الرئيسية | مقالات | رياض علي _الفيدرالية مطلب المجلس الوطني الكردي ولكن …

رياض علي _الفيدرالية مطلب المجلس الوطني الكردي ولكن …

رياض علي

يبدو ان طرح مسالة شكل الدولة السورية القادمة يعتبر من اكثر المواضيع المثيرة للجدل لدى السوريين في الوقت الحاضر. وهذه المسألة تلقي بظلالها على طريقة بناء دستور جديد يلبي طموحات الشعب السوري الذي ضحَّى بالكثير في سبيل رؤية سورية جديدة متحررة من التسلط والاستبداد. ولا شك ان هذا الانعكاس والترابط بين شكل الدولة وبناء الدستور امر طبيعي وصحي، لان الدستور يجب أن ينص في متنه على شكل الدولة القادمة، وهل ستكون اتحادية أم بسيطة؟.

وأُثير شكل الدولة بسبب وجود توجهات ورؤى لدى البعض، ولاسيما من الكرد، بأن تكون سورية دولة اتحادية فيدرالية. في المقابل نرى البعض الآخر، ولا سيما من العرب، يرفضون هذا الطرح بحجة ان الفيدرالية قد تؤدي الى تفتيت سورية، وانفصال بعض الاقاليم او الولايات عن سورية ولا سيما تلك التي سيشكل فيها الكرد الاغلبية. لكن هذه الحجج تبدو واهية ولا اساس قانوني أو تاريخي لها. وفي الغالب الأعم، فان السبب الأساسي الذي يتكئ عليه رافضو الفيدرالية هو مجرد ردة فعل غير مدروسة، لكون المشروع طرحه االكرد. ومن المعروف أنه ثمَّة الكثير من التقارير والمعلومات المغلوطة التي تسمّ الكرد بالانفصاليين. ولان الكثير من السوريين ما يزالون مسيَّرين بفكر البعث، رغم شقهم لعصا الطاعة على هذا الحزب.

ومن خلال النظر في تجارب الأنظمة الفيدرالية في العالم نرى ان تلك المخاوف من التفتيت والانفصال لا مبرر لها. على العكس، النظام الفيدرالي يزيد من تلاحم أبناء الولايات أوالاقاليم، حتى الاسم يدلّ على التوحد والتلاحم لا على الانفصال والتقسيم. فالدولة الفيدرالية توصف بالاتحادية لا بالانفصالية او المقسمة.

المجلس الوطني الكردي، كأحد التشكيلات السياسيّة المعبّرة عن طموحات وتطلعات قسم كبير من الشعب الكردي في سورية، هو اول من طرح فكرة النظام الفيدرالي. وهذا الطرح يشكل الصيغة الافضل لسورية الحديثة، ويلبي رغبات الشعب السوري الذي يسعى الى التخلص من الدكتاتورية التي تلازمت مع النظام المركزي في سورية. كما ان الدول ذات الأنظمة الفيدرالية تعتبر من بين الدول المتقدمة والديمقراطية في العالم كالولايات المتحدة الامريكية والمانيا والامارات العربية المتحدة، الا ان هذا الطرح لم يستطع ان يلامس رضا وقناعة باقي مكونات الشعب السوري، وذلك لأنه بقي طرحا هُلامياً زئبقياً يفتقر الى رؤية واضحة ومكتوبة حتى يمكن اقناع باقي الشركاء بها. اذ ان الطرح الهلامي المتأرجح بين الفيدرالية العرقية والفيدرالية الجغرافية سيزيد من مخاوف الآخرين، وسيوسِّع من رقعة المعارضين للنظام الفيدرالي بدلاً من تقليصها. فتارةً نسمع من بعض أعضاء المجلس بأن الفيدرالية المطلوبة يجب ان تقوم على أساس جغرافي لا عرقي، وتارةً اخرى نرى البعض منهم يلمِّح الى الأساس العرقي او القومي للفيدرالية. مثل هذه التناقضات والرؤى غير الواضحة تزيد من فجوة الخلاف بين الداعين للفيدرالية والرافضين لها، وتساعد الفئة الاخيرة على اقناع الرماديين بالاصطفاف ضد هذا الشكل من الحكم والإدارة.

كما جاء اعلان حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) الفيدرالية في المقاطعات الثلاث (الجزيرة وعفرين وكوباني) من جانب واحد ليعزز من مواقف المناوئين للنظام الفيدرالي. خاصة أن الفيدرالية المعنية لم تكن الا شكلية لا أساس قانوني أو واقعي لها ولا تحقق الشروط الدنيا للفيدرالية، كون جميع مؤسسات الدولة لا تزال تُدار من قبل النظام السوري كالسجل المدني والعقاري والقضاء وغيرها. حيث ان محاكم الشعب العائدة للادارة الذاتية لا تستطيع حتى هذه اللحظة ان تقوم بتثبيت عقد بيع عقار، لأن السجل العقاري لا ينفذ الا قرارات محاكم النظام السوري. ولا تزال رواتب موظفي الدولة تُدفع من قبل النظام السوري. ولأن هذا الحزب يُشاع عنه تنسيقه وتحالفه مع النظام السوري الذي أمعن في تقتيل الشعب السوري وتهجيره، خصوصاً في السنوات الست الماضية، فان أي طرح من أي طرف حليف للنظام السوري سيقابل بالرفض من قبل غالبية الشعب السوري كنوع من ردة الفعل. ويفترض بدعاة الفيدرالية تفهّم ردّات الفعل هذه من شعب نصفه مهجَّر وعُشره بين قتيل ومشوه ومختفي. ناهيك عن ان هذا النظام كرَّس التقسيم الواقعي لسورية من خلال عمليات التهجير القسري والتي تسمى زوراً بالمصالحة الوطنية، وقد تكون الفيدرالية هي الحل لاعادة توحيد سورية المُقسمة واقعياً.

جملة القول، يفترض بالمجلس الوطني الكردي في سوريا الذي طرح مشروع الفيدرالية أن يعمل لأجل التسويق له واقناع الشركاء الآخرين به، وأن يكرِّس جزءاً من وقته وجهده في سبيل وضع رؤية واضحة، معلَّلة ويمكن تطبيقها على أرض الواقع، من خلال اقامة ورشات عمل وجلسات حوارية يتم فيها الاستعانة بأشخاص من ذوي الاختصاص والخبرة في هذا المجال للخروج بورقة سليمة ودقيقة تستند إلى تجارب الدول الرائدة في مجال تطبيق النظام الفيدرالي، وتبين مزايا هذا النظام ونقاط القوة فيه في الحالة السورية، وتسلط الضوء على المخاوف التي تنتاب الفئة التي تخشى هذا النظام، وتضع الخطط اللازمة لتبديد تلك المخاوف، ومن ثم القيام بحملات توعية ترويجية لتلك الورقة.

وأعتقد ان قوة أية فكرة تنبع من الداخل ومن قناعة الشركاء بها، والا ستبقى حالة التوتر وعدم الارتياح تطفو على السطح وتتحكم في المنطقة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رسالة للعرب حول القضيّة الكرديّة

د. كمال اللبواني  المصدر :ليفانت لم أشعر أنّه من المفيد أو المجدي إجراء حوار أيديولوجي ...