الرئيسية | مقالات | رياض علي : التمثيل بالجثث في الحرب السورية

رياض علي : التمثيل بالجثث في الحرب السورية

رياض علي _كاتب وباحث

لجأت الأطراف المتصارعة في سورية إلى الكثير من الوسائل والأساليب التي لا تتفق مع قواعد وأخلاقيات الحروب، نعم لاتوجد حروب أخلاقية مئة بالمئة، لكن على الأقل توجد حدود دنيا من القوانين والمبادئ والأعراف التي يفترض بكل طرف متحارب التقيد بها، حتى إنه في حال إنتهاك تلك القواعد فإن الطرف المنتهِك كثيراً ما يبرر تلك الخروقات بأنها مجرد أضرار جانبية، أو أن الطرف الآخر قد بالغ في توصيف حجم الضرر أو الإنتهاك، أو أنه لم يقم بإرتكاب ذلك الفعل أصلاً، في محاولةٍ منه بالظهور بمظهر الملتزم بقوانين الحرب وأعرافها، أما أن يصل الأمر بالبعض ممن تخندقوا مع هذا الفصيل أو ذاك أو مع هذا الجيش أو ذاك بأن يتباهوا ببعض الأفعال الجرمية ويبرروها دون أدنى شعور بالإنسانية، وأن يفقدهم تعصبهم الطائفي أو القومي أو الإيديولوجي البصر والبصيرة، فهذا ما لا يمكن تفهمه ولا القبول به.

وما دفعنا إلى كتابة هذه الأسطر هو كثرة الأعمال الإنتقامية اللاإنسانية التي ترتكب في الحرب الدائرة في سورية، ومن قبل الغالبية العظمى من الأطراف المتحاربة، وإن اختلفت النسب بين فريق وآخر، وأعتقد إنه من غير اللائق البحث بموضوع النسبة والتناسب مادام الأمر يتعلق بكرامة الإنسان وآدميته، فما أن تمر علينا بعض الأيام مثقلةً بالدماء والدموع والجراح، حتى تتوارد على صفحات التواصل الإجتماعي بعض الصور والمشاهد المقززة للتعذيب، ليس فقط للأحياء بل للأموات أيضاً، وهو ما يطلق عليه التمثيل بجثث الموتى المدنيين والمقاتلين، كنوع من الإنتقام والتشفي من الطرف الآخر، ثم يظهر علينا بعض المثقفين المؤدلَجين للدفاع عن تلك الأفعال أو تبريرها على الأقل، فثمة من يقول أن الأطراف الأخرى ارتكبت فضائع أكبر والإنتقام مبرر في الحرب، وثمة من يزعم بعدم وجود ما يمنع قانوناً من التمثيل بجثث العدو!!!!

والحقيقة تلك حِجَجٌ واهية، فليس ثمة ما يبرر التمثيل بجثث القتلى أو الموتى من الطرف الآخر تحت أي ظرف أو مبرر كان، بل على العكس فإن هذا التصرف مدان وفق القوانين الداخلية والدولية، فقد جرَّمَ قانون العقوبات السوري التعدي على حُرمة الأموات، وإتلاف الجثة كلها أو بعضها ( المواد 463و465)، كما ان القانون الدولي الإنساني المتمثل بإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، أوجب عدم الإعتداء على الكرامة الشخصية، وعدم اللجوء الى المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وإن تعلق الأمر بجثث الموتى، كما إنه يتوجب على أطراف النزاع البحث عن جثث الموتى أو القتلى من الطرف الآخر، وإتخاذ التدابير اللازمة لمنع سلبها أو سرقتها، وفي حال عدم التمكن من تسليمها للطرف الآخر بسبب الحرب وظروفها، يجب دفنها وفقاً لشعائر دين الميت ومذهبه، ولابد من صيانة المقابر الخاصة بموتى الطرف الآخر والحفاظ عليها، وتسجيل المعلومات اللازمة عن الموتى في سجل خاص، وإتخاذ الإجراءات المناسبة لسهولة التعرف على قبر كل متوفى بعد أن تضع الحرب أوزارها، كما ولا يجوز حرق الجثث إلا لأسباب صحية قهرية أو لأسباب تتعلق بديانة الميت.

إضافة الى ذلك فإن المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية إعتبرت إن الأنتهاكات الجسيمة لإتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تندرج ضمن خانة جرائم الحرب، ولاشك إن إنتهاك حرمة الموتى أثناء العمليات العسكرية تشكل خرقاً لإتفاقيات جنيف المذكورة، وبالتالي تجب محاسبة كل من قام بجريمة التمثيل بالجثث أمام قضاء نزيه وعادل، عند الوصول إلى إجراءات العدالة الإنتقالية المأمولة في سورية.

ولا يجوز لأي طرف كان التذرع بأن الطرف المقابل قد قام بذات التصرفات حيال مقاتليه، لأن القانون الدولي الإنساني حظَّرَ مبدأ المعاملة بالمثل في سياق العمليات الحربية، فلا يجوز لأي طرف متحارب أن يقوم بأي من الأعمال المحظورة قانونياً بحجة قيام الطرف الآخر بذات الأفعال، فلا يجوز له مثلاً اللجوء الى التعذيب أو قتل الأسرى أو القتل خارج القضاء أو التمثيل بالجثث وغيرها من الأعمال المحظورة قانوناً بحجة قيام الطرف الآخر بإرتكاب مثيلاتها.

إذاً بغض النظر عن مشروعية الحرب أو عدمها، فإن الضرورات تقدَّر بقدرها، ولا يجوز اللجوء إلى الأعمال التي لا يحتاجها الطرف المقاتل، طالما لن تشكل له إضافة عملياتية، ولن تؤدي إلى إنهاك الطرف الآخر وإضعاف قواه القتالية، وهذا ما يسميه فقهاء القانون الدولي بمبدأ التناسب، فمثلاً لايجوز قانوناً إستخدام الأسلحة التي تسبب آلاماً لا مبرر لها، ولا قتل جندي سلَّمَ نفسه بعد أن ألقى سلاحه، أو بعد أن أصبح عاجزاً عن القتال بداعي الإصابة، ولا قتل طفل لايقوى على حمل السلاح، وكذلك الحال بالنسبة للتمثيل بجثة مقاتل أضحى رقماً من الماضي، ولا يمكن تبرير فعل التمثيل بالجثث إلا بأنه عمل وحشي مقيت، ينم عن فقدان مقومات الإنسانية لدى الفاعل.

وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة اللامعقولة من التشوُّه والمرض النفسي، لابد من الرجوع مجدداً الى دراسة هذه الحالة بكل أبعادها وتداعياتها، وما ستخلفه من أمراض مزمنة في جسد الدولة السورية، والتي قد تتفشى في كامل الجسد إن لم نتمكن من معالجتها بالطريقة الناجعة، حيث لابد من نشر ثقافة المواطنة، ونبذ الأفكار الراديكالية التي أنهكت جسد الثورة السورية، وأخرجتها من مسارها الصحيح وأبعدتها عن أهدافها الجميلة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والتأكيد على ضرورة محاسبة كل من إستهان بدماء السوريين وكراماتهم ومقدساتهم، وهنا يأتي دور المثقفين السوريين وقوى المجتمع المدني، للقيام بدورهم الذي من المفترض أن يقوموا به، ولفت الأنظار إلى تلك الجرائم والسعي ما أمكن إلى التحذير منها ومن عواقبها، وإلا فإن المستقبل الذي ننشده لسورية الجديدة، سورية دولة المواطنة وسيادة القانون، سيصبح مجرد حلم موجود في مخيلتنا نحن السوريين فقط.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رياض علي_ تمديد حظر الطيران في كردستان وسياسة كسر العظم

رياض علي _كاتب وباحث   يعتبر حق التنقل والسفر من الحقوق الاساسية التي يتمتع بها ...