الرئيسية | مقالات | دلشاد الملا: “الإخوان” وطهران وبينهما قطر

دلشاد الملا: “الإخوان” وطهران وبينهما قطر

دلشاد الملا: إعلامي كردي سوري

 

قطر هي سبب أزمة الخليج. هذا ما يشاعُ ويروّج له في الإعلام الخليجي بشكل عام. فعند اكتشافها في سبعينيات القرن الماضي على أنها تطفو فوق أغنى حقل غاز في العالم، بدأت قطر تبحث عن المشتري. فهذا الكنز لا قيمة له، إن لم يجد أحداً يشتريه. لكن إيران تملك في الحقل ذاته حصّة تقدّر بالنصف. فهو حقل غازٍ ذو مخرجين إلى إيران وإلى قطر. لذلك طلبت قطر من الأسد مدّ خط أنابيب من الخليج عبر الأردن مروراً بسوريا لتكون المنفذ إلى أوروبا. وفي الوقت ذاته طلبت إيران مدّ هذه الأنابيب من ذات الحقل لتصل إلى سوريا. فكانت النتيجة رفض العرض القطري، وقبول العرض والعقد الإيراني. والسبب هو العلاقات الدّوليّة العميقة بين نظام “ولاية الفقيه” ونظام الأسد، وعدم التلاعب بصمّام أمانها مع روسيا العظمى التي تصدّر أيضاً الغاز إلى أوروبا. وهنا، بدأت المغامرة القطريّة بالتّلاعب ومحاولة الاطاحة بهذا نظام الأسد وإزالته. فكانت الأدوات تسليح الجهاديين المتطرفين في سوريا، وتأمين الطرق اللوجستيّة للوصول إلى المناطق المطلوبة. وبهذه الخطوات، وهذه القدرة، أعطيت قطر حجماً أكبر بكثير من رقعتها الجغرافيّة. حيث وفرّت لها أموالها طائلة دوراً جعلها رقماً ثابتاً في خارطة الطّاقة العالميّة. هذا النهوض الاقتصادي، زاد من طموحات قطر، العابرة للحدود.

من النّاحية الفكريّة والرّوحيّة، اختارت قطر منهج جماعة “الإخوان المسلمين” الذي لا ينبذ العنف، ولها أساس تنظيمي وأفرع منتشرة. هذا الأمر، لامس الخطوط الحمراء لدى العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات، لأنهما اعتبرتا هذه الخطوة القطرية تمهيداً او يهدف لانتزاع مقود العرش الإسلامي السُّني. وليس من السهل أن تنازع قطر السعودية على هذا الموقع والمقام.
خط الأنابيب كان المسمار الأول في نعش النظام السوري. فمن البديهي أنّ لكل حرب (دوليّة كانت أم أهليّة) أسباب، ربما تكون بين قطبين مختلفين متناقضين أو أكثر. فالحرب السورية أو  الثورة السورية كان الصراع بين قطب الناتو، ممثلاً بأمريكا، بريطانيا، فرنسا وتركيا، مع مجلس التعاون الخليجي، والقطب الآخر هو إيران وروسيا. أراد القطب الأول إسقاط الأسد تماماً لإيقاف التشيُّع، وإيقاف التنامي الاقتصادي والنفوذ الروسي في سوريا والمنطقة. والقطب الآخر، أراد الإبقاء على حكم الأسد؛ باعتباره المخدة المريحة للقواعد الروسية، والسجاد الجميل المفروش لنظام “الولي الفقيه” وأذرعه في المنطقة. ولكن الإستراتيجية الجغرافيّة، هي الأساس؛ فمن يظفر بالمكان الذي تمرّ منه تلك الأنابيب، سيظفر بامتياز مدّها على تلك الأرض وصولاً إلى أوروبا وأسواقها المغرية لأية دولة. لذا، اندلعت الحرب داخل سوريا بين التحالف السني مدعوماً من الناتو، والتحالف الشيعي مدعوماً من روسيا، وما زالت مستمرّة منذ ست سنوات. وكانت الحجّة؛ اختراع مصطلح (الربيع العربي).

نجاح القطبين في إخفاء هذه الأطماع، وانتاج فكرة أن هذا “الربيع” هو الحد الفاصل والفرصة المنتظرة منذ سنوات للوصول إلى الحرية. وتم غسل أدمغة الكثيرين بفكرة أن الجهاد والطريق إلى الجنة وحور العين يمرّ من بلاد الشام. هذه الحرب (الثورة) أدّت إلى تدمير المجتمع السوري من الداخل. فموجات النزوح واللاجئين لا تتوقف، وأعداد القتلى في إزدياد، والتغيير الديمغرافي مستمر، وتفكك الدولة السورية إلى أربع أو خمس دويلات يفصلها خطوط تماس حساسة، وحواجز تفتقر للأخلاق المدنية والإنسانيّة، كل ذلك مستمرّ. لتتحوّل هذه الدولة من دولة قويّة في الأمس إلى دويلات ضعيفة مدمَّرة اليوم.

حقل الغاز في منطقة الخليج، خلق أزمات بين مجلس التعاون الخليجي، وخلق عداوة صريحة بين هذه الدول وبين النظام السوري، وساهم في تدمير شعب كامل، وقتل ما لا يقل عن مليون إنسان، وأشاع الفكر المتطرِّف، وخلق الكثير من المشاكل. على عكس ما كان يعتقد بأن هذا الحقل سيكون نعمة، ونقطة بداية انطلاق نحو الأمام لجميع هذه الدول. لكننا فوجئنا بفوضى في العلاقات الدوليّة بسبب هذا الحقل. وتحوّلت هذه الثروة إلى وبال على من يملكها.
ومن ناحية أخرى، إحدى نتائج هذه المغامرة، تجرّؤ قطر على جلب تركيا الى الخليج، ومهادنة إيران؛ العدو اللدود السياسي والاقتصادي والعسكري والعقائدي الخليجي. ويمكن القول: إن السعوديّة أعطت هامش من المراوغة والنشاط لقطر، ولكن الأخيرة تجاهلت الخطوط الخليجية الحمراء، كما أسلفنا.

ولم تكن منطقة الخليج قد خرجت من أزمتها الاولى، حتى عاجلتها السعودية بأزمة جديدة. ولا يخفى على أحد أن باكستان النووية حاولت منافسة السعودية على قيادة العالم الإسلامي السني، لكنها فشلت في ذلك.

إذاً الأزمة الخليجيّة لم تعد محصورة بين عدّة دول، والخوف اليوم أن تتعدّى هذه الازمة تلك الرقعة الجغرافيّة. وخاصة بعد استنجاد قطر بتركيا، ودخول إيران على الخط.
والخيار الأرجح لقطر، بعد مغامرات عدة، سيكون القبول بالنقاط او الشروط المطروحة عليها كما هي، لرفع الحصار عنها. وفي حال مناقشة بعضها والرفض القطعي لقسم منها، هنا سيكون للدبلوماسيّة الكويتيّة الدور الكبير في الحل وإعادة قطر إلى الصّف الخليجي. ولكن ستكون هذه الفرصة الأخيرة لقطر، ومصحوبة بتوبة صادقة نصوحة على ألاَّ  تعود إلى الصلاة على سجادة “الإخوان”، وفي جلباب وعمامة “الولي الفقيه”.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا_العقد الوطني الجامع أساس الخلاص السوري.. مشروع مبادرة حالمة

كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة. الأزمة السورية معقدة بكل المقاييس، ومرد ذلك إلى عوامل ...