الرئيسية | مقالات | رياض علي: عقوبة الاعدام وسيلة للتخلص من المعارضين السياسيين

رياض علي: عقوبة الاعدام وسيلة للتخلص من المعارضين السياسيين

رياض علي: باحث وقاضي سابق

حق الانسان في الحياة حق مقدس اقرته كل الشرائع السماوية  وكذلك القوانين الوضعية الدولية والداخلية، وحسب رأي المطالبين بإلغاء عقوبة الاعدام فان سلب هذا الحق من قبل الدولة أو السلطة الحاكمة من خلال ما يسمى بعقوبة الاعدام  يشكل انتهاكاً صارخاً لهذا الحق أيا كانت الذريعة في ايقاف ساعة عمر الانسان عمداً، وقد تزايدت في الآونة الاخيرة الاصوات المطالبةبإلغاء هذه العقوبة في العالم، الا انه ثمة دول لا تزال تطبق هذه العقوبة وثمة أصوات تؤيد تطبيقها، وعلى الصعيد العالمي فان الاتجاه يسير نحو الالغاء وتعد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة في عامي 2007/2008 مرجعا مهما، حيث عبرت اكثر من مئة دولة عن قلقها العميق من تطبيقها، كما ان البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يهدف الى الغاء عقوبة الاعدام والذي اعتمدته الجمعية العامة عام 1989 ينص على الالغاء التام لعقوبة الاعدام.

والحقيقة في وقتنا الراهن صارت عقوبة الاعدام تنطوي على التمييز غالبا، وتستخدم بشكل غير متناسب ضد الفقراء وافراد الاقليات والجماعات العرقية والدينية والطائفية والقومية، اذ غالبا ما يساء استخدام الاعدام لإسكات أصوات المعارضين السياسيين، فقد حكمت محكمة جنايات المنيا جنوب مصر مثلا بتاريخ 28 نيسان 2014 بإعدام 683 شخصا من الاخوان المسلمين من انصار الرئيس المعزول محمد مرسي بعد ان اطاح به الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وصدر مؤخرا حكم الاعدام بحق الرئيس مرسي نفسه من قبل قضاءٍ مسيَّس يسير وفق رغبة قائد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس الشرعي لمصر، كما ان الحكومة الايرانية قامت بإعدام المئات فيالاحوازوكردستانايرانمن الكتاب والشعراء والفنانين المعارضين للحكم الدكتاتوري الايراني، أما النظام السوري فقد ابدع في تنفيذ هذه العقوبة بحق معارضيه السياسيين اذ انشأ محاكم خاصة يتولاها  قضاة غير مستقلين ولا يعرفون سوى كلمة نعم للحاكم، وبل ان البعض منهم لا يحمل الاجازة في القانون، كما هو حال محاكم الميدان العسكرية، ومحكمة امن الدولة سابقا والارهاب حالياً، فهذه المحاكم حصدت أرواح عشرات الالاف من السوريين المعارضين للنظام، باصدار احكام الاعدام بحقهم بُعيد محاكمات صورية هزلية، وأقول صورية لان هذه المحاكم وبموجب مراسيم انشائها غير ملزمة باتباع قوانين المرافعات السورية اصلاً.

وان كان مؤيدو تطبيق الاعدام يرون في هذه العقوبة حماية للمجتمعات من تكرار الجرائم الخطيرة، فالإعدام حسب رايهم يشكل ردعا عاما لأفراد المجتمع ويمنع كل من تسول له نفسه على ارتكاب تلك الجرائم من ارتكابها، كون العقوبة ستكون ازهاق روح الفاعل كما تم ازهاق ارواح من سبقوه في ارتكاب تلك الجرائم، فان هذا التبرير غير مقنع بما يكفي، ذلك لان الاعدام لا ينفذ الا بحق سجين يقبع خلف القضبان أصلا وغير قادر على ارتكاب اية جريمة ضد المجتمع وهو مسلوب الارادة، كما انه من المستحيل معرفة ما اذا كان الشخص الذي تم اعدامه سيرتكب مستقبلا جريمة تماثل تلك التي أُعدم لأجلها ام لا، فالإعدام يعني ازهاق ارواح سجناء لمنع وقوع جرائم افتراضية في المستقبل ومن غير اللائق تبرير الاعدام لمجرد فرضية غير مؤكدة، ومن الخطأ الافتراض ان الاشخاص الذين يقترفون جرائم خطيرة عقوبتها الاعدام يفعلون ذلك بعد احتساب العواقب.

وقد فشلت احدث دراسة مسحية بشأن العلاقة بين عقوبة الاعدام ومعدلات جرائم القتل أجرتها الامم المتحدة في العام 1988 وتم تحديثها في العامين 1996و2002 في توفير دليل علمي يثبت بان تأثير الاعدام كان أشد ردعاً من تأثير السجن المؤبد، كما اناللجنةالملكيةالمعنيةبعقوبةالإعدامفيالمملكةالمتحدة (1949 – 1953) قامت بدراسةالإحصائياتالمتوافرةحولالسلطاتالقضائيةالتيألغتعقوبةالإعدامأوتوقفتعنفرضهافيجريمةالقتلالعمد،ومنخلالدراستهالسبعةبلدانأوروبيةبالإضافةإلىنيوزيلنداوولاياتمفردةداخلاسترالياوالولاياتالمتحدةالأمريكيةاستنتجتاللجنةأن: (ليسهناكأدلةواضحةفيأيمنالأرقامالتيفحصناهاتثبتأنإلغاءعقوبةالإعدامقدأدىالىارتفاعمعدلجرائمالقتلأوأنإعادةفرضهاقدأدتإلىانخفاضهذاالمعدل).

وان كان البعض من مؤيدي تطبيق عقوبة الاعدام يرون ان السجن المؤبد هو أشد قسوة من الاعدام، فيرد على هذا الراي بان الاعدام يقطع الامل بإمكانية اصلاح الشخص المحكوم واعادة تأهيله وادماجه بالمجتمع، بينما يبقى الامل قائما بالنسبة للشخص القابع خلف القضبان، ناهيك عن ان المحكوم عليه بالسجن المؤبد لأسباب سياسية من الممكن ان ينال حريته بأية لحظة قد يتغير فيها نظام الحكم، كمااناعدامالمعارضينالسياسيينقديزيدمنحدةالعنفالسياسيومنالممكنانتصبحذكراهممحورجذبلعملياتانتقاميةانتحاريةتوديبحياةالكثيرين، وهذا قد يهدم المجتمع ولا يحميه.

وقد اظهرت التجارب بان تطبيق هذه العقوبة قد ادى الى اعدام بعض الاشخاص في الوقت الذي نجا فيه آخرون ممن ارتكبوا جرائم مماثلة أو اشد خطورة أحيانا، والاشخاص الذين اعدموا ليسوا بالضرورة هم الذين ارتكبوا أفظع الجرائم فحسب وانما أيضاً اولئك الذين كانوا فقراء جداً بحيث لم يتمكنوا من توكيل محامين مهرة كي يدافعوا عنهم، أو ربما أعدموا لانهم حوكموا من قبل قضاة أكثر حزما في تطبيق القانون بحَرفيته، وهذا يتناقض مع مبدا العدالة والمساواة في الحقوق.

ولعل اكثر ما يبرر الغاء عقوبة الاعدام هو الخطأ المحتمل في الحكم، اذ ان القاضي انسان وكل انسان خطّاء ومها كان القاضي بارعا في تطبيق القانون فان تعقيدات بعض الدعاوى وملابساتها ومكر البشر قد يوقعه في الخطأ، ولولا احتمال الخطأ في القرار القضائي لما أقرّت قوانين الاصول والمرافعات بمبدأ التقاضي على درجتين او على ثلاث درجات احياناً ( الاستئناف والنقض)، ولما اقرت ايضا بإعادة المحاكمة في حال ظهور أدلة جديدة ولو بعد انبرام الحكم، ولكن ما الفائدة من اعادة المحاكمة ان فقد المحكوم عليه حياته، ولعل ابلغ كلام في احتمال الخطأ القضائي هو الحديث الشريف للرسول محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال: ( انما انا بشر وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم الحن بحجته من بعض فاقضي له على نحو ما اسمع منه، فمن قضيت له من حق اخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً فإنما اقطع له قطعة من النار).

وبعد ان ذكرنا ما يستند اليه البعض من مبررات في طلب تطبيق عقوبة الاعدام  وما يستند اليه البعض الآخر في الغائها، نرى ان مبررات الفريق الاول والتي قد تكون مقنعة أحيانا خاصة تلك المتعلقة بالردع الخاص (المتهم) والردع العام (المجتمع)، الا ان هذه العقوبة قد تشكل شرارة العنف والعمليات الانتقامية التي قد تهلك المجتمع ان تم اعدام المعارضين السياسيين، كما ان كل مبررات الفريق الاول تسقط أمام شهقة مظلوم لحظة شد الحبل في عنقه او اطلاق رصاصة الموت عليه او بغير ذلك من وسائل الاعدام الحكومية.لا سيما وان هذه العقوبة اصبحت وسيلة بيد انظمة الحكم الدكتاتورية للتخلص من خصومها السياسيين الذين يعكرون عليهم “حلاوة” استبدادهم.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: الظرف الاستثنائي يستوجب وحدة الصف والتضحية والصبر

عبدالباسط سيدا_ كاتب وباحث كان من الواضح اليقيني أن التحديات ستكون كبيرة جسيمة بعد استفتاء الاستقلال، ...