الرئيسية | دراسات | دحام عبدالفتاح: حول اللغة الكردية (الكرمانجيةالشمالية) لغة الكرد السوريين

دحام عبدالفتاح: حول اللغة الكردية (الكرمانجيةالشمالية) لغة الكرد السوريين

 دحام عبدالفتاح_كاتب وباحث كُردي

 

الكاتب دحام عبد الفتاح

 

بداية أود التأكيد أن ليس للكرد السوريين لغة خاصة بهم دون غيرهم من الكرد المنتشرين  وفق التوزيعات اللهجوية المتداخلة في مختلف أقاليمهم الكردستانية . بهذا المفهوم غير ممكن لأي باحث لغوي ,مهما بلغ درجات المعرفة التخصصية أن ينجز بحثا دقيقا في لغة (الكرد السوريين) دون أن يتجاوز الحدود السياسية ,متابعا امتدادات موضوعه اللغوي و البحث في العوامل المؤثرة فيه سلبا و ايجابا . فاللغة بحد ذاتها ثقافة  و في الوقت ذاته هي حاملة الثقافات . و الثقافة كالهواء تماما ,لا حواجز تحجبها و لا حدود تمنعها ,و على الأخص في زمن الاتصالات المذهل هذا !

من هنا كان البحث في لغة الكرد السوريين بحاجة الى  استعراض البدايات و التطورات اللغوية الكردية عبر امتداداتها الشمالية حتى جمهوريات القفقاس ذات التواجد الكردي لأتمكن من الاحاطة بالعوامل المنشطة لليقظة اللغوية الثقافية للكرد السوريين .

و اللغة الكردية بانتمائها التاريخي من اللغات الهند-أوربية ,مجموعة اللغات الايرانية . غير أنها لم تلق الفرصة المناسبة لتتخلص من شفاهيتها التعبيرية و تباعد لهجاتها كبقية اللغات الحية التي كانت في يوم من الأيام تعيش مرحلتها هذه ! ان لغة الكرد السوريين هي اللهجة الكرمانجية الشمالية , و هي ليست وقفا على الكرد السوريين دون غيرهم من الأكراد ,الا أنها أوسع اللهجات انتشارا و أكثرها عدد ناطقين . تتميز اللغة الكردية بكونها لغة تركيبية مزجية بخلاف اللغات الاشتقاقية كالعربية و اللصقية كالتركية و اليابانية . فهي تزود معجمها اللغوي بما يحتاجه من مفردات مستحدثة عن طريق التركيب المزجي بين مفردتين بسيطتين أو أكثر لتنتج مفردة مركبة جديدة بمعنى جديد . و لغة الكرد السوريين (اللهجة الكرمانجية الشمالية) تتميز عن شقيقاتها من اللهجات الكردية الأخرى بكونها خاضعة لظاهرة الامالة في الأسماء و توابعها . وفق ضوابط معينة و في أماكن محددة من الجملة ,اضافة الى وجود التمايز الجنسي بين المذكر و المؤنث بعلاماتهما الفارقة و في حالتي الجنس الحقيقي و المجازي …..

 

 

لمحة تاريخية

تنتمي اللغة الكردية الى مجموعة اللغات الهند-أوربية فرع العائلة الايرانية التي تتكون من اللغة الفارسية و الكردية و البلوجية و الباشتوية والأوستية و غيرها من لغات هذه العائلة . و اللغات الهند-أوربية تشتمل على مجموعات لغوية متعددة ,كمجموعة اللغات الايرانية و اللاتينية و السلافية و الجرمانية و اليونانية . و ذهب بعض الباحثين في تاريخ اللغات القديمة الى ان مفهوم اللغات الهند-أوربية أوسع مما ذكر . انها تشمل اللغات الهندية السنسكريتية و الايرانية و الأوربية و حتى الأمريكيتين .[1]

لقد أشاع بعض الدارسين للغات الايرانية ان اللغة الكردية لهجة شفهية من اللهجات اللغة الفارسية .غير ان الباحثين المستشرقين “ي . ريوديگير ” و “ا . بوت”قاما بدراسة اللغتين و قارنا قواعدهما و مفرداتهما ببعض فتوصلا الى أن اللغة الكردية من اللغات الايرانية المستقلة [2] و علاقتها بالفارسية علاقة الأصل الواحد في اطار عائلة اللغات الايرانية .

 

 

كانت الديانة الزرادشتية قبل الميلاد منتشرة في الأقاليم الايرانية القديمة و كان لكتابها المقدس “الأفستا”و اللغة المكتوبة بها تأثير بالغ في ثقافة الشعوب الايرانية .

يقول مسعود محمد مؤسس المجمع العلمي الكردي في بغداد عام 1970 :كانللأفستا تأثير كبير على الشعوب الايرانية من الناحية الدينية و الثقافية و اللغوية  . و قد استمر هذا التأثير حتى ظهور الاسلام [3]

و اللغة الكردية هي احدى تلك اللغات التي تأثرت باللغة الأفستائية .

يذكر مسعود محمد أمثلة على ذلك التأثير فيقول :[4]

( e+mir = emir)ان الاداة “е” (التي تماثل صوت حركة الفتحة في العربية) في الأفستائية تفيد النفي :

المعنى  في اللغتين هو (الحي ,الخالد ,الذي لا يموت )و (ne + mir =nemir)   و في الكردية تقابلها الأداة

و يورد مسعود محمد أمثلة على اللواحق الأسمية التي تلحق الأسم و تحوله الى (اسم مصدر) في اللغتين . ثم ينتقل الى تشابه مفردات اللغتين كما في الجدول التالي :

 

الأفستائيةالكردية المعنى في العربية

الصهر                             zava                        zamatî

المحيط                   zerya                          zereya

الغزال                     asik                                   asu

السمك                       masî                           mese

القريب – الأهل          xizim                          vizim

الماضي – الذاهب        têper                     per-to

الشتاء                     zivistan – zimistan    zime

المعرفة                           zanîn                    zanitî

الغنم                          pez                         pezu

 

و يمضي الأستاذ مسعود محمد في سرده عن تأثير اللغات القديمة في اللغة الكردية . مستوحيا آراءه من كتاب “تاريخ اللغة الفارسية”  للعالم اللغوي پرويز ناتل خانلري . فيذكر أن اللغة الپهلویة نشأت على أنقاض الأفستائية التي أثرت فيها كثيرا كما أثرت في اللغات الايرانية الأخرى و منها الكردية .

و في السياق ذاته ينشر حسن قزلجي بحثا لغويا مطولا حول بعض مفردات اللغتين الأفستائية و الپهلویة , و التبدلات الصوتية التي لحقتها في مراحل تطورها  و بيان اثرها في اللغتين الفارسية و الكردية [5]. و في ما يلي جدول مقارن ببعض مفردات اللغات الثلاث :

الأفستائية  الپهلویة الكردية المعنى في العربية

الذئب                      gurg,gur   gurg  vihurg

طويل                                          dirêj                         diraj                                 dirac

حار , ساخن                                 gerim                        gerim                              kirim

اللسان , اللغة                                   ziman                         zevan                       deman

الشتاء                                             zivistan                     dimistan                       zime

الشهر                                  mang, meh            mas                   maweng

الثلج                                          wefir,befir                wefir ,wefil                  wefir

يابس                                         hişik                             ………                             xizik

الطائر , الدجاج              mirix ,mirîşk                   miru                               mirxe

 

ان تسمية “اللغة الكردية “تسمية عامة تشمل جميع اللهجات المتفرعة منها . و بهذه الرؤية هي لغة جميع الأكراد الناطقين بجميع لهجاتها في مختلف أقاليمهم الكردستانية و خارجها  .

تتوزع اللهجات الكردية المتعددة في مناطق جغرافية مختلفة , متجاورة في بعضها و متباعدة في بعضها الآخر , و قد يتداخل بعضها ببعض . لم يتفق الباحثون في شؤون اللهجات الكردية على تسمية اللهجات الرئيسة  و تحديد المجموعات اللهجوية التابعة لكل منها . لقد تعدد المهتمون بتقسيم اللهجات الكردية و توزعاتها الجغرافية و تعددت في ذلك آراؤهم . في كتابه الموسوم ب “التوزيع الجغرافي للهجات الكردية”يذكر فؤاد حمه خورشيد عددا من آراء بعض الباحثين من مستشرقين وكرد بهذا الخصوص سنورد في ما يلي بعضا من تلك الآراء باختصار شديد :

-يقول شرفخان البدليسي في كتابه “الشرفنامه”اللهجات الكردية الرئيسة هي : الكرمانجية , اللورية , الكلهورية و الكورانية

-الباحث الروسي” باسيل نيكيتين “يقسم اللهجات الكردية الى ما يلي : اللورية , الكلهورية , السورانية و الكورانية [6]

-و مؤلف الكتاب المذكور فؤاد حمه خورشيد نفسه يشير الى ان اللهجات الرئيسة هي :الكرمانجية الشمالية  , الكرمانجية الوسطى  , الكرمانجية الجنوبية و الكورانية.[7]

لكن غالبية الدارسين للهجات الكردية يحددون الرئيسة منها كالآتي : الكرمانجية الشمالية ,  الكرمانجية الجنوبية (السورانية) ,الكورانية و اللورية . واضح مما مر أن الخلاف بين الباحثين شكلي  ,اصطلاحي يدور حول أولويات التسمية بالرئيسة أو الملحقة بها فقط  ,فمثلا غالبية الآراء تعتبر الكورانية لهجة رئيسة و تلحق بها كل من الهورامانية و الباجلانية و الزازائية . لكن هناك من يعد الزازائية و الهوراميةكالكورانية . لهجتين رئيستين أيضا .

كما أسلفنا سابقا أنه ليس للكرد السوريين لغة أو لهجة خاصة بهم دون غيرهم من أكراد بقية أجزاء كردستان . و لهجتهم الكرمانجية الشمالية ليست وقفا عليهم وحدهم . انها أوسع اللهجات الكردية انتشارا و أكثرها عدد ناطقين . فهي تستخدم لدى جميع الأكراد السوريين ,و لدى معظم أكراد شمالي كردستان (تركيا) باستثناء الزازا,و لدى اكراد جنوب كردستان (العراق) ,في محافظة دهوك و بعض النواحي من محافظتي الموصل و أربيل . كما تستخدم بين أكراد شرقي كردستان ,في جنوب – غرب بحيرة أورمية و بين أكراد خراسان المهجرين اليها في عهد الشاه عباس الصفوي (1571-1620) . و تبلغ نسبة المتحدثين بالكرمانجية الشمالية 3/2 من مجموع الأكراد تقريبا .

و االجديربالاشارة الى أننا سنستخدم في بحثنا هذا تسمية اللغة الكردية قاصدين بها اللهجة الكرمانجية الشمالية ,دون ذكر اللهجة . الا في ما التبس فوجب بيانه .

تعتبر اللغة الكردية في بنيتها المورفولجية لغة تركيبية مزجية,تختلف عن غيرها من اللغات الأشتقاقية كالعربية و اللصقية كاليابانية و التركية بكونها تزود معجمها اللغوي بما يحتاجه من كلمات مستحدثة عن طريق التركيب المزجي بين مفرداتها البسيطة المختلفة ,يستخدم هذا التركيب اللغوي في صياغة الأفعال و الأسماء و الصفات .

آ –الأفعال  :

  • نجد في اللغة الكردية كثيرا من صيغ الأفعال المركبة ,من أداة سابقة + فعل بسيط = فعلا مركبا بمعنى جديد .

da +ket = daket هبط

ketin,الوقوع ket وقع

2- فعل بسيط + لاحقة = فعلا مركبا بمعنى جديد .

şewitîn ,الحرق şewitî  احترق ,şewit + and = şewitand  أحرق

3- سابقة + فعل بسيط + لاحقة = فعلا مركبا بمعنى جديد .

dan,العطاء da ,أعطى av + da = avdaسقى

ب-الأسماء :

تتكون الأسماء المركبة في اللغة الكردية كلآتي:

1- من اسمين بسيطين :

sî + ظل dar شجر =  sîdar ظل الشجرة ,ظلال

gir + تل av= ماء girav جزيرة

2- من اسم  بسيط و جذر فعل بسيط :

mêr + رجل kuj= قتل mêrkuj قاتل

masî  + السمك gir = المسك masîgir صياد السمك

3- من الاسم الموصول و صفته بتقديم الصفة على الموصوف :

sorأحمر  +  gul= وردة sorgulالوردة الحمراء

germ + ساخن avماء =germavماء ساخن ,حمام

ج-الصفات :

تتكون الصفات المركبة من مزج الصفات المفردة البسيطة :

Kesk  + أخضر sor= أحمر keskesorقوس قزح

şîn + أزرق sipî= أبيض şînbozأشهب

. (tewang)و تتميز اللهجة الكرمانجية الشمالية (لغة الكرد السوريين) عن بقية اللهجات الكردية بأنها لغة الامالة

ففيها الأسماء و توابعها تخضع لقواعد الامالة الدقيقة قي صيغها المحددة في حالات الجر بحروف الجر و الاضافة و حالة المضاف المنقطع عن الاضافة و الاسم في حالتي الفاعلية و المفعولية في جملة الفعل المتعدي في زمن الماضي تحت شرط الامالة .

كما تتميز الكرمانجية الشمالية بوجود ظاهرة التذكير و التأنيث اللغوي ,الحقيقي  و المجازي و ما تستوجب من علامات تفريقية مميزة دقيقة .

معلوم ان اللغة نتاج اجتماعي طبيعي . كل مجتمع بشري ينتج لغته الخاصة به وفق حاجاته التعبيرية .

بهذا يكون تطور اللغة ملازما لتطور المجتمع في اسلوب حياته المعيشية اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا و من هنا فان المعجم  اللغوي لمجتمع رعوي زراعي يختلف من حيث غنى المواد و دلالاتها عن معجم مجتمع  صناعي متطور .

بهذا المفهوم تكون اللغة الكردية قد عاشت ظروفا صعبة ,لم تتوفر لها المناخات اللازمة لتصقيلها و تطويرها فظلت على ما نراها عليه اليوم أو قبل قرن من اليوم ,كما سيأتي الحديث لاحقا في هذا السياق  . لقد ظلت على خاميتها التعبيرية ,دون أن يتهيأ لها من ينفض عنها غبار العصور الطويلة ,يبحث في بناها الأساسية ,يتلمس فيها قواعدها الضرورية و يشذبها من كل مزيد عالق بها من تأثيرات اللغات المجاورة و يستدرك ما ضاع منها بفعل المشافهة الشعبية و النسيان .

و لولا تلك الكتاتيب (الحجرات) التي كانت تبنى بجانب المساجد في غالبية القرى الكردية و تجمعاتهم السكنية,حيث يدرس فيها الملالي طلبتهم العلوم الدينية و النحو و الصرف العربيين و الكتابة بالخط العربي ,لما وصلنا ما وصلنا من الشعر الكردي القديم لشعراء كلاسيكيين كالجزيري و خاني و فقي طيران و الحريري و غيرهم .كان التدريس في تلك (الحجرات)يتم على الشكل التالي : كان الملا (المدرس) يقرأ النصوص باللغة العربية و الطلبة يتتبعونه بصمت ,ثم يشرح المقروء باللغة الكردية ,و بهذا الأسلوب كانت اللغة الكردية تنتعش مشافهة ,دون أن يقصد ذلك بحد ذاته . و كان المعلمون و المتعلمون في تلك (الحجرات) غالبا ما يكتبون خواطرهم و أشعارهم باللغة الكردية و الأبجدية العربية . و هذا ما يفسر لنا كتابة الشعر الكردي الكلاسيكي بالخط العربي على الأوزان العروضية الخليلية .

 

اللغة الكردية في دائرة الدراسات البحثية :

ذكرنا في ما سبق ,ان الكرمانجية الشمالية ليست وقفا على الكرد السوريين وحدهم . فهي تستخدم في مناطق مختلفة من كردستان وخارجها من الاستيطان الكردي . و هذا يعني أن أي نشاط لغوي حول هذه اللهجة ,في أي مكان كان هو بالضرورة يخص لغة الكرد السوريين ,التي نحن بصددها ,و يحق لنا توظيفه في بحثنا هذا اذا اقتضى الأمر .

بقيت اللغة الكردية على التوصيف الذي ذكرناه حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر تقريبا ,حيث أرسلت الكنيسة الايطالية      الى جنوب كردستان ,فاستقر في منطقة العمادية – محافظة دهوك“Maurizio Garzoni”قسيسا باسم ماوريزيو كارزوني

بقي كارزوني في المنطقة نحو ثمانية عشر عاما ,تعلم الكردية  و تعمق فيها . فكتب فيها كتابا جعله في قسمين :

– القسم الأول : تتناول فيه قواعد اللغة الكردية ,حيث بدأ الحديث في المقدمة عن الألفباء العربية المستخدمة في الفارسية فيجدها مناسبة لكتابة الأصوات الكردية و يأتي بأمثلة تطبيقية على ذلك . ثم يتناول موضوع الاسم ,و يكتب جدولا بالضمائر الشخصية و يذكر الأعداد و اسماء فصول السنة و أيام الأسبوع و أسماء أعضاء جسم الانسان . و في النهاية يورد كارزوني جملا تطبيقة,تستعمل في الحياة اليومية .

– القسم الثاني من الكتاب قاموس باللغتين الايطالية و الكردية في (220) صفحة ,بلغت عدد كلماته (5000) خمسة آلاف كلمة . طبع  أي (الحياة) [8]“jîn” الكتاب في روما عام (1787) بعنوان

يعتبر كتاب كارزوني هذا أول كتاب بحثي يتناول اللغة الكردية و قواعدها بهذا الشكل العلمي المختصر الذي فتح نافذة في أسوار اللغة المعزولة ,المنسية .

لقد أثر الكتاب في العديد من العلماء الباحثين الغربيين و الشرقيين ,فوجه أنظارهم الى أهمية الدراسات في اللغة الكردية و لهجاتها .

يشير الأكاديمي الروسي “بيوتر ليرخ” الى أهمية كتاب السيد كارزوني بقوله :”لقد أصبح الكتاب حافزا مشجعا لعلماء الغرب كي يهتموا بدراسات اللغة الكردية,فقد نشر بعض العلماء المهتمين بالدراسات الايرانية مقالات عديدة عن كتاب السيد كارزوني . و بذلك يكون قد وضع اساس دراسات اللغة االكردية في أوربا ” .

ان بيوتر ليرخ نفسه كان متأثرا بكتاب كارزوني حيث قام بمغامرته اللافتة للانتباه تلك:

أراد ليرخ أن يقوم بزيارة بحثية الى سجن “روسلافل”الذي كان من سجنائه عدد من الكرد اليزيديين و الزازا فمهدت ادارة أكاديمية العلوم الروسية للزيارة بالاتفاق مع ادارة السجن لتسهيل المهمة . أقام ليرخ في السجن مع السجناء الكرد ثلاثة أشهر ,تعرف خلالها على عاداتهم و تقاليدهم ,و تعلم الأكثر عن لغتهم بلهجتيها ,الكرمانجية الشمالية و الزازائية .

بعد عودته كتب ليرخ كتابين عن اللغة الكردية ,و كان قد كتب قبلهما كتابا آخر في الموضوع ذاته .

درس ليرخ الأصوات في اللغة الكردية و حدد مخارجها بدقة ,فتوصل الى أن الأبجدية العريبة– الفارسية غير قادرة على أداء جميع الأصوات الكردية . و بهذا الرآي هو يخالف كارزوني الذي كان قد أكد على أن الأبجدية الفارسية متوافقة تماما مع الأصوات الكردية ,و الأمر الأهم من ذلك هو تأكيده على أن اللغة الكردية مستقلة عن مجموعة اللغات الايرانية ,و أنها ليست فرعا أو لهجة من اللغة الفارسية . وهذه مخالفة أخرى أهم من الأولى لما ذهب اليه كارزوني من أن الكردية لهجة فارسية .

في كتابه الأخر أعد بيوتر ليرخ قاموسين ,أحدهما كردي – روسي ( باللهجة الكردية الشمالية ) و الأخر كردي – روسي (باللهجة الزازائية) [9]

يعد بيوتر ليرخ أحد مؤسسي الكردولوجيا في روسيا . و قد حاول في العهد القيصري أن يضع أبجدية لاتينية للغة الكردية ,لكنه لم يلق التشجيع من المسؤلين حينها ,فعدل عن رأيه ذاك .

 

اللغة الكردية و الأبجدية اللاتينية

لم تخمد آراءبيوتر ليرخ حول اللغة الكردية و الأبجدية اللاتينية . و ظلت تدغدغ خواطر من اطلعو عليها من الباحثين الكرد ,منتظرة فرصتها المناسبة . في الأتحاد السوفياتي السابق كان الكرد يستخدمون الأبجدية الروسية في كتابة لغتهم ثم تحولو عنها الى الأبجدية الأرمنية . في عام (1925) كلفت الحكومة الأرمنية في جمهورية أرمينيا السوفياتية السيد عرب شموالكردي بوضع ألفباء لاتينية للغة الكردية . درس عرب شمو صوتيات اللغة الكردية و  مخارجها بدقة ثم انكب على الأبجدية اللاتينية يدرسها بعمق و يختار فيها ما يناسب اللغة الكردية بعناية . انتهى عرب شمو من اعداد أبجديته اللاتينية ,و نالت موافقة الأكاديمي الشهير “أوربيلي”[10] المكلف بمراجعتها . و منذ عام (1927) أصبحت أبجدية عرب شمو تستخدم في اللغة الكردية رسميا في جميع الجمهوريات السوفياتية التي تتواجد فيهل تجمعات كردية ,تطبع بها الكتب المدرسية و تصدر بها كافة المطبوعات الكردية  .

أما الكرد السوريون فقد كانو الى حينه يستخدمون الأبجدية العربية في كتاباتهم المتداولة آنذاك. و لم تنتشر بينهم أبجدية عرب شمو رغم وصول بعض الأعداد من جريدة “ريا تازة “(الطريق الجديد)المكتوبة بها ,و التي كانت تصدر في عاصمة أرمينيا (يريفان) و كان السيد عرب شمو نفسه مؤسسها و رئيس تحريرها .

قبل انعقاد مؤتمر سيفر عام (1920) أراد المعنيون أن ينظروا في اختلاف و جهات النظر بين الكرد و الأرمن في أحقية امتلاك بعض ممتلكات الدولة العثمانية في جنوب شرق الأناضول. فعينوا في لجنة تقصي الحقائق الميجر نوئيلالأنكليزي و طلبو من جمعية تعالي كردستان في استانبول أن تكمل أعضاء اللجنة وفق ما تراه مناسبا . تشكلت اللجنة من الميجر نوئيل,جلادت بدرخان ,كاميران بدرخان ,أكرم جميل باشا ,بيره مرد ,عبدالرحيم رحمه و فايق توفيق . و ربما آخرون لا أتذكرهم .

و في عام (1919) توجهت اللجنة الى المناطق المحددة . كان الأعضاء يسألون المواطنين الكرد ,و كان كل من جلادت بدرخان و الميجر نوئيل (كان يجيد الكردية) يكتب الاجابات . كان جلادت يكتب بالأبجدية العربية – العثمانية و الميجر نوئيل يكتبها بالأبجدية اللاتينية . و عندما كانا يقارنا ما كتباه كان جلادت يقرأ بعض الكلمات الكردية بلفظ غير سليم ,بينما كان نوئيل يلفظ الكلمات ذاتها كما يجب أن تلفظ . سأل جلادتموجها كلامه لنوئيل: أنا كردي و أخطئ في نطق بعض الكلمات الكردية و أنت الأجنبي لا تخطئ ,فكيف ذلك ؟! آجابنوئيل: ان الألفباء العربية عاجزة عن آداء بعض الاصوات الكردية ,ذات الأصل الهند-أوربي ,أما الحروف اللاتينية فهي تتوافق تماما مع كل أصوات اللغة الكردية و تؤديها كما هي [11]

ظلت فكرة وضع أبجدية لاتينية ملازمة لذهن جلادت الى أن وجد الفرصة المناسبة فأنجزها كما أراد . ظهرت أبجدية جلادت بدرخان الى الواقع العملي مع صدور  مجلة هاوار في ربيع (1932) في دمشق . فرح بها المهتمون من الكرد السوريين و سرعان ما تعلموها و نشروها بينهم . فكانت بداية الكتابة بالألفباء اللاتينية .

يذكر علي سيدو كوراني في مقدمة معجمه القاموس الكردي الحديث أنه كتب رسالة الى جلادت بدرخان في دمشق يقول فيها : لقد اهملت في ابجديتك حرف القاف و استبدلت به حرف الكاف بحجة أن أصل القاف كاف ,و لا وجود لحرف القاف في اللغة الكردية . فماذا تفعل بمئات الكلمات المبدوءة بحرف القاف في الكردية ؟!

الى أبجديته [12]    (q)أقتنع جلادت برأي علي سيدو كوراني و أضاف حرف القاف

)ç, k, p, tاقترح الكوراني على جلادت اقتراحا آخر ,قال في اللغة الكردية أربعة حروف ذات أصوات ثنائية هي (

كل حرف من هذه الحروف يصدر صوتين متقاربين ,أحدهما صلب و هو الأساس ,و الآخر تابع و لين ,مثل :

p   :   pel,ورقة pûş (صلب) قش

p :poz,أنف pîr(لين) عجوز

t    :    ta ,حمى tirî (صلب) عنب

t    :   ta        ,خيط tu (لين) أنت

k   :   ka  ,أين ker (صلب) حمار

k   :   ka  ,تبن ker (لين) أطرش

ç : çira,لماذا çar (صلب) أربعة

ç : çira  ,سراج çem (لين) نهر

و تجنبا للالتباس كان يجب وضع اشارات مميزة فوق الحروف ذات الأصوات اللينة .

لم يأخذ جلادت بهذا الاقتراح و اكتفى بقوله :ان كثرة الاشارات في الألفباء تشوهها ( ربما كان يقصد ابجدية عرب شمو التي كانت تكثر فيها الاشارات ) . تكونت ألفباء جلادت من (31) حرفا منها (23) حرفا صامتا ,و (8) حروف صائتة . و من الصائتة خمسة    و هي على التوالي تقابل الحركات الثلاث (e , u , i)) و الثلاثة الباقية هي a,ê , û , o , îذات مد طويل ,هي (

( الكسرة ,الضمة ,الفتحة ) في العربية . انتشرت ابجدية جلادت بين الكرد السوريين ,و تجاوزت الحدود السياسية شمالا فأستخدمت في شمال كردستان ,و فيما بعد بين أكراد جمهوريات القفقاس ايضا .

 

قواعد اللغة الكردية

اذا تجاوزنا جهود المستشرقين من غربيين و شرقيين من أمثال ( ر. كارزوني ,ب.ليرخ,أ .بوت) و غيرهم ,فاننا لن نعثر حتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين على نشاط لغوي يستحق الوقوف عنده باستثناء محاولات بعض الملالي و الشيوخ الذين أرادو – تحت تأثير دراستهم و تدريسهم للنحو العربي و صرفه – أن يكتبو ما حلا لهم في قواعد اللغة الكردية . و خير نموذج عن ذلك النشاط ما كتبه مفتي الدولة العثمانية في ارضروم,السيد يوسف ضياء الدين المقدسي في مقدمة معجمه الموسوم ب “الهدية الحميدية”[13]

حيث تناول بعض مبادئ قواعد اللغة الكردية في ظل مباحث النحو العربي و تأثيراته , بما في ذلك الأسماء والمصطلحات المستخدمة . قد تكون تلك الكتابات في جوهرها هامشية ,لا أهمية لها لكنها بالتأكيد كانت تعبيرا عن رغبة داخلية في تقعيد [14]

اللغة الكردية للملمة شتاتها و تنظيم شذراتها المتناثرة . فهي بهذه الرؤية مقدمات لنهضة ثقافية عامة و من ضمنها النهضة اللغوية المأمولة .

ما كاد الربع الأول من القرن العشرين يمضي حتى كانت ظاهرة تلك النهضة الموعودة تلوح في آفاق الثقافة الكردية الحديثة . و أوالى تلك الظواهر و أكثرها فعالية في الواقع الكردي عامة و الكردي السوري خاصة هي ظاهرة بروز العائلة البدرخانية و انخراطها في ميادين العمل الثقافي الكردي ,فكانوا السباقين في كل الميادين ,كما سنرى لاحقا .

و السؤال الذي يختلج في النفس هو : ما السر في هذه العائلة التي تفرغت للعمل الثقافي و اندفعت فيه بكل ما تملك .

بعد فشل انتفاضة بدرخان باشا في بوتان (جزيرة ابن عمر)عام (1847) أقتيد أسيرا الى استانبول فاستحضره السلطان عبدالمجيد الأول الذي حكم بين (1839-1861) لمقابلته فلما مثل بين يديه سأله السلطان : وليناك على كل المنطقة و أطلقنا يدك فيها تأمر و تنهى بما تشاء ,فما الذي دفعك الى ما قمت به ؟! ثم التفت الى من كان معه و أمر بنفي بدرخان الى جزيرة كريت و تخصيص راتب شهري له و لرعيته [15] .

كان بدرخان باشا قد توصل الى يقين تام من أن الجهل هو عدوه الأول ,و أنه هو الذي هزمه عندما جعل ابن أخيه و مساعده يتخلى عنه و ينحاز الى العثمانيين و يقاتل الى جانبهم .

قبل أن يرحل بدرخان الى منفاه جمع أبناءه و أحفاده جميعا و أوصاهم بأن يضعو بنادقهم جانبا يأكلها الصدأ و ليمتشقو أقلامهم و يطلبوا العلم أنى كان .

فان عدوهم الاول هو الجهل . و الجهل وحده أوصلهم الى ما هم عليه اليوم .

بعد هذه الحادثة التاريخية انتشر البدرخانيون في عواصم العالم ,مثل (استانبول ,برلين ,باريس ,القاهرة,بيروت ,عمان و دمشق ) تسلحو بالعلم ثم نزلوا الى ميادين العمل الثقافي فكانوا السابقين الأسبقين :

– مقداد بدرخان أصدر أول مجلة كردية باسم (كردستان )في القاهرة عام (1898)

– جلادت بدرخان وضع الأبجدية اللاتينية الكردية في عام (1932) و مازال العمل بها قائما حتى اليوم . و أول كتاب في قواعد اللغة الكردية بأسلوب علمي حديث و نشره على حلقات في مجلة هاوار الدمشقية .

– كاميران بدرخان نشر أول تفسير للقرآن الكريم بالكردية . و أول ترجمة لرباعيات الخيام باللغة ذاتها ,و نشر الترجمة على حلقات في مجلة “هاوار” .

اضافة الى أسماء بدرخانية أخرى لمعت في ميادين ثقافية مختلفة ,أمثال عبدالرحمن ,عبدالرزاق ,ثريا و صالح بدرخان و ابنته روشن .   في اعتقادي أن هؤلاء البدرخانيينكانو على رأس النهضة الثقافية الكردية .

تركزت أنشطة البدرخانيين الثقافية بين الكرد السوريين ,مستفيدين من المناخ الديمقراطي النسبي . الذي وفره لهم الانتداب الفرنسي “و سكن جلادت في دمشق و مارس فيها Jîna Nû”و “Stêrآنذاك . فاستقر كاميران بدرخان في بيروت و أصدر منها مجلتيه ”

. تعرف عليهم الباحثون الفرنسيون أمثال : بيير روندو”Ronahî و ” “Hawar نشاطاته الثقافية المختلفة ,فاصدر مجلتيه ”

(الذي كتب عن العشائر الكردية في عفرين) و الأب توماس بوا (الذي نشر مجموعة من الكتب و المقالات عن الكرد و ثقافتهم ) و روجييه ليسكو (الذي كتب “اليزيديون في سنجار و جبل سمعان”و اشترك مع جلادت في كتابه “قواعد اللغة الكردية”). استفاد هؤلاء الباحثون من الاخوين جلادت و كاميران كثيرا و أفادوهما أيضا .

بعد هذا الاستعراض الذي وجدته ضروريا للتذكير بالمؤثرات الفاعلة في حركة الثقافة الكردية عامة ,و لربط النتائج بالأسباب في اطار التطور الثقافي لدى الكرد السوريين خاصة . بعد هذا يجدر بنا أن نعود الى موضوعنا الذي كنا فيه “قواعد اللغة الكردية”

[16]“Bingehên Gramêra Kurdmancîلنقول : ان أول بحث علمي جاد في هذا المجال ,على ما أعلم ,هو كتاب جلادت المعنون

) و الصائتة dengdar(اسس قواعد الكرمانجية ) . يتناول جلادت في كتابه هذا حروف أبجديته اللاتينية بنوعيها الصامتة (

. ثم ينتقل الى الاسم و أقسامه ,المفرد و الجمع ,التذكير و التأنيث ,المعرفة و النكرة ,ثم يتحدث عن الامالة في  (dengdêr)

,و عن الضمائر و أنواعها . و يتابع القول عن الصفات و عن الجملة و عناصرها الأساسية و متمماتها (tewang) الأسماء

الثانوية ,وعن بعض الجزئيات الأخرى . يلاحظ أن جلادت في كتابه هذا لا يذكر مادة (الفعل) ,رغم انه موضوع أساسي في كل لغات العالم الأمر الذي يقودنا الى الظن بأن جلادت قد توفي قبل أن ينتهي من كتابه هذا .

اشترك كل من جلادت بدرخان و روجييه ليسكو في وضع كتاب في قواعد اللغة الكردية ,يستدركان النقص و الهفوات في ما كتب عن اللغة الكردية . كتبت مواد الكتاب و شروحاته باللغة الفرنسية و أمثلته التطبيقية باللغة الكردية . لكن – مع الأسف – توفي Gramêra Kurdmancîجلادت قبل ان ينتهي الكتاب فاكمله ليسكو من بعده . طبع الكتاب في باريس عام (1971) تحت عنوان “”(القواعد الكردية) .

ترجمت نصوص الكتاب الفرنسية الى العربية و طبع في بيروت – مطبعة أميرال في عام (1991).

و في الوقت الذي كان جلادت بدرخان ينشر فيه كتابه على حلقات في مجلة هاوار كان رشيد كرد يعد كتابه في قواعد اللغة الكردية و في عام (1940) كان الكتاب اعد  للطبع (بناء على قوله) .

و مواضيع الكتاب هي : (الألفباء و الأصوات الكردية ,الاسم ,الامالة ,أدوات التعريف ,الصفة ,حروف الجر والعطف و النداء) .

طبع الكتاب رسميا في طبعته الأولى في دمشق – مطبعة كرم عام (1956) . و الطبعة الثانية في بيروت عام (1990) . من قبل (رابطة كاوا للثقافة الكردية ) . و في عام (2006) قامت دار الزمان للنشر و التوزيع بطبعه في دمشق طبعة ثالثة . و الجدير بالذكر أن جلادت بدرخان و رشيد كرد كان يعملان على كتابيهما في وقت واحد تقريبا دون أن يعلم أحدهما شيئا عما يفعله الآخر .

و الكتاب الثالث في قواعد اللغة الكردية الذي انتجته مرحلة جيل الرواد السابقين هو كتاب كاميران بدرخان ,الذي نشرت بعض “gramêra Kurdî مواده في مجلة هاوار الدمشقية . أنجز كاميران كتابه و طبعه فيما بعد في باريس عام (1971) بعنوان ”

(القواعد الكردية) .

و بحكم اسبقيتها تعد الكتب الثلاثة اللبنات الأولى في بنية قواعد اللغة الكردية ,و هي تتقارب في بعض مواضيعها و تتباعد في  بعضها الاخر . لكن الاختلاف اللافت بينها يتمثل في تسمية المواضيع و المصطلحات الدالة عليها .

ان مسألة المصطلح المختلف هي أهم المشاكل التي تواجه المتعاملين مع اللغة الكردية في عملية التعليم و التعلم . انها تخلق في ذهن المتلقي التباسا في الفهم بكثرة التسميات لمسمى واحد . فكل كاتب من الثلاثة المذكورين استخدم في قواعده مصطلحات خاصة بهتختلف عما أستخدمها غيره .

ومثل هذه المواضيع الشائكة في اللغة تحتاج الى مؤسسات مدعومة بما يلزم من أدوات معرفية و أخرى ادارية تنفيذية .

في دياربكر التي تعتبر اليوم مركز النشاط اللغوي للكرمانجية الشمالية قامت جهات شبه مؤسساتية بمبادرة جادة لحل مشكلة المصطلحات المختلفة لتوحيدها و تكريدها,ليس في اللغة وحدها  انما في بعض المواضيع و الميادين الأخرى قدر الامكان و على مراحل متعاقبة ,فقد وجهت تلك الجهات دعوات بهذا الخصوص الى المهتمين و المتخصصين على مستوى الافراد و الجامعات من داخل البلاد و خارجها . حضر بعض المدعوين و باشروا العمل منذ اشهر خلت و مازالوا مستمرين في اجتماعات عمل متقطعة ,لكنها متوالية (كل ثلاثة أشهر اجتماع لعدة أيام)

ذكرنا في ما سبق أن اللغة نتاج اجتماعي . فبقدر ما يتمتع به المجتمع من مناخات ديمقراطية ,بالقدر نفسه تنتعش لغته و تتطور . و في التاريخ اللغة الكردية ما يؤيد هذه الرؤية و يؤكدها .

بعد فشل انتفاضة الشيخ سعيد بيران في تركيا (1925) التجأ عدد من المناصرين  و المؤيدين لها الى عامودا التي كانت حينذاك مركز التجمع الكردي في الجزيرة . كان هؤلاء الملتجئون على درجة مقبولة نسبيا من العلم و الثقافة . فأثروا في ما حولهم و رفعوا من سوية أفكارهم ,مستفيدين في ذلك من المناخ الديمقراطي الذي وفره الانتداب الفرنسي آنذاك .

و في هذا السياق لا ننسى جهود الملا عبيداللههيزاني,المدرس المستنير بأفكاره المتحررة من عوامل التخلف الاجتماعي في عصره ذاك . كان (السيدا) يعلم طلبته العلوم الدينية في (الحجرة) ,و في الوقت نفسه يزرع في نفوسهم آراءه التحررية . فتأثر الطلبة بمدرسهم و أثروا من بعده في مجتمعهم (العامودي) .

نتيجة لهذه المؤثرات نشأ في عامودا جيل مهيأ للقيام بأي مشروع حداثي يتوافق مع طبيعة تطلعاته الفكرية .

في عام (1938) تقدم بعض أهالي عامودا بطلب الى سلطة الانتداب ,راغبين في فتح ناد رياضي ثقافي في بلدتهم . استجابت السلطة لرغبتهم . و في العام ذاته فتح “نادي كردستان ” في عامودا برئاسة السيد محمد علي شويش و ادارة الشاعر جكرخوين و بعض زملائه . كان منتسبو النادي من جميع مكونات البلدة ,أكراد و عرب و مسيحيين . و كان الجميع يتعلمون فيه اللغة الكردية بالحروف اللاتينية (أبجدية جلادت) . و كان المدرسون آنذاك هم (جكرخوين,عزيز داري ,قدري جان و المعلم يعقوب) . كما كان أعضاء النادي يقومون بأنشطتهم الكشفية ,يرتدون ألبسة الكشافة و قبعاتهم الخاصة ,و يتجولون في شوارع عامودا بمشيتهم المنتظمة على ايقاع الموسيقى الخاصة ,فيضفون عليها جوا من الحيوية و الفرح .

في بداية الحرب العالمية الأولى (1939) أغلق نادي “كردستان “في عامودا و توقفت كل نشاطاته الكشفية و التعليمية .لكن النشاط

اللغوي الثقافي خارج فعاليات النادي استمر حتى نهاية العقد الأول من العهد الوطني  . حيث طبع ديوان جكرخوين الأول

“Sewra Azadî(اللهب و الشرر) بمساعدة جلادت بدرخان عام (1945) في  دمشق. و طبع ديوانه الثاني ““pêt û pirîsk”

(ثورة الحرية) ايضا في دمشق عام(1954) . كما طبع كتاب رشيد كرد “قواعد اللغة الكردية” هو الاخر في دمشق عام (1956).

في عام (1958) ,عام الوحدة المصرية السورية ارتفعت في سماء سورية شعارات قومية متطرفة حجبت دونها كل الشعارات و كتمت كل الأصوات بما في ذلك الصوت الكردي الخافت . انكفأت اللغة الكردية و تحلزنت على ذاتها و صار المهتم بها يحسب لكل خطوة يخطوها حسابها ,اذ صارت الكتابة بها أو عنها من الممنوعات .

امتد المنع في ذلك العهد و ما بعده الى المدارس الابتدائية حيث كانت مديريات التربية تصدر التعاليم التوجيهية من حين الى آخر ,متضمنة : (يمنع التحدث في المدارس بغير العربية). و كان التفسير المأخوذ به آنذاك هو منع التحدث بالكردية في المدارس و باحاتها . في  المناطق الكردية معظم تلاميذ المرحلة الأولى في المدارس الابتدائية لا يجيدون العربية فيضطر الصغير الى التحدث مع زميله بلغته . يسرع التلميذ المخبر الى المعلم ليقدم له اسم المخالف . يحضر التلميذ المذنب أمام المناوب مرتجفا من الخوف فيخيره المناوب : أن يدفع فرنكا (خمسة قروش سورية) ,مصروفه اليومي كغرامة للمخالفة أو يمد يده الطرية لتتلقى عددا من ضربات العصا التي لا ترحم !

لا شك في أنهما أمران أحلاهما مر ! لكن الأمر منهما هو ما تتركه تلك الممارسةاللاتربوية من آثار سلبية في نفوس أولئك الصغار ,اهونها ترك المدرسة !!!

و “gulistan “ دامت هذه المرحلة الكابوسية عقدا و بعض العقد تقريبا . حيث بدت بعض المطبوعات الكردية تظهر مثل مجلة

في لبنان (1973) و أدخل الى سورية سرا . و مع مرور“ Kîme Ez”و طبع ديوان جكرخوين الثالث   “ Gelawêj” و  “Stêr”

الوقت تراخت السلطات في متابعاتها للوضع الثقافي الكردي و ملاحقاتها للمهتمين بالثقافة و العاملين عليها . و نتيجة لهذا التراخي و غض النظر توالى ظهور المجلات و الجرائد و المنشورات الحزبية و غير الحزبية بين الكرد السوريين .

و من الصادرة بالعربية ” الحوار ,أجراس “Pirs , Aso , Zevî , Zanîn , Xunav “  و من المجلات الصادرة بالكردية :

,التقدمي و أدب القضية ” و هناك أسماء أخرى لا تحضرني الآن .

لكن الانفراج اللافت للانتباه هو ما عايشناه في أواخر الثمانينات و أوائل التسعينات في المجالين السياسي و الثقافي الكرديين . في المجال الساسي نشطت الأحزاب الكردية (السرية) نشاطا ملحوظا . كانت تقيم ندواتها بسرية شبه علنية و كانت تصدر مطبوعاتها الحزبية (في الظل) .

في انتخابات  مجلس الشعب ,دورة (1990) اتفقت الأحزاب الكردية على أن تشارك بقائمة موحدة ,تتألف من ثلاثة مرشحين من أصل أربعة (نصاب القائمة المستقلة) . فاز المرشحون الثلاثة ,دون تدخل أمني (على غير العادة) .

رافق هذا التطور السياسي بنشاط ثقافي غير مسبوق . فقد عينت وزارة الاعلام كرديا في لجنة مراقبة المخطوطات , (هو الصديق د . محمد عبدو نجاري) .

في جلسة جمعتنا معا قال لي محمد نجاري : قبل أسبوع حضر نوابنا الثلاثة , (كمال أحمد و عبدالحميد درويش و فؤاد عليكو) الى الوزارة ,دخلوا على الوزير و كان حينها السيد محمد سلمان ,سلموا عليه و طلبوا منه أن يمنحهم رخصة مجلة كردية تصدر باشراف الوزارة . أجابهم الوزير : حاليا لا رخص للمجلات لدينا ,لا العربية و لا الكردية ,لكن اذهبوا و تصرفوا كما كنتم تتصرفون . فنحن نعلم كل شيئ عن اصداراتكم لكننا (و باعد بين أصابع يده اليمنى و وضعها امام عينيه ) ثم أردف قائلا و كنا نقول لا نرى شيئا . تابع الدكتور محمد نجاري حديثه قائلا : أفكر في الاستفادة من هذه الظروف الملائمة للحصول على رخصة طباعة نصوص كردية ! ان كان لديك ما يستاهل الطبع فترجمه الى العربية و قدمه للوزارة . بعد أسبوع قدمت مجموعة شعرية مع ترجمتها العربية الى الوزارة . تمت الموافقة  عليها ,فكانت مجموعة “على أبواب لالش” أول كتاب كردي مرخص يطبع في دمشق (1990) و بالطريقة ذاتها طبعت كتب كردية في مختلف المواضيع . كما طبع عدد منها دون ترخيص .

أما النشاطات الثقافية الأخرى غير المطبوعات كالندوات الثقافية و المهرجانات الشعرية و المعارض الفنية فقد كانت تقام علنا أو شبه علن, مثل مهرجان الشعر الكردي الذي يقام في ذكرى رحيل الشاعر جكرخوين في خريف كل عام .

كما ظهر بعض المهتمين بالجانب المعجمي للغة الكردية ,تفرغوا لجمع المفردات من الفلكلور و الأمثال و الملاحم الشعبية و          – (قاموس الحياة)“Ferhebga Jîn” صنفوها حسب الحروف اللاتينية . نذكر منهم محمد جميل سيدا الذي أعد معجمه

(المنير) الذي نشرته مرخصا دار الزمان “Ronak”   و قد طبعة (سرا) في دمشق (دون تاريخ) . و سيف الدين أحمد عبدو ,معد

في دمشق (2008) .

معلوم أن الجغرافيا بمن فيها و من عليها ,قابلة للتقسيم و التأطير بحدود سياسية تقيد حرية الحركة منها و اليها وفق الرغبات السياسية المهيمنة . أما الثقافة فهي كالهواء تماما ترفض الحواجز و الحدود و على الأخص في زمن الأتصالات المذهل هذا.

في العقود الاخيرة طرأت تغيرات كبيرة على الثقافة الكردية في تركيا . فقد تأسس المعهد اللغوي الكردي في استانبول (1992) الذي قام بنشاطات ثقافية هامة في مجال التأليف و الطباعة و نشر (كتب ,دوريات ,جريدة يومية) .و تأسس فرع من المعهد المذكور في دياربكر (2004) و هو الآخر يقوم بكافة فعالياته الثقافية الموكولة اليه . اضافة الى عشرات من دور النشر و المطابع التي تعمل في مجال الثقافة الكردية .

في السنوات الأخيرة استحدثت في جامعات المحافظات الكردية دراسة جامعية باسم “الكردولوجيا” (العلوم الكردية) ,ينتسب اليها الطلبة الكرد من كافة أنحاء كردستان بما فيهم الكرد السوريون (وقد تعرفت على بعض منهم في جامعة ماردين) . في نهاية الدراسة تمنح الجامعات طلبتها شهادات و فق مراحل الدراسة (الليسانس,الماجستير ) أما الدكتوراه فتمنحها جامعة دجلة في دياربكر . و الجدير بالذكر هو أن كل هذه المؤسسات و المراكز الثقافية مرخصة حكوميا ,لكنها غير محصنة دستوريا . فهي في مهب ريح قد تفاجئنا بما هو غير متوقع سلبا أو ربما ايجابا !

هذا الواقع الثقافي الجديد الذي ظهر في الامتداد الشمالي للغة الكرد السوريين ساهم في دفع عجلة التطور الثقافي لدى الكرد المعنيين . لقد تسربت عشرات المخطوطات ذات المواضيع المختلفة  الى دور النشر و المطابع في تلك المناخات المواتية . فظهرت كتب في مختلف المواضيع الثقافية و الأدبية و برزت أسماء كتاب في مجال الرواية و اللغة و الترجمة بين الكرد السوريين .

أضف الى  ما سبق عشرات القنوات التلفزيونية الكردية التي تبث عبر الأثير  مختلف المواضيع اللغوية و الثقافية دون حواجز أو موانع .

بعد كل هذا الهبوب الثقافي  المتصاعد من الداخل و الوافد المتزايد من الخارج ليس لنا الا التـأكيد على أن اللغة الكردية المعنية قد تجاوزت خطورة مراحل فقدان الهوية و أنها الآن تبحث جاهدة عن أستكمال مقومات حيويتها و ديمومتها , شأنها في ذلك شأن اللغات العالمية الحية .

 

المصدر : مجلة القلمون

احسانيار شاطر :عرض موجز لتاريخ اللغات و اللهجات الايرانية و تطورها . مجلة الدراسات الأدبية السنة الثالثة العدد الثاني 1960-ص [1]165 ,166 ترجمة و عرض احمد لوسياني– بيروت .

[2] عبد الرحمن معروف  :ما كتب عن اللغة الكردية . ترجمة محمد أمين هورامي . بغداد 1978 ص 17 .

[3] مسعود محمد لغة الكرد . بغداد 1978 ص 14

[4] و المقارنات مستلة من كتاب (تاريخ اللغة الفارسية) المصدر السابق ص 23,24,25,26

[5]Hesen Qizilcî : “Goranî pîtekan be yeke pîtekan û siwa û tekşikanî wuşekan be hoy ew alûgoraney be ser pîtekan da de “

حسن قزلجي: ( التغيرات التي لحقت قسما من المفردات حين ابدلت بعض حروفها بأخرى ….). مجلة المجمع اللغوي الكردي . بغداد 1978

العدد 6 ( استل حسن قزلجي مواد بحثه من كتاب فارسي عنوانه :”سبكنامه” بمعنى (التخفيف).

 

[6]Fuad Heme Xorşîd : Zimanî kurdî – Dabeşkirdinî Ciyografî  Zarekewanî(Zimanî  Kurdî) . Bexda 1982 . R. 19

فؤاد حمه خورشيد : التوزيع الجغرافي للهجات الكردية . بغداد 1982 . ص . 19

[7]المصدر السابق .ص 20 .

[8]د. عبدالرحمن معروف :ما كتب عن اللغة الكردية – بغداد (1987) ص 15

[9] ما كتب عن اللغة الكردية . بغداد (1978)- ص (21, 22, 23)عبدالرحمن معروف :

[10]هو يوسف ايكاروفيجأوربيلي (1887-1961) مستشرق أرمني بارز ,مؤسسس القسم الكردي في معهد الاستشراق في لينينغراد و مدير المعهد المذكور حتى وفاته .

 

[11]E. W.C.Noel . ياده شنه كان نوئيل له كوردستان

مذكرات الميجر نوئيل– ترجمة حسين احمد جاف و حسين عثمان نيركسجاري بغداد 1984

[12]علي سيدو كوراني : القاموس الكردي الحديث (كردي – عربي) عمان (1985) المقدمة

[13]يوسف ضياء الدين المقدسي : الهدية الحميدية ( كردي –عربي) . استانبول (1896) المقدمة . (كان المؤلف قد اهدى معجمه هذا للسلطان عبدالحميد الثاني)

[14]تقعيد اللغة : وضع قواعد اللغة :

[15]مذكرات جلادت بدرخان – ترجمة روشن بدرخان و دلاور زنكي . بيروت . أميرال (1991) . ص(25)

[16] . 1994Nûdem ثم استنسخت و نشرت بين القراء قبل أن يطبع في السويد – ستوكهولم. جمعت حلقات الكتاب المنشور في مجلة “هاوار”

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محسن سيدا:حركات الاحتجاج القبلي في عهد ‹التنظيمات› العثمانية (1)

محسن سيدا: كاتب وباحث كُردي   حركات الاحتجاج القبلي في عهد ‹التنظيمات› العثمانية      ...