الرئيسية | دراسات | رياض علي_الدفاع المدني السوري: بين القانون الدولي واتهامات النظام

رياض علي_الدفاع المدني السوري: بين القانون الدولي واتهامات النظام

قاضي سوري، دبلوم في القانون الدولي من جامعة دمشق، عمل قاضيًا في سورية لمدة تزيد عن العشر سنوات، له العديد من المقالات والأبحاث المنشورة.

مقدمة

بعد أن تحوّل الحراك السلمي في سورية إلى صراع مسلح، وبعد التزايد المروع في أعداد الجرحى والقتلى، بسبب الغياب التام لمؤسسات الدولة في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السوري؛ ظهرت الحاجة الملحة إلى وجود مؤسسات بديلة، وكانت منها مؤسسة الدفاع المدني، التي أُسّست في أواخر عام 2012 وبداية عام 2013، على شكل فرق تطوعية نظمت نفسها بنفسها، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2014 أخذت الشكل المؤسساتي الحالي، وأخذت على عاتقها مهمة إنقاذ ضحايا القصف الجوي والأرضي، وذلك من خلال كوادر بشرية متطوعة لهذه الغاية، وكذلك حماية الممتلكات المتضررة من الحرب والحفاظ عليها، عبر استخدام مقار وعربات وأجهزة مخصصة لهذه الغاية. ويتم دعم هذه المؤسسة من قبل منظمات دولية إنسانية، كما أن فِرق الدفاع المدني تستخدم لباسًا خاصًا، وشارة مميزة وخاصة (تتمثل بخريطة سورية بلون أزرق وبداخلها خوذة بيضاء على أرضية صفراء) وتم وضع هذه الشارة المميزة على الألبسة والعربات والمقار، وقد فرض النزاع الدائر في سورية على السوريين التفكير في إيجاد هذه المؤسسة للتخفيف -قدر الإمكان- من ويلات هذه الحرب المجنونة، ويُعدّ هذا العمل الإنساني مثار ترحيب وتقدير السوريين وغير السوريين، بل إن الدفاع المدني السوري كان مرشحًا قويًا لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2016، إلا أنه حصل على الجائزة السويدية (رايت لايفليهود) التي كثيرًا ما يُشار إليها باسم (نوبل البديلة)، كما نالت منظمة (الخوذ البيضاء) جائزة الأوسكار على أفضل فيلم وثائقي قصير لعام 2017.

إلا أن النظام السوري لم يألُ جهدًا في مهاجمة هذه المؤسسة، لفظًا وفعلًا، حيث إنه وصف -في أكثر من مناسبة- الدفاع المدني بالإرهاب والإجرام، وقامت قواته، بدعم روسي إيراني، بمهاجمة مقار وأجهزة وأفراد الدفاع المدني، مسببة كثيرًا من الخسائر والأضرار في الأرواح والأجهزة والممتلكات. ونحاول هنا تقييم عمل الدفاع المدني، وفقًا للقوانين والأعراف الدولية، وتوضيح عمله هل كان متوافقًا مع تلك القوانين والأعراف أم لا، وهل كان عمل النظام السوري بحق هذه المؤسسة مشروعًا وفق القانون الدولي الإنساني أم لا؟

التعريف بالدفاع المدني

ذكرت المادة 61 من البروتوكول الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 أن الدفاع المدني يتمثل بأداء بعض أو جميع المهام الإنسانية، الرامية إلى حماية السكان المدنيين ضد أخطار الأعمال العدائية أو الكوارث ومساعدتهم في التعافي من آثارها الفورية، كذلك تأمين الظروف اللازمة لبقائهم، وحددت المادة المذكورة مهام الدفاع المدني، بالإنذار والإجلاء وتهيئة المخابئ والإنقاذ والخدمات الطبية ومكافحة الحرائق، وتقصي المناطق الخطرة ورسمها بالعلامات، وتوفير المأوى والمؤن في حالات الطوارئ، ودفن الموتى في حالات الطوارئ. وتم تحديد أجهزة الدفاع المدني بالمعدات والإمدادات ووسائل النقل التي يستخدمها أشخاص الدفاع المدني لأداء المهام المذكورة.

حقيقةً إن مهام الدفاع المدني تشمل الكوارث الطبيعية (زلازل، براكين، أعاصير، فيضانات، حرائق، آفات زراعية… إلخ) والكوارث الإرادية المخطط لها من قبل الإنسان (النزاعات المسلحة، الدولية وغير ذات الطابع الدولي، الحرائق الكبرى، تلويث المياه والتربة… إلخ)، وما يهمنا في هذه الورقة هو دورُ الدفاع المدني ومهامه في النزاعات المسلحة.

وبحسب قواعد القانون الدولي الإنساني، فإن أجهزة وأفراد ومباني الدفاع المدني تتمتع بالحماية القانونية، ولا يجوز استهدافها من قبل أي من أطراف النزاع، ما دامت فرق الدفاع المدني تلتزم الحيادية ولا تتدخل في الأعمال الحربية، وإنما تقوم بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح وممتلكات تتأثر بالنزاع الدائر، بل إن هذه الحماية تمتد لتشمل الأفراد المدنيين الذين يستجيبون لنداء السلطات المختصة، ويؤدون مهام الدفاع المدني تحت إشرافها.

غير أن هذه الحماية المكفولة لفرق الدفاع المدني تُعلَّق، إن ارتكبت الأخيرة -خارج نطاق مهامها- أعمالًا ضارة بالطرف الآخر للنزاع، أو تم استخدام مبانيها ولوازمها لذلك، بيد أن هذه الحماية لا توقف إلا بعد توجيه إنذار تُحدد فيه مهلة معقولة ثم لا تستجيب فرق الدفاع المدني للإنذار. وحسب علمنا ومتابعتنا للوضع السوري لم تسجل أي حالة إنذار مسبق من قبل النظام السوري لفرق الدفاع المدني، قبل شن أي هجوم.

استنادًا إلى ما ذكر؛ يمكن تعريف الدفاع المدني في حالة النزاع المسلح بأنه “مجموعة أفراد أخذوا على عاتقهم مهمة التخفيف من آثار النزاع المسلح، وذلك بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح وممتلكات، مستخدمين أجهزة ومباني مخصصة لهذه الغاية، ويتمتع هذا الكيان بالحماية القانونية لدى كل أطراف النزاع؛ ما دام ملتزمًا قواعد القانون الدولي الإنساني”.

توصيف النزاع الدائر في سورية وفق القانون الدولي

منذ عام 2012، قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتوصيف النزاع الدائر في سورية بأنه “نزاع مسلح غير ذي طابع دولي”، كما أن أغلب القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن بخصوص سورية وصفت الوضع في سورية بـ “النزاع”، وطالبت أطرافه بالتزام قواعد القانون الدولي الإنساني، ومعلوم أن النزاع لا يمكن أن يكون إلا نزاعًا دوليًا (بين دولتين أو أكثر)، أو نزاعًا غير ذي طابع دولي (بين دولـ / ـة ومجموعات مسلحة تحمل السلاح علنًا) وهذي هي الحال في سورية، كما أن القانون الدولي الإنساني المتمثل باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 ولحقيها الإضافيين لعام 1977، يطبق فقط في حالة النزاعات المسلحة (الدولية وغير الدولية)، ناهيك عن المطالبات المتكررة، في جلسات مجلس الأمن الدولي، لإحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية، وقد بقيت بلا جدوى بسبب الفيتو/حق النقض الروسي الصيني.

إن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بموجب قرارها رقم 248/ 71، أنشأت الآلية الدولية المحايدة المستقلة للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للأشخاص المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة، وفق تصنيف القانون الدولي، المرتكبة في سورية منذ آذار/ مارس 2011، ومعلوم أن الجرائم الأشد خطورة هي الجرائم الواردة في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، وهي جرائم الحرب والعدوان وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية (المادة 5 من نظام روما)، وكذلك الحال بالنسبة إلى قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 71/1 تاريخ 22/8/2011 المتضمن إنشاء لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية.

زد على كل ذلك أن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف، من خلال مبعوثها الخاص ستيفان دي ميستورا، تحت مظلة القرار رقم 2254 لعام 2015 السابق ذكره، وكذلك مسار أستانا الذي نجم عنه توقيع العديد من اتفاقيات “خفض التصعيد” بين نظام الأسد والمعارضة المسلحة، بضمان الدول الضامنة الثلاث تركيا وإيران وروسيا، تؤكد -بما لا يدع مجالًا للشك- أن النزاع الدائر في سورية هو نزاع مسلح غير دولي، وبالتالي يترتب على جميع الأطراف المتنازعة احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وهذا يشمل بالتأكيد تلك القواعد المتعلقة باحترام أعيان الدفاع المدني وعناصره.

مدى إلزامية القانون الدولي الإنساني

يُعتبر القانون الدولي الإنساني فرعًا من فروع القانون الدولي العام، وبالتالي فإن الحديث عن مدى إلزامية الأصل ينسحب تلقائيًا على الفرع، ويتألف القانون الدولي من مجموعة قواعد قانونية ملزمة، تنظم العلاقات بين أشخاص القانون الدولي، ويعتبر انتهاك تلك القواعد عملًا غير مشروع يرتب المسؤولية القانونية، وهذا ما يميزها عن المجاملات الدولية والأخلاق الدولية.

حسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من ميثاق الأمم المتحدة، ويُعد بدوره دستور العلاقات الدولية، فإن مصادر القانون الدولي هي المعاهدات والعادات والأعراف الدولية، ومن ثم المبادئ العامة للقانون والسوابق القضائية وآراء كبار الفقهاء، وهذا يعني أن على الأطراف المتحاربة في سورية، دولًا ومجموعات، الالتزام باتفاقيات جنيف الأربع ولحقيها الإضافيين، والتي تنظم قواعد النزاع المسلح، الدولي وغير الدولي، وقد نصت المادة الثالثة المشتركة بين الاتفاقيات الأربع، بأنه في حال قيام نزاع مسلح غير دولي، فإن الدول المتعاقدة تلتزم حماية الأشخاص الذين لم يشتركوا في الأعمال العدائية، وبالتالي يتوجب على النظام السوري الالتزام بعدم استهداف فرق الدفاع المدني، ما دامت لم تشارك في النزاع.

كما أن ضرورة احترام وحماية فرق وأعيان الغوث الإنساني تعدّ من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، وفق القاعدتين (31 و32) من القواعد العرفية التي أعدتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى أن توقيع حوالي 160 دولة على البروتوكولين الإضافيين يؤكد تواتر الدول على الالتزام بممارسة تلك القواعد، إضافة إلى وجود شعور عام بضرورة احترامها، أي الممارسة والاعتقاد القانوني بإلزاميتها، وهذا ما يشكل القانون الدولي الإنساني العرفي، الذي يشكل المصدر الثاني من مصادر القانون الدولي حسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وهذا يرتب الالتزام القانوني على النظام السوري بضرورة احترام القواعد الواردة في البروتوكولين الإضافيين لعام 1977.

كما أن القضاء الدولي أكد -في أكثر من مناسبة- الطابعَ العرفي لقواعد القانون الدولي الإنساني، وأن الاتفاقيات الناظمة لقواعد القانون الإنساني ليست سوى تدوين للقواعد العرفية، فعلى سبيل المثال في قضية الأنشطة العسكرية وشبه العسكرية، في نيكاراغوا وضدها عام 1986، ذكرت محكمة العدل الدولية أن على الولايات المتحدة أن تحترم وأن تفرض احترام اتفاقيات جنيف، وبالتالي أن لا تشجع أشخاصًا أو مجموعات تشارك في النزاع على خرق أحكام المادة الأولى لاتفاقيات جنيف الأربع، ووصفت المحكمة المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف بأنها تتضمن مبادئ أساسية عامة للقانون الإنساني، يتعين على كل الدول الالتزام بها، وفيما يتعلق بالبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 أكدت محكمة العدل الدولية أن جميع الدول ملتزمة بهذه القواعد التي كانت، عند اعتمادها، مجرد تعبير عن القانون العرفي الذي كان قائمًا قبلها.

زد على كل ذلك أن القوانين السورية الداخلية أشارت في أكثر من مناسبة إلى أولوية القانون الدولي والمعاهدات الدولية على القوانين الداخلية، فقد ورد -مثلًا- في ديباجة دستور سورية لعام 2012 أن السلم والأمن الدوليين يعدان هدفًا أساسيًا وخيارًا استراتيجيًا تعمل سورية على تحقيقهما في ظل القانون الدولي، وهذا يؤكد الإقرار بسمو القانون الدولي، كما أن المادة 25 من القانون المدني السوري والمادة 312 من قانون أصول المحاكمات المدنية رقم 1 لعام 2016 أكدتا أيضًا سمو المعاهدات الدولية على القوانين الداخلية.

مدى شرعية اتهامات النظام السوري لعناصر الدفاع المدني

على الرغم من أن مؤسسة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) العاملة في سورية كانت مرشحة بقوة لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2016، نظرًا إلى الجهود الإنسانية التي تقوم بها بهدف حماية أرواح وممتلكات المدنيين، نتيجة القصف الأرضي والجوي الذي تعرض له السوريون طوال السنوات السبع الماضية، فإن نظام الأسد، بدعم روسي إيراني، هاجمها مرارًا وتكرارًا، ولم يكتفِ بالهجوم اللفظي بل تجاوز ذلك إلى حد قصف مقارها وعرباتها التي تستخدم أصلًا في عمليات الإنقاذ، بل إن ممثل نظام الأسد لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري استغرب من طلب إحدى وكالات الأمم المتحدة إخراج 76 عنصرًا من عناصر (الخوذ البيضاء) “الإرهابيين” من الغوطة الشرقية!

إن نظرنا إلى تصرفات وأفعال نظام الأسد والقوات الحليفة له تجاه (الخوذ البيضاء)؛ فسنجد أن تلك التصرفات والأفعال غير شرعية ولا تتوافق البتة مع قواعد القانون الدولي الإنساني، المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 ولحقيها الإضافيين لعام 1977، ولا مع القواعد العرفية منها، ولا نرى داعيًا لتكرار تلك القواعد هنا، كونه قد سبق ذكرها في الفقرات السابقة، وذلك لأن فرق الدفاع المدني موضوع البحث قد التزمت مبدأ الحياد والاستقلالية، حتى نظام الأسد نفسه لم يثبت قيام عناصر (الخوذ البيضاء) بحمل السلاح ضد أي طرف من الأطراف المتحاربة لصالح طرف آخر، كما أنهم لا يحملون حتى الأسلحة الخفيفة، بهدف الدفاع عن النفس، مع أن القانون الدولي الإنساني قد سمح لأفراد الدفاع المدني بحملها، كما أن فرق الدفاع المدني قد اتخذوا لأنفسهم شارة محددة ولباسًا بعينه يميزهم من غيرهم، لذلك لا يمكن لأحد التذرع بعدم إمكانية تمييزهم من القوى المقاتلة، بل إن تلك الهجمات، ولا سيما المتمثلة بالقصف المتعمد، ترقى إلى مرتبة جرائم الحرب، حيث اعتبر نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 أن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربع، وكذلك تعمد توجيه ضربات عسكرية ضد المواقع المدنية، أو ضد منشآت أو وحدات أو مركبات تستخدم في المهمات الإنسانية، بمثابة جرائم حرب، صحيح أن سورية لم تصادق على نظام روما، لكنها وقعت عليه، وهذا يرتب عليها الالتزام بعدم القيام بأي عمل يشكل انتهاكًا لموضوع هذه المعاهدة (نظام روما) وفق ما تم النص عليه في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، وتعتبر الدولة ملزمة أيضًا بالامتناع عن الإجراءات التي قد تؤدي إلى إضعاف وتقويض أهداف الاتفاقية، غير أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لم ترتب المؤيد الجزائي (العقوبة) على الدول التي تخالف هذه القاعدة، ومع ذلك فإن هذا الالتزام يبقى التزامًا أخلاقيًا على الدولة الموقعة، ويسبب لها الحرج أمام المجتمع الدولي، في حال مخالفة القاعدة المذكورة، وهذا ما دفع روسيا مثلًا إلى سحب توقيعها من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية بتاريخ 16/ 11/ 2016 بعد أن مضى أكثر من ستة عشر عامًا على توقيعها عليه.

لا يمكن لنظام الأسد والقوى الحليفة له التذرع بأن هؤلاء يعملون فقط في المناطق الخارجة عن سيطرته، وذلك لأن نظام الأسد يتهمهم بالإجرام والإرهاب، وهذا يعني أن مجرد انتقالهم إلى مناطق سيطرة الأسد سيتبعه القبض عليهم، وإحالتهم إلى “محكمة الإرهاب”، إن افترضنا جدلًا الالتزام باتباع الإجراءات القانونية بحقهم، وهذا ما لا نتوقعه من قبل نظام الأسد، بحكم تجربتنا الطويلة والمريرة معه، وكذلك من خلال العبارات الفضفاضة التي تحتمل أكثر من تأويل، ووردت في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012، والقانون رقم 22 لعام 2012 القاضي بإحداث محكمة تختص بالنظر في قضايا الإرهاب.

نتيجة

نخلص مما ذكرناه في الأسطر السابقة إلى أن عمل (الخوذ البيضاء) في سورية هو عمل إنساني إغاثي، يتوافق مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ومع البروتوكول الأول لعام 1977، طالما أنها التزمت الاستقلالية والحياد، واتخذت لها لباسًا مميزًا موحدًا وشارة مميزة، وبالتالي يجب على جميع أطراف النزاع، وفي مقدمتها النظام السوري والقوى الحليفة له، احترام أعيان وعناصر الدفاع المدني، وعدم استهدافها أو مهاجمتها، لا بل حمايتها، إلا أن النظام السوري تعمد مهاجمتها وقتل عدد كبير من أفرادها، ولم يقتصر الأمر على الدفاع المدني بل استهدف -عمدًا- الكثير من المؤسسات التعليمية والمشافي الميدانية، ولم ينتابه أي شعور بالذنب بهذا الخصوص، بل كان يصرح بين الحين والآخر، على قنواته الرسمية، بأنه قد تم ضبط مشفى ميداني هنا وهناك، وكأن المشفى هو أداة جرمية توجب معاقبة كل من كان يعمل فيها!.

إن مهاجمة هذه المؤسسة -بأي شكل كان- وقتل أفرادِها وتدمير مقارها وممتلكاتها، يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي، المكتوب والعرفي، ويرقى إلى مرتبة جرائم الحرب، وفقًا لنظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، ويجب على الأمم المتحدة، من خلال مجلس الأمن الدولي، إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو تشكيل محكمة خاصة للنظر في الجرائم المرتكبة في سورية منذ عام 2011، تمهيدًا لمحاكمة جميع مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي ارتكبت -وما تزال- في سورية، وهذا سيشكل الحد الأدنى المطلوب منها، طالما أنها قد أخذت على عاتقها مهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، وفق ما ورد في المادة الأولى من ميثاقها لعام 1945، وإن كانت راغبة فعلًا في إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب، كما ورد في ديباجة الميثاق المذكور.

المصدر:جيرون

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين شاكر: الشيرازي وملاي جزيري من تلميذ من؟

حسين شاكر_صحفي وباحث    ملخص   دراسة الشعر الصوفي الذي اختصت فيه طائفة نادرة من ...