الرئيسية | Uncategorized | صبيحة خليل: الاستفتاء الكردي والإرهاب الدولي

صبيحة خليل: الاستفتاء الكردي والإرهاب الدولي

صبيحة خليل: كاتبة وناشطة نسوية وسياسية

 

يحاول المجتمع الدولي الاختباء خلف الإرهاب الدولي المتمثل بتنظيمي “القاعدة” و”داعش” للتهرب من استحقاقات تخصّ قضايا شعوب منطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد. مثل القضية السورية والعراقية وتداخلاتها مع القضية الكردية، وتنامي الدور الإيراني وما إلى ذلك. آخر تلك المواقف كانت حيال استفتاء كرد العراق، حيث لاقى صداً غربياً وأمريكيا باهتاً، ما شكل صدمة للشارع الكردي الذي طالما اعتمد في مشروعية قضيته على مساندة تلك الدول.

كانت مظلومية الكرد، على الدوام، بمثابة الذراع المكسورة في جسد تلك الدول التي تتقاسم كردستان، ليقوم صناع القرار الدولي بالضغط عليها، كلما تطلبت مصالحهم ذلك، ليس حباً بالكرد ولا تعاطفاً مع عدالة قضيتهم، إنما لزيادة أعباء تلك الدول المارقة، وشد الوثاق حول رقابها من أجل دفعها لتقديم تنازلات أو تحقيق مصالح سياسية كانت أم اقتصادية. لذا، أولى نِعَم الاستفتاء الكردي والتي تجحف بها الدول الإقليمية، أنها ستطلق سراحها من التبعية والعبودية لصناع القرار الدوليين لصالح الرفاه والاستقرار. هذا إذا أدركت تلك الدول أن ترك القضية الكردية معلقة تضعهم دائماً أمام احتمالات مفتوحة للابتزاز، وتدفعهم نحو مآلات حرجة وغير مضمونة.

وبالعودة لمشكلة الإرهاب العابر للحدود، نجد أنه وبالرغم من انخراط الكرد بكل إمكاناتهم وقوتهم وتضحياتهم في التحالف الدولي الذي يقود حربه الشرسة ضد قوى الظلام والقتل، لكن تلك التضحيات لم تشفع لهم بتمرير الاستفتاء، وكأن الكرد سعداء بتمدد هذا الطاعون أو أنهم كانوا يوماً ما من داعميه؟. متناسين أن “داعش” و”القاعدة” ليست بالنهاية سوى إحدى تركات سياسات القوى الدولية المتعامية حيال النظم الشمولية التي فتكت بشعوبها، ما دفعها لهذا الانتحار الجماعي. فما زالت مخلفات سياساتهم الضارة في التعامل مع الملف العراقي بادية للعيان، عندما أطلقوا يد النظام السوري والإيراني ليحلا محل نظام صدام حسين، وكأن شيئاً لم يتغير!. ما مهّد الأرض لإعادة إنتاج الطائفية المقيتة حتى تزيد من تعقيدات المرحلة وصراعاتها .

ولا يخفى على أحد أن الكرد جاؤوا في مقدمة ضحايا هذا الإرهاب المصطنع والمقام تحت رعاية نظامين مارقين؛ السوري والإيراني، وبحماس من يتامى البعث العراقي. ناهيكم عن فتاوى “سماحة” السلطان أردوغان، والتي صبّت في مصلحة تلك السياسات المغذية للإرهاب.

ما يطلبه الغرب اليوم من تأجيل للاستفتاء يدخل تحت بند البرغماتية الحديثة التي أسس لها باراك أوباما، في إعادة صياغات المصالح الأمريكية والغربية على حساب مصالح شعوب المنطقة وتأجيل قضية إنهاء النظم الشمولية. والكرد بوصفهم، حسب تلك السياسات، ليسوا أكثر من أوراق ضغط. لذا، ما عليهم سوى الانتظار في طابور أدوار سياسية لاحقة بما تقتضي وضرورات المصالح العالمية، وبما يمليه مزاج المايسترو الأمريكي، لفتح مزادات حرية جديدة للشعوب المقهورة. وكأن محرقة “داعش” وما قدمه الكرد إزاء سياسات إيران والبعثين العراقي والسوري والعسكر التركي، غير كافٍ وجدير بتحررهم.

يدرك الجميع أن جحافل البعث العراقي الذي بدّل جلده أمام أعين الأمريكان، بعد الإطاحة بنظام صدام، صارت أدوات طيّعة بين أيدي النظامين السوري والإيراني. وتم منح هؤلاء كفايتهم من الوقت ليمارسوا طقوس البشاعة في القتل والفتك. اليوم يتعلل ويتعذر الأمريكان بحجة تفاقم الإرهاب، رغبتهم في عراق موحد. ولا ندري هل كانت أمريكا تنتظر مثلاً أن توحّد إيران العراقيين حين أغمضت عينيها عن “الحرس الثوري” وقوات “الباسيج” التي صارت جزءاً من الجيش العراقي؟.

اليوم، وبعد عقد ونيف من الفوضى الأمريكية الخلاقة واللا أخلاقية، كما قالها روبرت فورد، ما زال هناك صدى لمنع قيام دولة كردستان، وكأن الجماعات الإسلامية الراديكالية التي دعمتها أمريكا وأنتجت “القاعدة” فيما بعد، منتصف سبعينات وثمانينات القرن الماضي، لمحاربة الكفار “السوفييت” ما زالت باقية وتتمدد برعاية كردية. وصولاً إلى سلسلة لانهاية من الحشود القابلة للتمدد مثل الحشد الشعبي الشيعي والحوثي واللبناني المتمثل بـ”حزب الله”. كل ذلك، بما يتناسب مع الحاجة الدائمة لابتزاز الشعوب على مقدراتها وحرياتها.

إنه لمن الضروري بمكان أن يترافق إصرار الرئيس مسعود البرزاني على خطوة ممارسة الاستفتاء، والدخول في اللحظة التاريخية وتلاوة فاتحة الرحمة على إرث “سايكس-بيكو” الثقيل، مع جملة من التغييرات فيما يخص ترتيبات البيت الداخلي الكردي لمواجهة التحديات المقبلة. أولها؛ فتح الحياة الديمقراطية على مصراعيها، وتحرير القضاء من المحسوبيات، وحماية الاستثمارات قانونياً، ورفع السوية الثقافية والاجتماعية فيما يخص قضايا المرأة والتعليم والبحوث والدراسات، وخلق مؤسسات إعلامية خارج السطوة الحزبية، مع تحييد مؤسسات البيشمركة عن الحياة العامة والسياسية.

إن المضي نحو الاستفتاء بدون تحديد المشاكل وتصنيفها وتناولها حسب الأولويات، يخلخل الإجماع الكردي العراقي، ويفقد الثقة بجدوى الاستفتاء، ويفتح باب التأويلات لجر خلافات المحاصصة مجدداً. لذا، لابد من الاتفاق على جملة المبادئ العليا التي ينبغي عدم المساس بها. مع الاعتراف بالاختلاف كمنطلق نحو بناء دولة تساهم في استقرار المنطقة ونشر الديمقراطية فيها.

على الغرب التوقف عن استخدام ورقة “الإرهاب الدولي” في وجهه المعادي لحريات الشعوب، التي قد يُفهم منها؛ إرهاب المجتمع الدولي، لكبح إرادة الشعوب.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد المجيد محمد خلف: تهميش الكرد وتشويه صورتهم في الدراما السورية

عبد المجيد محمد خلف_روائي وناقد- سوريا   صور التلفاز كاذبة ومخادعة، لكنها تأتي منطقية؛ لتصادق ...