الرئيسية | مقالات | رياض علي _تركيا والاستعجال لانشاء المنطقة الآمنة

رياض علي _تركيا والاستعجال لانشاء المنطقة الآمنة

القاضي رياض علي

يلاحظ المتتبع لتصريحات تركيا وتهديداتها، الاستعجال غير المسبوق من قبلها على ملف “المنطقة الآمنة” في شرقي الفرات، أو ما تم تسميته لاحقا وبضغط أمريكي بـ”ممر السلام”، والغاية منه، وبغض النظر عن التسمية، هو حسب ما تصرح به تركيا حماية الأمن القومي التركي من خطر حزب الاتحاد الديمقراطي (البيدا)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا والموصوف لديها كحزب إرهابي، لكن بالرجوع إلى السنوات الست الماضية والتي اشتد فيها عود هذا الحزب عسكريا، سنرى بأن الأخير لم يقم بأي عمل عدائي فعلي من داخل الأراضي السورية، مناطق نفوذه، ضد الدولة التركية، عدا التصريحات والتهديدات والعنتريات التي تتردد صداها في فضاءات التواصل الاجتماعي لا أكثر.

نعم الغاية هي حماية الأمن القومي التركي، لكن الإتكاء على البيدا كحجة لتحقيق هذه الغاية أصبح أمراً مستهلكاً و عوداً محترقاً، بل تركيا كانت تجد طوال العقود الماضية أن الوجود الكردي على طول الحدود داخل سوريا ووجود تداخل جغرافي وتاريخي ومجتمعي وثقافي بينهم وبين أكراد تركيا، يشكل من وجهة نظرها تهديداً للأمن القومي التركي، ولم تكن قادرة بحكم الظروف الطبيعية والقواعد والاعراف الدولية على التدخل في الشؤون الداخلية لدولة جارة، والتلاعب بالتركيبة الديموغرافية للجزء الشمالي لهذه الدولة، على الرغم من وجود تفاهمات أمنية ومخابراتية بين الدولتين حول هذه المسألة، وكانت حكومة البعث في سوريا تحاول فرض واقع جديد على المناطق التي يشكل فيها الكرد الغالبية، وتمثل ذلك بالحزام العربي النابع من فكر وتخطيط الملازم أول محمد طلب هلال، والذي تم تنفيذ جزء منه واستقدام البعض من أهالي محافظة الرقة ممن غمرت أراضيهم بمياه نهر الفرات، ومنحهم أراضي زراعية تمت مصادرتها من مالكيها الأكراد بلا مسوغ قانوني، وكذلك من خلال تعريب أسماء القرى والمدن الكردية، ومنع الأكراد من التحدث بلغتهم الأم، وغير ذلك من الاجراءات التي يطول الحديث عنها ولا يمكن أن نجملها بهذا المقال.

وبالعودة إلى المشروع التركي في المنطقة، فإن تركيا وجدت الفرصة سانحة أمامها في هذه الظروف للتدخل بحجج عدة، منها حماية المدنيين والقضاء على التطرف والارهاب وحماية الأمن القومي التركي، وجميع تلك الحجج والذرائع يمكن تلخيصها بالخوف من المد الكردي في سوريا، وما سينتج عنه من تأثير واهتزازات على تركيا التي يشكل فيها الاكراد أكثر من خُمس سكانها، وهذا الامر ليس اتهاما لتركيا بل واقع الحال يؤكد ذلك ولا سيما في منطقة عفرين ذات الاغلبية الكردية شبه الكلية، حيث ان تركيا وبعد سيطرتها على المنطقة أصبحت تتدخل في كل شاردة وواردة، إذ تقوم بتعيين موظفي السجل المدني وموظفي المحاكم وقضاتها، وتعيين قادة الفصائل العسكرية، وعناصر الشرطة المدنية وترفيعهم وتمويلهم بالرواتب، وقد نتج عن هذه التصرفات فرعنة تلك القوى والمؤسسات، حيث تتم مصادرة الاراضي والمساكن والاستيلاء عليها بشكل شبه يومي من قبل تلك المجموعات المسلحة، ويتم طرد مالكيها الكرد منها وإسكان عناصر تلك المجموعات فيها، وقد صارحني أحد القضاة العاملين في منطقة عفرين بأن أكثر من تسعين بالمئة من الدعاوي التي تنظر أمام المحاكم تتعلق بغصب العقارات والاستيلاء غير المشروع عليها.

إضافة إلى قيام السجل المدني (النفوس) بمنح بطاقات شخصية جديدة للنازحين تفيد بأن الأمانة هي عفرين، بالاضافة الى تهجير أهالي المنطقة عنوة وبوسائل مختلفة أقلها خطف الأشخاص وطلب الفدية من ذويهم، الأمر الذي يبث الرعب في قلوب الاهالي ويدفعهم إلى الهجرة إن استطاعوا اليها سبيلا، ولا أعتقد هنا بأن القارئ لهذه السطور سيظن بأننا ضد استقبال النازحين في هذه المنطقة أو تلك، بل على العكس فهذا الأمر واجب على كل سوري تجاه أخيه السوري المظلوم، لكن ما نقصده هنا هو أن لا يتم استقدام النازحين ليتم الاستقواء بهم واستخدامهم لطرد السكان الاصليين، وأن لا يشعر الأهالي بانهم أصبحوا غرباء في أرضهم وخائفين على حيواتهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا حال أهل عفرين للأسف.

وعلى الرغم من كل تلك الانتهاكات والجرائم التي أرتكبت وترتكب في عفرين (المثال الحي على التدخل التركي)، فان تركيا تعتزم إعادة التجربة في شرقي الفرات وعلى الأخص في الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، وقد تزامن هذا الاستعجال مع اشتداد الهجمة الشرسة على إدلب من قبل نظام الاجرام في سوريا وحليفتيه روسيا وإيران، شركاء تركيا في اتفاقيات “خفض التصعيد” المتكررة والعقيمة، ومع قيام الحكومة التركية بتضييق الخناق على السوريين المقيمين في تركيا، من خلال إعادة كل من لايحمل بطاقة حماية مؤقتة (الكملك) صادرة عن ذات الولاية التي يسكنها الشخص المعني إلى سوريا، وكأن سوريا أصبحت بلداً آمنا ووضعت الحرب أوزارها، إضافة إلى التصريحات النارية التي يطلقها المسؤولون الأتراك بين الحين والآخر، ضد اللاجئين السوريين الضعفاء، وكان الهدف من كل ذلك هو الرغبة بإسكان العائدين “طواعية” من تركيا وكذلك النازحين الجدد من محافظة إدلب في “المنطقة الآمنة” التي تحلم بها تركيا، كما حصل أثناء ترحيل أهالي الغوطة الشرقية وإسكانهم في عفرين.

لكن الولايات المتحدة الامريكية وقفت في وجه الحلم التركي كعقاب لها على صفقة الإس 400 التي عقدتها مع روسيا، واستطاعت بالترغيب حينا وبالترهيب حينا آخرإقناعها بالتوقيع على اتفاق مبدئي يقبل الكثير من التأويل ويحتاج الكثير من التفصيل، وغيَّرَ الكثير من أدوات التنفيذ وأبعد شبح مشاركة تلك المجموعات المرتزقة في إدارة “المنطقة الآمنة” أو “ممر السلام”، وإعادة تجربة عفرين المتمثلة بتهجير سكانها الأصليين وتغيير بنيتها الديموغرافية، ولم تكن الخيارات كثيرة أمام تركيا سيما بعد أن أكد وزير الدفاع الامريكي بأن “أي تحرك تركي أحادي الجانب لن يكون مقبولا وسنمنعه” وبعد أن رفضت الولايات المتحدة تزويد تركيا بإحداثيات أماكن تواجد قواعدها العسكرية في منطقة شرق الفرات، وهو مافهمته تركيا بأن أي هجوم على أي نقطة أمريكية ولو خطأً سيكلف تركيا الكثير، لذلك قبلت تركيا بهذا الاتفاق لحفظ ماء الوجه.

لكن هذا لا يعني أن نعول كثيرا على الموقف الأمريكي، لأن قرارات الدول تعتمد على المصالح لا على الأخلاق، والولايات المتحدة لم تتخذ هذا الموقف كرمى عيون الكرد كما يظن البعض، لكن جرت الأمور وفق نظرية العرض والطلب الاقتصادية ولم يكن بإمكان تركيا أن تلبي طلب الولايات المتحدة، الا وهو الانسحاب من الاتفاق المبرم مع روسيا بخصوص الإس 400 ، كون تركيا تعلم بانها غارقة إلى حد كبير في المحور الروسي ولا يمكنها الخروج منه بسهولة، وليس بإمكانها الإرتماء بالحضن الأمريكي الذي قد لا يطول دفؤه كثيراً، وتحاول قدر الإمكان مسك العصا من المنتصف، لذلك من الممكن أن تتغير الموازين وتتحرك البازارات مجدداً، ولا سيما بعد التطورات الأخيرة في إدلب وما كشفته من صمت تركي على استيلاء موسكو والنظام على المناطق الاستراتيجية في إدلب وخاصة طريق حلب دمشق الدولي، مقابل سماح موسكو لها بالتحرك لإنشاء حلمها “بالمنطقة الآمنة”، وما كشفته أيضا من صمت واشنطن الذي يشير إلى أنها ليست بعيدة عن كل تلك التفاهمات إن لم تكن هي من تديرها.

لذلك يتوجب على أبناء المنطقة بكردها وعربها وسريانها وجميع فسيفسائها التنبه لهذا الأمر، والتنسيق فيما بينهم للحيلولة دون إعادة تجربة عفرين في شرقي الفرات، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق البيدا، من خلال فك الارتباط مع حزب العمال الكردستاني، وإلغاء مظاهر التسلح قرب الحدود التركية والقبول بإشراك باقي المكونات والقوى السياسية بشكل فعلي في إدارة المنطقة، بشكل يزيل الذرائع التي تتوكأ عليها تركيا، مع قناعتي بصعوبة اتخاذ هكذا قرار من حزب محكوم من قيادات قنديل التابعة فعليا للمحور الإيراني.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جنكيز تشاندار_ماذا يتضمن الاتفاق العسكري الأمريكي- التركي؟

جنكيز تشاندار- المونيتور ترجمة: مصطفى إسماعيل صورة مترجم المقال مصطفى اسماعيل حين قال الأمريكان بشكل ...