الرئيسية | مقالات | جنكيز تشاندار_ماذا يتضمن الاتفاق العسكري الأمريكي- التركي؟

جنكيز تشاندار_ماذا يتضمن الاتفاق العسكري الأمريكي- التركي؟

جنكيز تشاندار- المونيتور

ترجمة: مصطفى إسماعيل


صورة مترجم المقال مصطفى اسماعيل

حين قال الأمريكان بشكل قاطع “لا” لتوغل تركي محتمل في شمال شرق سوريا، رضخ الرئيس رجب طيب أردوغان. كان ذلك تقييمي السريع بعد قراءة البيان حول المحادثات العسكرية المشتركة المتعلقة بسوريا والذي أصدرته السفارة الأمريكية في أنقرة بعد ثلاثة أيام من المحادثات.

صدر البيان في 7 أغسطس. قبل ثلاثة أيام من ذلك، في 4 أغسطس، أعلن أردوغان على نحو قاطع عن الغزو التركي الوشيك لشمال شرق سوريا والذي يخضع لسيطرة الجماعات الكردية السورية.

كانت تركيا تُعدّ قواتها على طول الحدود السورية الطويلة لأسابيع، وكان القادة الأتراك يتحدثون بدأبٍ عن تدخل عسكري. وهكذا عُدَّ تصريح أردوغان في 4 أغسطس نتيجة طبيعية للاستعدادات العسكرية على الأرض. قال أردوغان: “للصبر حدود”. وهذا يعني أنه لم يعد يولي اعتباراً للتعهدات الأمريكية المتعلقة بالوضع في “شرق الفرات”.

في 5 أغسطس، بعد يوم من تصريح أردوغان الدراماتيكي، جلس المسؤولون العسكريون الأمريكان والأتراك في أنقرة في ما أسمته الواشنطن بوست بأنه جهد “المحاولة الأخيرة” من قبل المفاوضين الأمريكيين.

تم طرح الموقف التركي حول المنطقة الآمنة المخطط لها في مناسبات عدة: سيطرة عسكرية تركية أحادية على مساحة بطول 400 كيلومتر وعمق 32 كيلومتر.

اعترض خصوم تركيا الكورد على هذا الموقف، قائلين إن تركيا تسعى للسيطرة على الطريق الدولي (طريق رودكو) الذي يقع على بعد حوالي 30 كيلومتراً من الحدود التركية والذي يربط الطرق من كردستان الجنوبية إلى حلب ودمشق والدول العربية. أفادت وكالة الأنباء فرات ANFالتابعة لحزب العمال الكردستاني المحظور أنه و”مع الاستيلاء على هذا الطريق، وهو طريق تجاري مهم، فإن تركيا تخطط أيضاً- كخطوة ثانية أو ثالثة من خطة الاحتلال- لنقل النفط من كركوك إلى دير الزور وإلى البحر الأبيض المتوسط”. لحزب العمال الكردستاني- الذي تعتبره كل من تركيا والولايات المتحدة منظمة إرهابية- علاقات وثيقة مع وحدات حماية الشعب السورية YPG.

إنه لمن المثير للاهتمام أن التقييم الكردي بدا مشابهاً لما كتبه بريت ماكغورك- المبعوث الأمريكي السابق لسوريا- في مقال نشر حديثاً في فورين أفيرز.أدعى ماكغورك أن لدى أردوغان طموحات لتوسيع حدود تركيا “التي يشعرُ أنها قد رُسِمتْ بشكل غير عادل في معاهدة لوزان لعام 1923”.كتب ماكغورك “جالستُ أردوغان في لقاءاتٍ وسمعته يصف ما يقرب من 400 ميل بين حلب والموصل على أنها”منطقة أمنية تركية”، ودعمتْ أفعاله أقواله”.

الواقع أن أردوغان بدا في 6 أغسطس مصرّاً على التحرك في الأراضي السورية ضد الكورد دونما اعتبار لأي رد فعل أمريكي سلبي قد يترتب على ذلك. بدا أن العد التنازلي قد بدأ.

في اليوم نفسه، قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر أن “التدخل العسكري التركي أحادي الجانب غير مقبول”.

في 7 أغسطس، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إن المفاوضات كانت “بناءة” وأن نظرائه الأمريكان قد اصبحوا أقربإلى “موقفنا”.تحدثأكار لوسائل الإعلام التركية: “لاحظنا بكل سعادة أن محاورينا قد اقتربوا من وجهات نظرنا”.

في اليوم نفسه أفاد بيان وزارة الدفاع التركية: “اتفق الوفدان الأمريكي والتركي على ما يلي: التنفيذ السريع للإجراءات الأولية من أجل معالجة المخاوف الأمنية لتركيا،إنشاء مركز عمليات مشترك في تركيا في أقرب وقت ممكن من أجل تنسيق وإدارة إنشاء منطقة آمنة معاً، وأن المنطقة الآمنة ستصبح ممراً للسلام، وأنه يجب بذل كل جهد ممكن حتى يتمكن السوريون النازحون من العودة إلى بلادهم”.

أشار مقال فيناشيونال إنترست على نحو صائب إلى أن “العودة إلى خطة تركيا المقترحة حول “ممر السلام”في شمال سوريا قد أظهر لتركيا أن هناك حداًلما يمكنها القيام بهبدون موافقة واشنطن”.وكما أكد المقالُ، يبدو أن التوازن يميل أكثر في الاتجاه الآخر أكثر مما توقعت تركيا.

بيان وزارة الدفاع التركية مليء بالغموض. لا توجد إشارة معينة واحدة إلى أية حجج قدمتها تركيا حتى اليوم.ما هي هذه “الإجراءات الأولية” التي سيتم تنفيذها “بسرعة” لـ “معالجة مخاوف تركيا الأمنية”. وما هي مخاوف تركيا الأمنية التي تحتاج إلى “إجراءات أو تدابير أولية”؟

إنها لمن المرجح التزاماتٌ يمكن أن تفي بها وحدات حماية الشعب بسهولة دون الحاجة إلى ممارسة الولايات المتحدة أي ضغط عليها من أجل الوفاء بها.

أفصحَ القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم كوباني عن مثل هذه التحركات المحتملة لمجموعة من الصحفيين الأتراك الزائرين قبل ثلاثة أسابيع، وقد أخبرهم إن بإمكان وحدات حماية الشعب إخلاء قواتها من منطقة بعمق 5 كيلومترات (3 أميال) من الحدود مع تركيا وسحب المدفعية إلى ما وراء منطقة بعمق 20 كم (12 ميل)، وأضاف أن بإمكان وحدات حماية الشعبأن تترك إدارة المدن والبلدات للمجالس المحلية.

هذه “التدابير الأولية” لمعالجة “مخاوف تركيا الأمنية” لا تكلف الولايات المتحدة شيئاً لأنها أصلاً التزامات تقع على عاتق شركائها الكورد السوريين.

إن “إنشاء مركز عمليات مشترك في تركيا” كما نُصّ عليه في البيان هيقضية شائكة أخرى.كانت تركيا تضغط من أجل القيام بدوريات مشتركة أو السيطرة الأحادية على شرق الفرات.تحدث البيان عن إنشاء “مركز عمليات مشترك”، ليس في الأراضي السورية بل في تركيا.

إن المنطقة الآمنة- مع عدم الإشارة إلى عمقها وامتدادها- والتي “سوف تصبح ممراً للسلام” هي تحليةٌ أعطتها واشنطن لأنقرة.إن تعبير “ممر السلام” هو من صياغة أنقرة، ويبدو أن واشنطن مشتركة فيها.
ممر السلام من أجل ماذا؟ يمكننا أن نفهم من بيان السفارة الأمريكية في أنقرة أنها ستكون مكاناً حيث “يجب أن يُبذلَ كل جهد ممكن حتى يتمكن السوريون النازحون من العودة إلى بلادهم”.

لكن عندما قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية مورغان أورتاغوس “الموقف الأمريكي هو أننا لا ندعم أي نوع من التوطين القسري للاجئين أو النازحين داخلياً”، فإن هذا في جوهره يبطل بيان السفارة حول النازحين السوريين في تركيا.

سوف يستلزم توطين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا في شرق الفرات تغييراً سكانياً جذرياً. سيكون هذا تصرف اًقسرياً يصل إلى حد “تجريد المنطقة من كرديتها” وبالتالي “تعريب” ـها. قد يرغب أردوغان في أن يحدث ذلك، لكن لا مصلحة للولايات المتحدة في ذلك.

عموماً، كان ما تم التوصل إليه بين أنقرة وواشنطن وقتاً مستقطعاً مؤجلاً الأزمة الوشيكة بين الحليفين اللذين تعرضت علاقتهما بالفعل للخدوش مع شراء تركيا لنظام صاروخي روسي من طراز S-400 وعقوبات أمريكية معلقة فوق رقبة أردوغان كسيفديموقليس.

كما نُقِلَ عن مسؤول أمريكي سابق قوله لصحيفة الغارديان “إنه في الأساسِ اتفاقٌ على مواصلة الحديث.هذا جيد للغاية. لكن مع عدم وجود التزام لدى ترامب حول سوريا، وقواتنا الآن قد خفضت إلى أدنى درجة، هناك القليل الذي يمكننا فعله بالفعل لدعم منطقة آمنة. لذلك هناك الكثير من التفكير المتمني”.

لكن إذا تذكرنا أن أردوغان كان قد ألزم نفسه بشكل واضح بتوغل عسكري وشيك في سوريا وأن الأتراك بأكملهم كانوا مستعدين لرؤية ذلك يحدث،فإن التفسير الأكثر وضوحاً قد يكون أن أمريكا قالت “لا” ورضخ أردوغان، أقله في الوقت الحالي.

*جنكيز تشاندار: من كبار الصحفيين الأتراكإذ يعمل في الصحافة منذ 1976، عمل في التسعينيات مستشاراً إعلامياً للرئيس التركي تورغوت أوزال وكان عراب علاقات كورد العراق مع تركيا، وهو مؤلف لسبعة كتب حول قضايا الشرق الأوسط، وقد حقق كتابه “قطار ميزوبوتاميا السريع” مبيعات قياسية في تركيا. يكتب زاوية صحفية في موقع المونيتور، وهو أيضاً باحث زائر في معهد جامعة ستوكهولم للدراسات التركية SUITS وزميل مشارك في المعهد السويدي للشؤون الدوليةUI.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مستقبل سوريا شبابها مثلما هي مستقبلهم

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث جاءت الوقفة الشبابية السورية في ظروف بالغة التعقيد تعيشها منطقة ...