الرئيسية | مقالات | صالح كيلو نعسان _سوريا والشرق الاوسط بين إمبرياليات متعددة الجنسية

صالح كيلو نعسان _سوريا والشرق الاوسط بين إمبرياليات متعددة الجنسية

صالح كيلو نعسان: كاتب كردي سوري

عندما يفكّر أحدنا بالكتابة عن الواقع الذي يعيشه، ولديه رغبة جامحة في نقل معاناته ومعانات الآخرين إلى دائرة أوسع، قبل وبعد تشويهها، من قِبَل الطغمة الدائرة في فلك النظام، أو تجّار الحروب، أو البلطجية، أو الشبيحة، أو ممتهني التعفيش، او الأشكال الأخرى من محترفي الجريمة المنظّمة واللصوصية، تحت شعارات الدين، القومية أو الوطنية…، يدخل المرء في دوامةٍ لا قرار لها؛ هل يخوض معركةً محمومةً ضد بعض الكَتَبَةِ الذين امتهنوا الدياثة بكل اشكالها القبيحة؟ أم يكتب دراساتٍ موسّعة، ردّاً على الباحثين القومجين العرب، الذي احترفوا تشويه حقائق التاريخ منذ عهد معاوية بن ابي سفيان، كنهج مدروس ومتّفق عليه، غايته تمكين الغزاة البدو غير المنتجين من السلبطة على إنتاج الآخر الأكثر تحضّراً وعلماً وإنتاجاً، ثم إلغائه، والحلول محلّه بالتدريج؟.

فتتحوّل الدراسات إلى عمل عقيم، مهما كان فيها من أدّلة موثّوقة تدين رأيهم. لأن الغاية غير سامية، وهي مبيّتة ومخطط لها منذ ذلك الزمن الغابر.

أم يفتح المرء حواراً كتابياً وشفهياً طويلاً بقصد إصلاح الحركة الكردية في سوريا، بشقيها الستاليني العجوز الذي يعيش أيامه الأخيرة وفي حالة الموت السريري، والستاليني الغيفاري المتهوّر، الذي يمارس لعبة المراهقة السياسية بكل أبعادها التراجيدية المؤلمة؟، أم ينتقد المرء اليسار السوري الذي باع مبادئه السياسية، وشرفه الأبوستومولوجي، حتى قِيَمَهُ الأيديولوجية المتوفاة بحكم التقادم، للطغمة التوليتاريتية، لقاء امتيازات شخصية بخسة؟، أم يسجّل ملاحظاته المؤلمة جداً على تخبّطات من استملكوا قيادة الثورة السورية، وَسَمَّوا أنفسهم “المجلس الوطني السوري”، وفيما بعد “الائتلاف الوطني”، أو “وفد المعارضة التفاوضي”؟، وسمّاهم الآخرون “وفد الرياض” او “وفد تركيا”…الخ، الذين سجّلوا رقماً قياسياً في إنقاص عدد الدول التي سمّوها أصدقاء سوريا من مائة وعشرين دولة الى دولة واحدة، كانت تموّلهم بسخاء، وحوّلوا منحى الثورة السورية، من ثورة وطنية جامعة تنادي بإسقاط دولة ديكتاترية، وإقامة أُخرى ديموقراطية، إلى ثورة طائفية، تتصارع أطرافها من أجل حَلِّ إشكالٍ ثيولوجي ناتج عن صراع سياسي منذ ألفٍ وأربعمائة عام، ليقوم بوظيفة منع تمدد دولة على جغرافية ونفوذ دول أخرى، ومنع قيام دولة ديموقراطية في قلب منطقة الشرق الآوسط التي تتحكم برقاب شعوبها مجموعة من الديكتاوريات العسكرية الفاسدة، وسلالات من أمراء النفط الأكثر فساداً وجهلااً؟.

أم يناقش المرء الصراع الدولي على سوريا، واستماتة دولتين تسمّيان الأعظم في العالم، ودول أخرى، على مناطق النفوذ، ومساهماتها في قتل الشعب السوري، بلا رادع أخلاقي أو إنساني، وتهجير الملايين بأساليب تنفيها حتى قوانين الدفاع عن الحيوان، والسكوت على المذابح اليومية التي يرتكبها النظام بحق نساء وشيوخ وأطفال سوريا، وتحويل البلد الى مكان لتصفية الحسابات القديمة، ولربما فيما بعد، نهب خيراته الكامنة، وتحويله الى قاعدة للتحكّم بمناطق الطاقة، وممراً لإيصالها الى البحر الأبيض المتوسط، ومركزاً لإستهلاك منتجاتها الصناعية والغذائية؟. وذلك بعد الوصول إلى الإتفاق القسري على مناطق النفوذ، وبيع الأسلحة المتراكمة في المعامل، وتجربة الحديثة منها على اجساد اطفال سوريا… او يدخل المرء في تحليل طويل الى عمق العقل الاستراتيجي الأميركي، مع زغينيو بريجنسكي (1928 – 2017 Zbigniew Brzenski) وكتابه “رقعة الشطرنج الكبرى”: (The grand chessboard) الذي دعا فيه الى تفكيك النظام الإقليمي العربي، واللعب على وتر الطائفية، لإعادة تشكيله على اسس مذهبية وعرقية. أو مع السيدة كوندليزا رايز وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق وشعار “الفوضى الخلاقة”  Creative Chaos   الذي تبنته الماسونية قديماً، ورفعته رايز في عام ٢٠٠٥ بقصد نشر الديموقراطية في العالم العربي وتشكيل ”الشرق الأوسط الجديد“، حسب ادعائها حينذاك. أو يدخل المرء في معمة ليس لها نهاية مع السيد مايلز كوبلاند (1916-1991 Miles Copeland ) في كتابه الشهير “لعبة الأمم ” The game of nations”   والذي قيل عنه انه هزّ العالم، وخاصة العالم العربي، وأربك العديد من زعمائه.

السيد كوبلاند الذي كان ضابطاً في المخابرات المركزية الأميريكية، يقول: إن الأمريكيين هم الذين حرضوا حسني الزعيم وأديب الشيشكلي على انقلاب عام ١٩٤٩ في دمشق من اجل تمرير خط البترول العراقي، وخط التابلاين الى الساحل السوري. إضافة إلى أنه في بداية الكتاب، يبّين الحاجة الماسّة للولايات المتحدة الأميركية كدولة عظمى، خرجت لتوّها منتصرة من الحرب العالمية الثانية، الى بلد مثل سوريا التي يعتبرها بوابة البحر الأبيض المتوسط ومفتاح الشرق الأوسط، ومركزاً استراتيجياً مهمّاً جداً لبناءِ علاقات جيدة مع دولها، ومن ثم الإشراف منها على ادارة المنطقة التي تحتوي أكبر مخزون للطاقة. مختصر الموضوع ووفق كوبلاند، إن الولايات المتحدة الأميركية لم تتخلَّ عن أطماعها الاستراتيجية منذ انقلاب حسني الزعيم، ولربما ارتخت في فترة تسليم سوريا الى عبدالناصر رجل أمريكا، كما يدّعي كوبلاند، وأيام إنفصال سوريا عن مصر، وفي فترة انقلاب البعث. لكن بعد حكم حافظ الأسد، أعادت الكَرَّة بأشكال مختلفة، منها خمسة انقلابات غير ناجحة، كما تؤكد بعض الأوساط السياسية والإعلامية. لربما يكون السبب الأساسي في عدم تمكن الأميركين من النجاح في إزاحة حكم آل الأسد هو علاقة النظام السوري مع الإتحاد السوفياتي، وطريقة حافظ الأسد في لعب السياسة التي لم تكن تخلو من علاقات معمقة من تحت الطاولة مع الأمريكيين، مع إبقاء مساحة أمل بتطويرها في المستقبل. لكن الذي بقي ثابتاً بخصوص سوريا هو رأي الأمريكيين القديم والمتجدد دائما. لأن هذه الدولة البراغماتية العظمى، وككل الدول التي تقدّمت في مجال العلم والتكنولوجيا، ونظمت إدارة الحياة لمواطنيها، معتمدة على أفكار مفكّريها وفلاسفتها المتميّزين، واعتمدت فكر عالم النفس وفيلسوف البراغماتية وليم جيمس (1842-1910) الذي أعتبر أن نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة. فإذا كانت البراغماتية تعني النفعية او الزرائعية، ذلك يعني ان السياسة الأمريكية تعتبر ان كل ما هو مفيد لها وقابل للنجاح، فهو جدير باهتمامها. لكن، ومع الأسف، فإن هذه السياسة، في أكثر الأحيان، وفي الصراع من اجل تحقيقها، لا تحسب حساب حجم الضرر الملحق بغير الأمريكي.

في هذا الصدد، يجب الانتباه الى أن سوريا طوال سبعة وأربعين عاماً من حكم عائلة الأسد، كانت منطقة نفوذ للإمبراطورية السوفياتية المترامية الأطراف، التي كانت تدير الدول الواقعة تحت نفوذها بطريقة فجّة تنمّ عن تبعية مطلقة. لتترك خلفها في العالم الثالث، بعد سقوطها، سلالاتٍ من التوليتارتيات، وشعوباً مقهورة تعاني الجوع والفقر والتخلّف. وفيما بعد انهيارها للدولة الروسية التي لم تغيّر في الممارسة العملية مع البلدان المرتبطة بعلاقات معها شيئاً سوى الشعارات.

أما العلاقة الإيرانية مع سوريا، فإنها تطوّرت بعد وفاة حافظ الأسد، بعكس ما كانت عليه في أيامه. فقد كان الأسد الأب يحرّك ايران وفق رغباته ومصالحه. بينما في العهد الحالي، هيمنت ايران بشكل كامل على سوريا. وأكثر من ذلك، وصلت الى حدٍ من الصلافة اعتبرت فيه أن أربعة عواصم عربية صارت محافظات إيرانية. وتمادت ظهران حتى كادت العنجهية الفارسية ان توصل بملالي ايران في القرن الواحد والعشرين إلى اعتبار أنفسهم سادة العالم كله، عن طريق استغلال حاجة البسطاء وسذاجتهم، وبهدر مال الشعب الإيراني، وبث الروح في المثيولوجيا الدينية، وإحياء كل الخزعبلات الثيولوجية التي رفضها الدين. نفسه منذ زمن بعيد. كل ذلك، لأن مصالح الدول الكبرى اقتضت إزاحة الشاه، الديكتاتور الذي لم يلبِ مطالبهم، كما يجب، وإقامة ديكتاورية أخرى أكثر خضوعاً وهيمنة، لِتُولَد جمهورية الملالي التوتاليتارية البطريياركية التي وُضِعَ على رأسها آية الله روح الله الموسوي الخميني، بعد ممارس الذكر والعبادة في محراب جامع إذاعة مونتي كارلو لمدة اشهر، والحصول على الموافقة المطلقة من عند الله لحكم البشر في ايران. والانتشار فيما بعد، والتمدد في ارض الله الواسعة كيفما شاء، وأينما اتجه.

في الأخير، وبعد قليلٍ من التحليل وكثيرٍ من الحيرة وشيء من استعراض الواقع المؤلم، ربما كان ضرورياً الإشارة إلى أسباب تبخّر الحلم الوطني السوري الجميل. وذلك كنوع من التنفيث عمّا تراكم في اللاشعور الجمعي للسورين الذين اصيبوا بإحباط صار مزمناً، بعد أكثر من ست سنوات من الانتظار المضني.

بعد قيام الثورة السورية كان متوقعاً، وفق ظروف ذلك الوقت، ان تبقى سلمية. وبالفعل، استمرت حالات الاحتجاجات المدنيّة بكل اشكالها لمدة أشهر قبل ظهور الطابع الطائفي للثورة، لتندفع باتجاه العمل المسلح بالتدريج، والذي بدى وكأن مجموعة من دول المنطقة كانت تقف وراءه وكل دولة حسب مصالحها وغاياتها طبعاً. دولة قطر كانت في الواجهة الى جانب الدعم اللوجستي والعملياتي من قبل تركيا. وبعد فشل جميع محاولات الوساطة مع النظام، حيث كان لقطر مجموعة أهداف؛ أولاً لأن هذه الدولة بطبيعتها هاوية خلق المشاكل لجيرانها وعلى رأسهم السعودية منذ زمن بعيد. وثانيا من اجل الانتقام من النظام السوري الذي أخلَّ باتفاقية تمديد انبوب الغاز القطري الذي وقّع عليه الطرفان في عام ٢٠٠٩ الى ساحل البحر الأبيض المتوسط، بعد طلب ايران واعتراض روسيا على المشروع.

ثالثاً، كانت قطر تدفع مساعدات سخية للمعارضة السورية عن طريق الإخوان المسلمين حصراً، بهدف تسليمهم قيادة الثورة السورية، وضمان حكم سوريا بواسطة ديكتاتورية دينية، ما يستبعد أي تفكير بدولة ديموقراطية. وخاصة وأن مصر (محمد مرسي) وتركيا (طيب أردوغان) سندان اخوانيان قويان. دون تفكير بالحد الأدني أن جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، فشلت في كل المشاريع التي خاضتها. وهي غير موثوق بها من الشعب السوري. لأن قيادات الجماعة تجار دين، متخلّفون، وأيديولوجيتهم لا تستطيع قيادة شعب متنوع ومتنور مثل الشعب السوري.

واستمرت الثورة السورية وأستمر الأخوان بتلقي المساعدات. وانتقلت المعارضة السورية بقيادة الإخوان من مطب سيّئ إلى آخر أكثير سوءاً. وتدخّلت الدول الكبرى. وحضرت “داعش” الوليمة في منتصفها. واختلط الحابل بالنابل. وفشل العسكر الذي أسسته معارضة الإخوان، بعد استبعاد القادة العسكرين المحترفين، وتجنيد باعة الخضار وآخرين مثلهم. وانتعش النظام. فدخلت سوريا ومنطقة الشرق الأوسط في نفق صراع بين امبرياليات متعددة الجنسية، وفي دوامة بلا قرار، ومرحلة ضبابية ودموية، قد يكون أوان انقشاعها ليس بقريب.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...