الرئيسية | مقالات | رياض علي: عدم استقلالية القضاء السبب الاهم للثورة السورية.

رياض علي: عدم استقلالية القضاء السبب الاهم للثورة السورية.

رياض علي: باحث وقاضي سابق

تعني استقلالية القضاء ان يكون القرار القضائي حيادياً وغير خاضعاً لأي من السلطتين التشريعية والتنفيذية,ولا لنفوذ المصالح الخاصة او السياسية وهذا ما يسمى بفصل السلطات,اذ ان وجود جهاز قضائي يتمتع بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية يشكل الضمان الكافي لتوفير الامن الاقتصادي والاجتماعي والقانوني في الدولة، وبالتالي يحقق الرفاهية للفرد والازدهار الاقتصادي للدولة بحيث يجعل منها مركز استقطاب للاستثمارات الوطنية والاجنبية كما ويضمن حقوق الفرد وحرياته الاساسية ومنها حرية التعبير التي اتت عليها المواثيق الدولية.

وقد ادى عدم توفر هذه الاستقلالية للقضاء السوري الى تفشي الفساد والمحسوبيات، ونجم عن ذلك تولد الاحتقان والبغض تجاه الحكومة لدى المواطن السوري، وكان ذلك احد اسباب الازمة السورية ان لم يكن السبب الاهم ,اذ انه لو توفرت هذه الاستقلالية لكان بإمكان القضاء مسائلة المسؤولين واصحاب القرار الامني، ولما تجرأ هؤلاء في الاستحواذ على قوت الشعب وحقوقه الاساسية والاساءة لكرامة المواطن السوري في احيان كثيرة, اذ لم يكن بإمكان القضاء محاسبة هؤلاء المتنفذين, الا اللهم اذا ارتأت الحكومة محاسبة القلة القليلة منهم، لا لانهم طغوا في البلاد وظلموا العباد,بل لانهم شقوا عصا الطاعة على السلطة الحاكمة او انهم قد فكروا مجرد التفكير في ذلك ,حيث تقوم الحكومة الامنية بتجهيز الملف بإحكام وتحيله للقضاء بهدف الانتقام ليس الا.

واعتقد بانه لو كانت السلطة القضائية مستقلة في قراراتها لما تجرأ ذلك المتهور عاطف نجيب على قلع اظافر اطفال درعا واهانة شيوخها (وهذه الحالة تمثل الواقع السوري عامة ),اذ انه لم يقدم على ذلك الا لثقته بان يد العدالة لن تطاله وبالفعل لم تطله يد العدالة,ولو ان النيابة العامة في درعا قامت بالدور المنوط بها قانونا لتم تحريك الدعوى العامة بحقه ثم اصدار مذكرة التوقيف ومن ثم محاكمته، ولما تولد الاحتقان لدى السوريين من هذا التصرف الارعن والذي كان غيض من فيض ما يجري في اقبية سجون الامن السورية البعيدة عن المحاسبة والرقابة القضائية ,اذ ليس بإمكان القاضي أيا كانت مرتبته الدخول الى الافرع الامنية وتفتيش دور التوقيف التابعة لها.

ولو كان القضاء السوري فعَّالاً مستقلاً لقام بأداء دوره اثناء الثورة، وحاسب كل من ارتكب اواشترك اوتدخل اوحرض على اعمال القتل والنهب والتدمير، والتي وصلت الى درجة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية المنصوص عليهما في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 ,سواء كان مقترفي تلك الجرائم من النظام السوري او كل مَن استغل الفوضى وارتكب الجرائم المشينة المروعة الا ان القضاء السوري غير قادر على ذلك طالما انه غير مستقل عن السلطة التنفيذية وطالما ان السلطة الامنية الغير موجودة بالدستور هي السلطة الاعلى فعليا.

ولو ان القضاء كان مستقلا لما خشي المواطن وكذلك الاجنبي من الاستثمار في سورية، اذ ان الغالبية العظمى من المستثمرين السوريين يفضلون الاستثمار في البلاد العربية والاجنبية على الاستثمار في سورية, وذلك لان المستثمر يخشى من القوانين الاقتصادية والجمركية الجائرة النافذة في سورية,ولعدم ثقته بعدالة القضاء السوري واستقلاليته,ولو ان رؤوس الاموال تلك تم استثمارها في سورية لأدى ذلك الى تحقيق الرفاهية الاقتصادية للفرد والدولة وتوفير القطع الاجنبي، وليس خافيا على احد ما سيحدثه ذلك من اثر ايجابي على حاضر الدولة ومستقبلها,كما ان زيادة الاستثمار في الداخل يساهم وبشكل كبير في القضاء على البطالة المنتشرة بشكل لا يوصف،والبطالة احد الاسباب الرئيسة للثورة السورية،الا ان كل من يفكر بالاستثمار في سورية كان يخشى من المتنفذين في الدولة ولاسيما المقربين من العائلة الحاكمة، اذ كان هؤلاء في اغلب الاحيان يشاركون المستثمر في الارباح دون المساهمة براس المال.

وان منح الدور الاكبر للسلطات الامنية على حساب القضاء غير خاف على احد,اذ ان كل مواطن سوري يعلم ان سورية ليست دولة قانون ومؤسسات بل هي دولة امنية بامتياز, الا ان ما يثير الاستغراب هو ان الحكومة السورية قد اخضعت السلطة القضائية للسلطة التنفيذية بالنص الصريح على ذلك بالدستور ضاربة بمبدأ فصل السلطات عرض الحائط، فقد نصت المادة 133 من الدستور السوري بان رئيس الجمهورية هو من يرأس مجلس القضاء الاعلى,ومن المعلوم ان رئيس الدولة هو رئيس السلطة التنفيذية بموجب المادة 83 من الدستور ذاته ,كما ان المادة 137 من الدستور قد جعلت من وزير العدل رئيسا للنيابة العامة (القضاء الواقف)وكذلك وزير العدل هو جزء من السلطة التنفيذية بموجب المادة 118 من الدستور، وقد نصت المادة 65 من  قانون السلطة القضائية السوري بانه يترأس مجلس القضاء الاعلى رئيس الجمهورية وينوب عنه وزير العدل، فكيف يستقيم التشدق بمبدأ فصل السلطات واستقلالية القضاء وبنفس الوقت يتم النص صراحة على ان رئيس السلطة التنفيذية وأحد وزرائها يترأسان مجلس القضاء الاعلى,وهذا المجلس الخاضع( قانوناً) للسلطة التنفيذية يقوم بتعيين القضاة وترفيعهم وتأديبهم وعزلهم و…قبول استقالتهم بمقتضى المادة 66 من قانون السلطة القضائية. وما تم ذكره يذكرنا بمقولة لإدوارد جيبون صاحب كتاب ـ اضمحلال وسقوط الامبراطورية الرومانيةـ في عام 1776 اذ قال حينها (ان مزايا أي دستور حر تغدو بلا معنى حين يصبح من حق السلطة التنفيذية ان تعين اعضاء السلطة التشريعية والقضائية ).

نستخلص مما سبق سرده انه قد تم تعطيل دور القضاء السوري نظريا وعمليا,وبالتالي فان ترسيخ استقلال القضاء وتكريس مبدأ فصل السلطات يتطلب تعديل المواد القانونية السالفة الذكر بحيث يحظر علىالسلطتين التشريعية والتنفيذية  التدخل في شؤون السلطة القضائية,وان يتم النص صراحة في الدستور بان الاجهزة الامنية ودور التوقيف التابعة لها تخضع لرقابة واشراف القضاء ورفع الحصانة الممنوحة للأجهزة الامنية بموجب قوانين ومراسيم خاصة غير دستورية، وتفعيل الحصانة الممنوحة للقضاة, وأنيؤلف مجلس القضاء الاعلى من قضاة منتخبين اصولا ومدة عضوية المجلس اربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة ,ويتم التصويت من قبل القضاة القائمين على راس العمل دون ان يكون لرئيس الدولة او وزير العدل أي دور في هذا المجلس

وبذلك نكون قد رسخنا مبدأ استقلالية القضاء،والذي يؤدي بدوره الى التخلص من الشعور السائد لدى المواطن السوري بعدم عدالة واستقلال القضاء، وهذا الشعور كان احد اسباب الثورة السورية ان لم يكن السبب الاهم كما ذكرنا سابقا .

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد الحسيني:الواقعية السحرية والدلالات الرمزية في رواية * فقهاء الظلام * للأديب الكردي سليم بركات

محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي   سليم بركات الشاعر المبدع , يبدأ مشواره الروائي بالمفهوم المتداول ...