الرئيسية | مقالات | راشد الأحمد: وكأنّ دولة قاسم سليماني “باقية وتتمدد”؟

راشد الأحمد: وكأنّ دولة قاسم سليماني “باقية وتتمدد”؟

راشد الأحمد: كاتب صحفي كُردي سوري  

 

يُقال: إنّ رجلاً ونجله ركبا على ظهر حمارهما، قاصدين المدينة. وفي الطريق، مرّا بقرية، فأخذ الناس ينظرون إليهما باستغراب متمتمين: “انظروا إلى هؤلاء القساة، يركبون على ظهر الحمار دون رأفة”. وقبل أن يصلا إلى القرية الثانية، نزل الابن كي لا يسمعوا نفس الحديث. لمّا دخلا القرية سمعا: “انظروا إلى هذا الأب الظالم، يدع ابنه يسير على قدميه، وهو راكبٌ حماره”. وعندما أوشكا على الوصول إلى القرية التي بعدها نزل الأب من على ظهر الحمار، وقال لابنه اركب أنت. وعندما دخلا القرية رآهم الناس فقالوا: “انظروا إلى هذا الابن العاق يترك أباه يمشي وهو على ظهر الحمار”. غضب الرجل وقرّر أن ينزلا معاً حتّى لا يكون للناس سُلْطَةً عليهما. وعندما وصلا إلى وجهتهما، رآهم الناس وقالوا: “انظروا إلى هؤلاء الحمقى، يسيرون على أقدامهم ويتعبون أنفسهم، ويتركون الحمار خلفهم يسير وحدهُ. فباعوا الحمار…”.

 

الخلافات بين أفراد البيت الواحد تحصل، وهذه من المسلّمات، وتأخذ أحياناً شكلاً، يبدو من الخارج جديّاً وعنيفاً، لكّنه في الواقع ينتهي «بتبويس» الشّوارب. وهذا الأمر يحصل في الوسط الدبلوماسيّ، والسياسيّ كثيراً. فيتخاصم طرفان، ويتراشقان، ويتعاتبان، عندما تكون العلاقة بين شدٍّ وجذب، ويتصالحان عند تقارب الرؤى. وليس من المستغرب أن يتدخّل بين الطرفين الشقيقين فاعلو «الخير». من لا يتمنون الخير لأحد؛ أو بالأصل لهم أجندات ومصالح تؤثّر في استراتيجياتهم، هؤلاء يسوقون عبارة «عليَّ وعلى أعدائي». ولا أدري مدى صحّة هذا المثل في الحالة الكُرديّة؟. ولكن أهم ما في الأمر بالنسبة لنا هو: «إذا أردت معرفة طرف يحاول الاقتراب من خلاف عائلي بسيط، تأكّد أن هناك نقاش خشن اللهجة من باب (المونة) أو مصلحة العائلة، أو من باب التهديد غير آبهٍ بما سيحصل!!».

وعلى ذكر الطرف الثالث، لا أنصح به، خشية من بروتوكولات احتمالات صب الزيت الساخن على النار ليصبح سادناً. وهذا ما يحصل في عالم السياسة، والمصالح النفعيّة. بحكم لا يوجد هنا مغلوب على أمره، كي يقوم بعد السقطة متأوّهاً/ كما في عالم الرومانسية.

طالبت حركتا التغيير ـ(كوران) و(الجماعة الإسلاميّة- علي بابير) بمقاطعة اجتماع أحزاب الإقليم، التي دعا لها الرئيس مسعود البارزاني. بينما حضرها خمسة عشر حزباً، بخصوص الاستفتاء المزمع إجراؤه في ٢٥ سبتمبر القادم. وليس مستغرباً أن يتسلّل أنصار الحركتين، ومن لفّ لفيفهما، من جماعات فاعلي الخير، في تأييد «أثيل النجيفي » على شاشات البث الحي، وتسمية الحركات، والأحزاب الكرديّة بـ«الإرهابية»، وشكره على خدماته الجمّة في عدائه لرئيس الإقليم، والقوى السياسية الكرديّة. وسبق؛ وأن هاجم أحد أعضائها في برلمان الإقليم، قوات البيشمركة، واصفاً إياهم بـ«الميليشيات الإرهابية» إثر تدخّلها مدينة كركوك.

لا تترك الحركة المنشقة من حزب الاتحاد الوطنيّ الكردستانيّ، والمقرّبة من طهران، مناسبةً لخلق البلبلة في الإقليم، مستغلة الإعلام المرئي، لشنّ الهجمات على رئاسة الإقليم، في أدق تفاصيل الحياة اليومية، كي تظهر بمظهر المدافع عن حقوق المساكين، علماً أنها لم تنجح في حملتها «السيئة السمعة» لكسب بعض طلبات الانتساب الجديدة للحركة!.

بينما جماعة الحركة الإسلاميّة بقيادة (علي بابير) صاحب كتاب “العاطفة القومية والعدالة الاجتماعيّة” أثناء مكوثه في إيران، حيث أمضى سنوات هناك بحماية الولي الفقيه. ومع أنّ المجتمع الكُرديّ في العراق ذي آيديولوجيّة قريبة عن التصوّف. حيث كان لشيوخ التصوّف من الكُرد دوراً بارزاً في تأسيس الوعي القومي والثقافي الكردي. ولكن يبدو أنّ الأمير له طموحات أكثر تشدّداً.

بذلت دولة «قاسم سليماني» جهود كبيرة لافتعال أزمات اقتصاديّة، وافتعال الفتن في إقليم كردستان العراق، وما تزال تسعى إلى ذلك عبر أحزاب تابعة لها، والمفوض السامي الإيراني «نوري المالكيّ» في عقده تحالفات سياسيّة، مع الحزبين الكُرديين (حركة التغير، والاتّحاد الوطني الكردستاني) يريد الحصول على قرار الأغلبيّة السياسيّة، وإخضاع من يحلمون باستقلال الإقليم إلى هيمنته الطائفيّة.

وما دمنا بصدد الحاج «سليماني» عندما بحث في السليمانيّة، مسقط رأس الحركتين، مع قادة الاتحاد الوطنيّ على إثر تدخّل قوات البيشمركة في مدينة كركوك ورفع العلم الكُردي، وملفات أخرى ساخنة منها الخلافات التي تعصف بالاتحاد الوطني، وكذلك مساعي الكُرد في إجراء الاستفتاء الخاص باستقلال الإقليم، لم يدلِ حينها بموقف بلاده بشأن الاستفتاء، لكنه بحث قرارات حزب الاتحاد الوطنيّ بمعاقبة عدد من قياديه في عقر دارهم!.

هكذا يتدخّل الجنرال في كل جزئية، ويصدر العقوبات، والأوامر، حتى خارج الحدود. إذ يمد المناطق الكُرديّة في سوريا بميليشيات الحشد الشعبيّ، للسيطرة على جميع منافذ الإقليم، ووضعه في عنق الزجاجة. النظام الذي يأكل بعقول الأحزاب «الغشيمة» يستطيع إيهامها أنّ قصّة الشعب الكرديّ ركّبها المستعمر، وأنّ تجربة الاستقلال لتشكيل دولة؛ خاسرة بكلّ المقاييس.

بديهي أن نجد ردود فعل إقليميّة سلبيّة. ولكن من غير المنطقي أن تصرّح الخارجيّة التركيّة، من باب التهييج وشق الصّف، وتصف قرار إقليم كُردستان بإجراء الاستفتاء، بـ”الخطأ الفادح”، متظاهرة أنّها «قلقة وخائفة على سلامة أراضي العراق والتعايش المشترك».

المملكة العربية السعودية وعموم دول الخليج تبارك الخطوة، وإيران ما زالت تسعى في خلق حرب كرديّة – كرديّة، بالتعاون مع مواليها. مؤكدة أن «إقليم كُردستان جزء من العراق…!!».

هناك مثل شعبيّ بما معناه «غراب يقول لغراب وجهك أسود». هذه حقيقة الأنظمة وتحالفاتها، قالوا للشعب الفلسطينيّ: «اخرجوا من بيوتكم، وسنعيدكم معزّزين مكرّمين» وما زال حق العودة حلماً.

الكل يسعى إلى كسب ودّ طرف كُرديّ لمصلحته. عند انتهاء مغامرات، صدام حسين، كنّا نتأمّل إحداث تطورات في البنية السياسيّة والطائفيّة، الدينيّة، والمذهبيّة. فماذا حدث؟ …لا شيء. هل تتوقعون أنّ أبطال عاصفة الحزم، وحرّاس الكعبة الشريفة، سيتدخّلون كرمى عيون الكُرد؟. لا تصدّقوا كذبة انتهاء الحرب حتّى رسم الحدود بالمسطرة والفرجار التي نشبت الحرب من أجلها.

الأشقاء دوماً يتغلبون على أشقّائهم. هؤلاء عرفناهم على مدى عقود طويلة. وثمة أسئلة تطرح نفسها على بساط الاستفتاء المنتظر؛ لماذا نرضى بدور الحمار المسكين المذكور الحكاية السالفة، الذي يمتطيه الجميع لتحقيق أهدافهم الخاصّة؟. ولماذا نسعى إلى إرضاء كل العالم اثناء ممارسة حق من حقوقنا؟. عندما كان الأمريكان والرّوس يمددون النظام الإيراني بالأسلحة، كانوا يمدون النظام العراقيّ بنفس الأسلحة. وعندما تجاسرت الصحف البريطانيّة، ونشرت مقتطفات من مآسي الشعب الفلسطينيّ، تناسى الجميع أنَّ بريطانية العظمى كانت الدولة المنتدبة من قبل عصبة الأمم، لتسهيل إقامة دولة اليهود في قلب العالم العربيّ. غشيم من يقول: إنَّ ثورة الخبز التي سقطت خلالها الضحايا بالملايين، كانت بسبب زيادة في سعر الخبز؟ أو أنَّ ثورة التعاضد في الستينات كانت تسعى إلى تجميع الأراضي للمساكين؟. غرٌ في السياسة من يرى أنَّ (مقتدى الصّدر، عمّار الحكيم، وحيدر العبادي) مختلفون حقاً مع «المالكي». ألا ينظرون كيف ترفرف راياتهم السوداء، كلّما تقارب الكرد واقتربوا من تحقيق اهدافهم؟!.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمران منصور

عمران منصور: التغريدة الكُردية في سوريا

عمران منصور_ محامي كُردي_ باريس الصدمة السياسية التي سببها القرار الأمريكي في تغريدة للرئيس الامريكي ...