسميّ – حتى وإن كان عماد جيشها من الرجال – دور كبير في كسر احتكار الرجل لميدان القتال أيضا، ولعبه دور الحامي، لأنّ الحامي الرسمي أصبح الدولة، بغضّ النظر عن جنس من يُقاتل فيها، الأمر الذي أدّى إلى تعاظم دور المرأة على حساب فقدان الرجل للميزتين اللتين كانتا تؤهلانه للقيام بدوره السابق، كقائد أوحد للمجتمع.

بالإضافة إلى ما أسلف، فيمكن إجمال تعاظم دور المرأة وبخاصة خلال الحربين العالميتين وما تبعها، في عدة نقاط:

– بسبب اتساع رقعة الحروب، احتاجت تلك الجيوش الجرّارة المُشاركة في المعارك إلى النساء، للعمل في مجالات التمريض، وتحضير وجبات للمقاتلين، وباقي الأعمال المُرافقة للحرب.

– تواجد القطاع الأكبر من الرجال في ميادين القتال، أدى إلى إفراغ المدن، على عكس النساء اللاتي -وإن شارك قسم منهنّ في الأعمال المرافقة للحرب بقيت نسبة كبيرة منهنّ في هذه المدن، وأخذت دور الرجال في كثير من المجالات.

– كان من نتائج الحربين العالميتين مقتل الملايين، غالبيتهم العظمى من الرجال، الأمر الذي أخلّ بتوازن القوى المجتمعية بعد الحرب.

الهجرة من الريف إلى المدينة، وتحسُّن الوضع الاقتصادي، أديا إلى نمو الطبقة الوسطى، وتحسين مستوى التعليم، والالتفات إلى ملفّ حقوق المرأة، والمطالبة بحقوقها، هذه العوامل في مجملها أفضت إلى توسعة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات في الدول الحديثة، إذا فإنّ الثورة الصناعية وكذلك الحربين العالميتين، وما رافقتهما من ظروف وتغيّرات أدّتا إلى تغيير بنية المجتمع، وتحسّن ملفّ حقوق المرأة، وبالتالي تحسُّن ملفّ الديمقراطية بشكل عام، كما فتحَ الباب على مصراعيه لمشاركة شعبية أكبر في اتخاذ القرارات.

في الدول الديمقراطية الحديثة التي توفّر نسبة أكبر للمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، تسَنُّ الدساتير والقوانين وفق رغبة المواطنين، من خلال التصويت على الدستور لشرعنته، وكذلك من خلال انتخاب ممثلين ينوبون عنهم في اتخاذ القرارات في أعلى هيئة تشريعية في الدولة؛ وهي البرلمان، الذي يقوم بدوره بسنِّ القوانين، وبذلك تكون تلك القوانين ممثِّلة لأغلبية المواطنين في كل دولة، شريطة أن تكون الدولة ديمقراطية. بذلك تكون القوانين في الدولة الديمقراطية، بعكس الأعراف في المجتمع القبلي، مُمثِّلة للمواطنين، ومقبولة بالنسبة إليهم، ومتّفق عليها من الأغلبية، هكذا يُمكن الوصول إلى نتيجة مفادها أنَّ العدالة القانونية هي قبول المواطنين بالقوانين التي تتم صياغتها في الدول الديمقراطية، نتيجة مشاركتهم في اتخاذ القرارات، من خلال اختيارهم لممثلين ينوبون عنهم في هيئات الدولة، حيث يتم اختيارهم في انتخابات نزيهة.

بذلك تكون الحرية الفردية مرتبطة بالقانون المُرتبط بشكل عضويّ بمفهوم العدالة، والذي يمكن تفسيره بأنّه مُرتبط بتطبيق القانون في الدولة الديمقراطية، التي يشترك فيها الشعب باختيار ممثليه وبصياغة تلك القوانين، فممارسة الفرد لحريته الشخصية إذن مرتبطة بشكل عضوي بالديمقراطية وممارستها كقراءة أولية لهذا المفهوم.

الديمقراطية ليست مفهوما مجردا، بل مرتبطة بشكل عضوي بالممارسة لفهمها، وكذلك تطويرها؛ على اعتبار أنّ الديمقراطية مشروعٌ تتغيّر مُحدداته بشكل دائم بفضل عوامل عديدة تتغيّر حسب الظروف، كما يمكن اعتبارُ أنّ الديمقراطية ليست مفهوما مجردا، ولا تتم المطالبة بتطبيقه فقط بسبب قيمه الأخلاقية، بل أيضا لأنّ التجربة أثبتت أنّها الصيغة الأفضل من بين نظُم الحُكم الأخرى.[11] حتى يتم الحديث عن ديمقراطية حقيقة، ومرسّخة، يجبُ أن تكون الأغلبية الساحقة من المواطنين مؤمنة بمبادئها، وبأنّها النظام السياسي الأفضل، وأن تكون القوى غير المؤمنة بالديمقراطية قلّة غير فاعلة، وبالتالي يجب أن تكون الديمقراطية مرسّخة فكرياً. إذاً يتوجّب على المواطنين أن يكونوا مصدر الشرعية في العملية الديمقراطية، على أن يتمّ اتخاذ القرارات بشكل ديمقراطي، عبر آليات منصوص عليها بقوانين متفق عليها بأغلبية برلمانية، أو بعملية توافق في البرلمان. بالترافق مع ترسيخ العملية الديمقراطية فكرياً، يجبُ أنْ يكون هنالك ترسيخ للديمقراطية، منعكسٌ في سلوك المواطنين والقوى الفاعلة على الأرض، إذ تستوجب العملية الديمقراطية ألّا تكون ثمة قوى فاعلة تحاول أن تغيّر النظام الديمقراطي بالقوة لصالح بناء منظومة غير ديمقراطية، عند تحقيق الديمقراطية وترسيخها في سلوك المواطنين والقوى الفاعلة، لا يكون الحديث متركزا عمّا إذا كانت الديمقراطية هي النظام الأنسب، أو يتمّ الانتقال إلى مرحلة قبول اللعبة الديمقراطية، وشروطها، وأقلمة سلوك الفرد والمجموعات مع قوانين تلك اللعبة. تتطور الحالة تلك حتى تصبح القوى السياسية المستقلة والحكومية على حدٍّ سواء متكيّفة مع اللعبة الديمقراطية؛ حيث أنّها تعتبر القانون وسيلة لفضّ نزاعاتها، وتلتزم بآليات العملية الديمقراطية في مختلف مراحل ممارستها.

الديمقراطية كممارسة تُشبه الدكتاتورية إلى حدٍّ بعيد، لكنّهما يختلفان من حيث المفهوم وآلية تطبيق ذلك المفهوم؛ فالسلطة الاستبدادية تقوم بسنّ قوانين تُجبر المواطنين على التقيّد بها، وتقوم بسجن البعض، وتقوم بالعديد من الممارسات التي تجبر فيها المواطنين بالقيام بفعل معين والالتزام بتلك القوانين، السلطات في الدول الديمقراطية أيضا تقوم بسنّ قوانين، ويكون لمخالفيها تبعات قانونية يمكن أن تصل إلى حدّ السجن، وبذلك يكون التقيّدُ بالقوانين إلزامياً.

الفرق في الحالتين -السابقتين- يكمن في أنّ السلطات في النُظم الاستبدادية تستخدم قوانينها لصالح رغباتها الفئوية، المرتبطة بحلقة صغيرة جدا من أنصارها، وتستمدّ شرعية منظومتها القانونية من منظومة أمنية تتحكم بها، ليس فقط في السلطات التشريعية، وإنما أيضا بكل مفاصل الدولة. في هذه الحالة لا تكون تلك التشريعات لسان حال المواطنين، بل وسيلة للإمعان في استعبادهم، ولدوام سيطرة المستبدّ على مقاليد الحكم. أما في الأنظمة الديمقراطية فإنّ الفئة المناصرة للحكومة تكون غالبية المواطنين؛ لأنّ تشكيل الحكومة يكون عادة بعد إجراء انتخابات نزيهة، وحصول حزب أو ائتلاف من الأحزاب على أغلبية برلمانية تؤهلها لتشكيل الحكومة. وتكون لتلك الغالبية البرلمانية الكلمة الفصل في سنّ القوانين التي تحملُ في جوهرها عنصر الإجبار في التطبيق، كما في الأنظمة الدكتاتورية، لكنّ الفارق هو أنّ القوانين في الأنظمة الديمقراطية تستمدّ شرعيتها من صناديق الاقتراع؛ أي أنّ المواطنين ومن خلال تصويتهم لحزب أو ائتلاف معيّن يعطونهم الأحقية والشرعية في سنّ القوانين، لكنّ الجميع – حتى من شارك في سنّها – منضوون تحت عباءتها، وملتزمون قانونياً بتنفيذها، الأمر الذي لا يتوفر في الأنظمة الدكتاتورية.

جديرٌ بالذكر هنا أنّ الديمقراطية كمفهوم ليست أيديولوجيا كالاشتراكية والليبرالية؛ فالديمقراطية تتضمن مجموعة محدّدات في إطار منظومة أخلاقية وقانونية، ولكنّها لا تحتوي على رؤى ومواقف سياسية. إنّ الاختلاف بين الديمقراطية كمفهوم، والاشتراكية والليبرالية وغيرها من الأيديولوجيات، هو أنّ الديمقراطية مفهوم ومجموعة نُظم تحدّد شكل نظام الحكم، وكذلك آلية اتخاذ القرارات؛ أي الممارسة، بينما تكون للأيديولوجيات السائدة؛ كالليبرالية، والاشتراكية نُظم تحدّد مضمون القرارات المُتخذة، وكذلك البُنى المجتمعية. هذا يعني أنّ الديمقراطية نظامٌ يحدّد شكل العلاقة بين صنّاع القرار في مختلف مستويات الدولة، ويضع أيضا شروطاً لاتخاذ القرارات على أساس ديمقراطي، دون مضمون هذه العلاقة؛ أي بين صنّاع القرار، التي تكون مهمّة للنظم الأيديولوجية، التي تتميز بكونها تمتلك رؤى ومواقف سياسية. كما أنّ للديمقراطية إطاراً جامعاً يمكن أن يتضمّن في داخله الأطُر والمفاهيم الأيديولوجية. فالديمقراطية يمكن أن تطبّق في النظام الاشتراكي، أو الليبرالي، أو أيّ نظام سياسي آخر.

 

تعاريف ومُحدّدات الديمقراطية:
كان التعريف قديماً يعتمد على الحقيقة والخطأ، فكان يتمّ تعريف الظاهرة المراد بحثها بطريقة تقيّم فيها بأنّها، صحيحة أو خاطئة، لكن معاصرا يعتمد التعريف على الشيء المراد منه، ويمكن أن يتم تعريف ذات الشيء، أو الظاهرة بطرق مختلفة، حسب الجهة أو المجال العلمي الذي يراد منه تعريف الظاهرة؛ هذا يعني أنّ عالِم التاريخ، السياسيّ، وعالِم النفس يمكن أن يضعا ثلاثة تعاريف مختلفة لظاهرة واحدة، كلٌ حسب مجاله. نستطيع مثلاً تعريف القلم بعدة طرق، فيمكن التركيز على المظهر الخارجي، والقول إنّ القلم أحمر اللون، وطوله 10 سم، وشكله أسطواني. كما يمكن تعريف القلم من خلال وصفه، بأنّه مادة بلاستيكية تدخل في صناعته مواد كيميائية، يُستخدم للكتابة. بهذه الطريقة يتمّ التركيز على المواد التي يُصنع منها ذلك القلم. بالإضافة إلى التعريف السابق يمكن التركيز على استخدامات القلم، ووصفه بأنّه الأداة التي قام من خلالها الأدباء والشعراء بتدوين إبداعاتهم. التعريفات الثلاثة للقلم صحيحة، لكن تمّ التركيز في كلّ منها على جانب معين، وذات الأمر يسري على كافة المفاهيم والأشياء الأخرى. رغم أنّه يمكن تعريف القلم بعدة أشكال، إلا أنّ ذلك ليس بالمهمة الصعبة، لأنّ القلم وكلّ المواد الأخرى المادية الملموسة، يمكن إدراكها من خلال الحواسّ الخمس، أو على الأقل من خلال بعضها، على النقيض من الأشياء المادية الملموسة يكون تعريف الأشياء والمفاهيم المجرّدة غير الملموسة إشكاليا، ويتطلب المزيد من الجهد، بالإضافة إلى أنّه ليس من السهل تعريف تلك الظواهر بطريقة يمكن الاتفاق عليها بين جمهور العلماء.

ضمن هذا الإطار يتحدّث الكاتب الفرنسي جورج بيردو عن صعوبة تعريف الديمقراطية بقوله؛ إنّه على الباحث في الديمقراطية ” أن يكون في الوقت نفسه مؤرخاً؛ لفهم تكوّن فكرة الديمقراطية، وعالم اجتماع؛ لدراسة تجذّرها في الجماعة، وعالم اقتصاد؛ لإدراك العوامل المادية المؤثّرة في تطورها، وعالم نفس؛ لمعرفة مصدر الطاقة التي تغذّيها، ومنظّرا سياسيا؛ لتحليل أثر الأنظمة والعقائد السياسية على مفهوم الديمقراطية، وأخيراً رجلَ قانون؛ لتعريف المؤسسات الخاصة والسياسية التي تجسّد الديمقراطية عمليا”.[12]. تختلفُ مقاربة مفهوم الديمقراطية باختلاف عوامل عدة، من أهمّها الاختلاف في اعتبار الديمقراطية هدفاً للبعض، في حين تعتبر وسيلة للبعض الآخر. هذا الاختلاف يقود إلى تبنّي تعاريف مثالية، أو أخرى محدّدة في سياق محاولة تعريف الديمقراطية. يعتمد التعريف المثالي أو الأقصى، على أنّه لا يُمكن الحديث عن الديمقراطية إلّا في حالة تحوّل كل العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلى علاقات ديمقراطية، ولذلك فإنّ هذا الفهم للعملية الديمقراطية، واسعُ النطاق، ومعقّد جداً، حتى أنّه يمكن القول: إنّه لا توجد دولة تتوفّر فيها كل المواصفات التي يُحدِّدها علماء هذا المذهب.
أما التعريف المُحدَّد فيعتمد على الجانب السياسي البحت، وخاصة الانتخابات، دون إيلاء أهميّة كبرى للجوانب الأخرى. وهذا التعريف هو الأكثر شيوعاً في البحوث العلميّة؛ نظراً لسهولة تطبيقه، في محاولة دراسة ما إذا كانت دولة ما ديمقراطية بحسب التعريف المستخدم، أم لا.[13]

يُعَدّ التعريف المثالي صعب التطبيق عمليّاً، ومن الصعوبة بمكان استخدامهُ كمعيار في تقييم ديمقراطية الدول في الأبحاث العلمية،[14] لكن هذا النموذج في فهم العملية الديمقراطية مهم جداً. فمفهوم الديمقراطية – برأيي – ليس مقتصراً على عمليّة تحديد ووصف الديمقراطيات السائدة، بل هو أيضا وضع تصوّر لما يُراد بلوغه.

يُعتبر جوزيف شمبترز،[15] واحداً من أهمّ منظّري المذهب المُحدد. وينطلقُ في مقاربته للعمليّة الديمقراطية من كون المواطن لا يستطيع قيادة العمليّة السياسيّة، ولا التأثير فيها إلا بطريقة واحدة، ألا وهي مشاركته في الانتخابات. ويُعرّف شمبترز الديمقراطية بأنّها؛ طريقة سياسيّة تتميز بكونها صراعا بين النخب السياسية والأحزاب على إدارة الدولة.[16] يَعتبر أنّ قدرة الناخب على تغيير الحكومات من خلال صناديق الاقتراع، وكذلك وجود طرفين سياسيين على الأقل، يمكّن للناخب الاختيار بينهما، الضامنَ لإبعاد شبح الدكتاتورية عن الدول.[17].أن  أن يُعتبر تعريف شمبترز للديمقراطية أحد أهمّ التعاريف، وأكثرها انتشاراً؛ لكون التعريف سهل التطبيق في مجال البحث العلمي. فالمعيار الوحيد لتحديد ما إذا كانت الدولة ديمقراطية، هو آلية إجراء الانتخابات في تلك الدولة.

يقدّم آدام برشوزكي[18] نموذجاً آخر للتعريف المُحدّد للديمقراطية، حيث يُعرِّف برشوزكي الديمقراطية بأنّها نظامٌ تخسر فيه الأحزاب الانتخابات وتقبل بتلك الخسارة.[19]. يَعتبر برشوزكي أنّ السمة الأبرز في النظام الديمقراطي، هي عدم التأكّد من نتائج الانتخابات قبل حدوثها؛ ففي الدولة الديمقراطية لا يستطيع أحد معرفة نتائج الانتخابات قبل الانتخابات. على عكس الدول الدكتاتورية، التي تستطيع السلطة فيه التدخّل لتعديل نتائج الانتخابات لصالحها.

الكاتب الآخر الذي يُعتبر من معتنقي المذهب المُحدّد، هو الأمريكي صامويل هنتينغتون (من أبرز الكتّاب الأمريكيين في هذا المجال).[20] يَعتبر هنتينغتون أنّ الديمقراطية هي عمليّة اختيار ممثلين عن الشعب عبر انتخابات حرّة ومتعاقبة، يتنافس فيها المترشِّحون لتلك الانتخابات بحرّية تامّة، وبمشاركة معظم البالغين، وبذلك يَعتبر هنتينغتون – كغيره من الكتاب – الانتخاباتَ نواة للديمقراطية. رغم أنّ طريقة كلّ من شمبترز وبرشوزكي وهنتينغتون في تعريف الديمقراطية تسهّل عملية البحث العلمي، لكنّها قاصرة، باعتمادها على مُحدّد واحد ألا وهو الانتخابات، فالعديد من الدول تُعتبر ديكتاتورية، على الرغم من إجراء انتخابات نزيهة – نسبيا – فيها.  إنّ أكثر العلماء شهرة وتأثيرا في مجال الأبحاث المتعلّقة بالديمقراطية، هو الباحث روبرت دال[21] الذي يقول بإنّه لا يجوز استخدام مصطلح الديمقراطية في مجال الأبحاث العلمية؛ لأنّه لا توجد دولة في العالم تلبّي كافة مُحدّدات الديمقراطية. ولذلك فهو يتحدّث عن مصطلح جديد يسمّيه (بولاركي)[22]، ويضعُ مجموعة معايير في سبيل الوصول إليه. وبذلك فهو يطوّر المذهب التحديدي، ويُخرجه من إطار قوقعته. يَعتمد روبرت دال في تحديد معاييره على مبدأين أساسيين، هما مبدأ مشاركة المواطن في آلية اتخاذ القرار، وكذلك التنافس في العملية الانتخابية والنظام السياسي بشكل عام، ويحدّد الشروط التي يجبُ أن تتوّفر في النظام السياسيّ للدولة كي تنسحبَ عليها سمة الديمقراطية. وتُعتبر شروط دال الأكثر قبولاً والأكثر استخداماً في مجال الأبحاث العلمية وهي[23] :
1ـ أن يكون أصحاب القرار في الدولة مُنتخبين: يجب أن يكون الأشخاص الذين يترأسون مؤسسات الدولة، ويتخذون القرارات السياسية، مُنتخَبين بشكل ديمقراطيّ.

2ـ إجراء انتخابات حرة ومحايدة: يجب أن يخضع المسؤولون المُنتخَبون لامتحان إعادة الثقة، عبر انتخابات دورية ومحايدة لا تخضع لأيّ نوع من التأثير.

3ـ حرية إبداء الرأي: يجب أن يضمن القانون حرية إبداء المواطن لرأيه، دون أن يتعرّض للمساءلة أو الجزاء. وتتضمن حرية إبداء الرأي، حقّ انتقاد أصحاب القرار في الدولة، النظام السياسي، الحكومة، النظام الاجتماعي، الاقتصادي، وكذلك الأيديولوجيات السائدة في المجتمع.

4ـ مصادر بديلة للمعلومات: يجب أن تتوفر مصادر بديلة للمعلومات تحميها القوانين؛ كي يتمكن المواطن من تحديد رأيه بشأن الأحداث بمعزل عن إعلام الدولة.

5ـ حق الانتخاب العام: يجب أن يحقّ لجميع المواطنين البالغين التصويت في الانتخابات.

6ـ حقّ الترشّح في الانتخابات: يجبُ أنْ يحقّ لجميع المواطنين البالغين الترشّح في الانتخابات، ولا ضير من أن يكون سنّ الترشّح أعلى بقليل من سنّ التصويت.

7ـ حرية التجمّع: ليتمكن المواطنُ من تأمين حقوقه, يجب على الدولة سنّ قوانين تضمن حرية إنشاء جمعيات ومنظمات مستقلة، كالأحزاب السياسية، واللوبيات. وليةلهذا المفهوم

أما لبلوغ حالة الديمقراطية الكاملة، فيضع روبرت دال الشروط التالية:[24]

1ـ حقّ التصويت والمساواة السياسية: ويُقصد بذلك أنّه في دولة القانون والمؤسسات، تُعطى أهمية متساوية لرغبات ومصالح كلّ المواطنين بشكل متساوٍ، ولا يتمّ تحقيق ذلك، إلا إذا كان لكلّ مواطن صوتٌ واحد في الانتخابات للهيئات التشريعية.

2ـ المُشاركة الفَعالة: وتعني أن تكون لكلّ المواطنين الإمكانية الكافية والمتساوية لإبداء الرأي في شتى المجالات المتعلّقة برسم سياسة الدولة.

3ـ  أن تكون لكلّ المواطنين القدرة الكافية والمتساوية على فهم القوانين، وكذلك البدائل عن تلك القوانين وتأثيراتها.

4ـ  النظام الديمقراطي يتطلبُ أن يكون المواطنون هم من يقرّرون القضايا التي يقوم السياسيون بمناقشتها واتخاذ القرارات بشأنها، وإلا فإنّ النظام الديمقراطي يكون شكليا، ولا يتطرّق إلى القضايا التي تهمّ المواطنين.

5 ـ أن يكون كلّ الأشخاص البالغين المعنيين بقرارات الدولة، مشمولين بحقّ المواطنة والمشاركة في صناعة القرار.

 

النتيجة:
على اعتبار أنّ الديمقراطية مفهومٌ مجرّد فإنّ تعريفه صعبٌ، شأنه في ذلك شأن المفاهيم الأخرى غير الملموسة، تعدّدت المدارس التي تصدّت لتعريف ذلك المفهوم، وتمايزت التعريفات، لكنّها كانت قاصرة، ومنحازة إلى وجهة نظر دون أخرى، وفي محاولة لإيجاد تعريف يتناول مختلف أوجه هذا المفهوم، حاول البحث إضاءة عدة جوانب في خضم تناوله للديمقراطية، التي يمكن اختزالها وكنتيجة نهائية بالقول إنّ:

الديمقراطية هي مجموعة نُظم تتضمن آليات لإشراك أكبرِ قدر/عدد من المواطنين، في أكبر قدر من القرارات التي تُدار من خلالها الدولة، يُشترط في تلك النُظم أن تكون عادلة، تكتسب شرعيتها من خلال مشاركة المواطنين في تلك العملية وقبولهم بها وتأقلمهم معها.

 

[1] يتم تسمية ذلك الشكل “الديمقراطية المباشرة” في مراجع أخرى.

[2] Ejvegård, Rolf, 1991: Vad är demokrati, Tryck: WSOY, Finland

[3]Thomas More

[4] οὐ τόπος,

[5] Platon

[6] Ejvegård, Rolf, 1991

[7] Veyne, Paul, 1991: Kände Grekerna till demokrati?, Brutus Östlings Bokförlag Sympoison

[8] Nordin, Svante, 2010: Det poltitska tankandet historia, Printed by Wallin & Dalholm Boktryckeri AB, Sweden, 2:a upplagan

[9] Ejvegård, Rolf, 1991

[10]عصام سليمان، مدخل إلى علم السياسة، دار النضال للطباعة والنشر والتوزيع . بيروت- ص ب: 112- 6693. الطبعة الثانية 1989

[11] Hadenius, Axel, 2006: Demokrati: en jämförande analys, Kristianstads Boktryckeri AB, Kristianstad

[12] عصام سليمان، 1989.

[13] Ejvegård, Rolf, 1991

[14] Mainwaring, Scott, 1992: Transition to democracy and democratic consolidation: Theoretical and Comperative Issues, I Scott Mainwaring, Guillermo O`Donnell & J. Samuel Valenzuela, red, Issues in Democratic consolidation: The New South American Democracies in Comparative Perspective, Notre Dame: University of Notre Dam Press, 296-297

[15] Joseph Schumpeter

[16] Schumpeter, Joseph 1994: Schumpeter- Om skapande förstörelse och entreprenörskap, I Urval av Richard Swedberg, Stockholm: ratio

[17] Held, David, 1995: Demokratimodeller, Göteborg: Daidalos

[18] Adam Przeworsky

[19] Przeworsky, Adam, 1991: Democracy and the market: Political and Economic Reforms in Eastern Europe and Latin America, Cambridge: Cambridge university press

[20] Samuel P. Huntington

[21] Robert Dahl

[22]Polyarchy

[23] Dahl, Robert A, 2006: On political equality, Yale University, press New Haven, London

قام روبرت دال بمناقشة هذا الموضوع في كتاب آخر هو “عن الديمقراطية” وهو المصدر رقم 22 في هذا الجزء، ولكن توجد اختلافات طفيفة بين البنود التي ذكرها في هذين الكتابين.

[24] Dahl, A Robert, 1998: On democracy, Yale University, press New Haven, London

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي رضا اسدي: اللغة الکردیة الفيلية (الكردية الايلامية)

  علي رضا اسدي :الـمُحاضر أستاذ جامعي  الملف بصيغة pdf اللغة الکردیة الفیلیة (1) الملخص ...