الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا: الوضع الكردي السوري: تحديات الراهن والمستقبل

عبدالباسط سيدا: الوضع الكردي السوري: تحديات الراهن والمستقبل

 عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث  

 

 

الوضع الكردي السوري ليس على ما يُرام. هذه حقيقة تعترف بها النخب الكردية التي تتناول الموضوع بمسؤولية، وبمعزلٍ عن الحسابات الشخصية والشللية، أو الحزبية.

لقد فوّت الكرد السوريون فرصة تاريخية، كان في مقدورهم بموجبها أن يكونوا عاملاً مؤثراً في الوضع السوري الداخلي، وأن يضمنوا في المقابل حقوقهم القومية الديمقراطية ضمن إطار المشروع الوطني السوري.

والأحزاب الكردية السورية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال. فهي قد أخذت على عاتقها مسؤولية كل شاردة وواردة في المجتمع الكردي. ومن دون أن يطالبها أحد بذلك وفق الطرق الديمقراطية المعهودة بطبيعة الحال، ومن دون أن تمتلك المقومات المطلوبة لمثل هذه مهمة، ومن دون أي سعي لامتلاكها.

ولكن مع ذلك فقد ترك الناس لها المجال، وقد أثبتت التجارب العديدة أن الكرد كانوا يساعدون هذه الأحزاب ويتضامنون معها، وذلك في حالات توافقها على ما كانوا يعتبرونه مصلحة عامة، ولكن في حالات التبعثر والانقسام والمناكفات الحزبية، كان الحجم الحقيقي لكل حزب من الأحزاب المعنية يظهر للعلن، ويتبين للجميع عجزها ومحدودية تاثير دورها في غياب حاضنة شعبية فاعلة.

وهنا علينا أن نميّز بين أمرين هما: القضية الكردية في سورية التي تخص الكرد كلهم، والأحزاب الكردية التي من المفروض أنها تجسد التعبير السياسي عن المطالب الكردية في سورية.

فالكرد السوريون تعرضوا على مدى عقود  لإضطهاد مزدوج، تمثّل في الظلم العام الذي نال السوريين جميعاً، ولكنهم في المقابل كانوا هدفاّ للسياسات التمييزية العنصرية التي اعتمدها ضدهم حكم حزب البعث بمراحله كافة، وبالتكامل مع هذا الإضطهاد، حُرم الكرد من جميع حقوقهم المشروعة من إدارية وسياسية واجتماعية وثقافية، وكانت مناطقهم – رغم غناها بالثروات الزراعية والباطنية، ولاسيما النفط- من أكثر مناطق البلاد تخلفاً ونهباً.

ومع بداية الثورة السورية لم تكن الأحزاب الكردية في أفضل حالاتها، بل كانت تعاني من الإنقسامات المستمرة، والخلافات المزمنة، وتنوء تحت ثقل ترهّل القيادات التي لم تكن مؤهلة لفهم طبيعة التحوّلات والتحديات الجديدة، كما انها لم تكن قادرة على اتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، بل ظلّت بفعل عوامل عديدة – منها عدم القدرة على التحرر من تاثير الأجهزة الأمنية- مترددة حائرة غير قادرة على القيام بما هو مطلوب، فهي من جهة كانت متعاطفة مع الثورة، ولكنها في المقابل كانت تتحسّب للمخاطر التي قد تترتب على التاييد العلني لها، وفي هذا السياق، يتذكّر معظمنا مواقفها الأولى التي تمثلت في اتهام الشباب الكرد من المناصرين للثورة بمختلف الإتهامات الباطلة، كما أنها لجأت إلى تمزيق وحدة ضفوفهم، وسعت إلى تنظيم المظاهرات الموازية، ورفعت من سقف المطالب من دون أن توفر الحد الأدنى من المطلوب، أو تدرس الإمكانيات الحقيقية الموجودة، وقد تناغمت مجموعة من هذه الأحزاب قبل تاسيس المجلس الوطني الكردي مع الـ ب. ي. د. الذي دخل إلى الساحة الكردية السورية بتفاهم وتنسيق مباشرين مع النظام، بل وباتفاق أمني معه على توزيع المهام،وقد كانت الأحزاب المعنية على اطلاع تام بذلك، ولكنها مع ذلك كانت تمارس لعبة التضليل والتجاهل، وتتهرّب من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها في تلك اللحظة الفاصلة.

لقد استغل الـ ب. ي. د. القضية الكردية في سورية أبشع استغلال، وتمكّن من فرض نفوذه في مختلف المناطق الكردية بفعل القوة التي حصل عليها من جانب النظام، وتسبّب في تسميم أجواء العلاقات بين العرب والكرد، ولم يكن كل ذلك بعيداً عن الدور المتفق عليه مع النظام.

والمشكلة التي كانت بعد تاسيس المجلس الوطني الكردي أنه لم يكن كتلة متجانسة، ولو في حدودها الدنيا، بل كان يضم أحزاباًمتايبنة الأهداف والولاءات، الأمر الذي أدّى إلى تعطيل آلية اتخاذ القرار ضمن المجلس، وحال بينه وبين اتخاذ القرار المطلوب في الوقت المطلوب، فقد ظل على سبيل المثال يرواح بين المفاوضات مع المجلس الوطني السوري من جهة، والمفاوضات مع ما عرف بـ مجلس غربي كردستان من جهة أخرى، وهو المجلس الذيأوجده حزب العمال الكردستاني عبر فرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، وبناء على تفاهماته مع النظام، وتجدر الإشارة هنا إلى أن جميع الأحزاب الكردية السورية كانت على علم كامل بذلك، ولكنها كانت تتجاهل الحقيقة، بل وتشوهها.

هذا في حين أن المجلس الوطني السوري كان يدعو إلى المشروع الوطني السوري، وكان يتطلع بحماس نحو العمل المشترك مع المجلس الوطني الكردي بغية توحيد القوى السورية المناهضة للنظام، بغض النظر عن انتماءاتها القومية والدينية والمذهبية، وتوجهاتها السياسية، إلا أن بعض الأحزاب المعطِّلة ضمن المجلس الوطني الكردي كانت تنسق سراً، وأحيانا علانية، مع حزب الاتحاد الديمقراطي.

وباسلوب شعبوي تضليلي، مارست الأحزاب المعنية دعاية قوموية ديماغوجية بهدف دغدغة المشاعر القومية الكردية، وولدت انطاباعاً زائفاً عند الناس مفاده بأن الظروف قد باتت مواتية لتحقيق الحلم الكردي، ورفعت من سقف مطالبها، وهي تعلم علم اليقين استحالة تحققها، ولكنها كانت وسيلة هدفها إبعاد الكرد عن الثورة، ومن أجل هذا اتهمت الكرد الذين كانوا قد انضموا إلى الثورة السورية بأنهم ينفذون أجندات غيرهم، وأنهم قد تخلوا عن المطالب الكردية، هذا في حين أن ما تبين لاحقاًهو أن أصحاب تلك الدعوات هم الذين كانوا يلبّون في واقع الحال، سواء بصورة مباشرة أم غيرمباشرة، تعليمات الأجهزة الأمنية السورية التي كانت تعمل  بكل الوسائل، وبأي ثمن، من أجل ابعاد المكونات السورية غير العربية السنية عن الثورة.

ولعل هذا ما يفسر تجاهل الأحزاب المعنية للوثائق الهامة التي أصدرها المجلس الوطني السوري حول القضية الكردية في سورية، تلك الوثائق التي كانت تعد تقدّما نوعياً متوازناً في التعامل مع القضية المعنية على المستوى الوطني، وذلك مقارنة مع كل الوثائق التي كانت الأحزاب المعنية قد وقعتها سابقاً مع المعارضة السورية، سواء ضمن إعلان دمشق أو مع هيئة التنسيق، ومثل هذه المقارنة متاحة لكل الباحثين المهتمين الذين في مقدورهم الحصول على تلك الوثائق، ومعاينتها، والمقارنة في ما بينها، من أجل الوصول إلى حكم موضوعي محايد بشأنها.

والمجال هنا لا يتسع لتناول هذا الموضوع بكل أبعاده وتشعباته التي لا بد من تناولها في إطار جهود بحثية مستقبلية بقصد التقييم والتقويم.

الحركة الكردية السورية في حاجة ماسة إلى إصلاح حقيقي جذري على صعيد الرؤية والتنظيم والاعتماد على الذات، وتوسيع حدود التواصل مع الحاضنة الشعبية، والتركيز على أهمية دور منظمات المجتمع المدني غير الخاضعة للسياسات الحزبية، حتى تكون عامل توازن ومراقبة، تساهم في تكوين رأي عام كردي فاعل، يمارس مهام المساءلة والمحاسبة، ونبذ الممارسات والمواقف التي لا تخدم المصلحة الكردية ضمن الإطار الوطني السوري، وبموجب مشروع يطئمن الجميع على قاعدة الاعتراف بالخصوصيات وتأمين الحقوق، وإفساح المجال أمام الجميع للمشاركة والتشارك في الإدارة والثروات والامتيازات، التشارك في الحقوق والواجبات.

ومهمة مثل هذه لا يمكن إنجازها عبر مشاريع مستعجلة، غالباً ما تكون وسيلة لإشباع العقد الشخصية، أو تصفية لحسابات شللية أو شخصية، وإنما تستوجب تضافر الجهود الجادة الناضجة، التي تراعي وتوازن بمسؤولية بين  ماهية المطلوب وحدود الإمكانيات، وطبيعة الظروف الإقليمية والدولية في إطار مشروع بعيد المدى، هدفه تأمين مستقبل أفضل للأجيال الكردية السورية المقبلة، والسورية على وجه العموم، ضمن إطار المشروع الوطني السوري الذي لا بد أن يكون بالجميع وللجميع.

ومشروع كهذا لا يمكن أن يحقق شيئاً من دون الطاقات الشبابية الواعية التي تمتلك من المؤهلات المعرفية والتنظيمية،والخبرات غير الانتهازية، طاقات لم تلوثها بعد نزعات التسلّق والفساد والإفساد التي افسدت بكل أسف مجموعات شبابية تاثرت هي الآخرى بالواقع غير الصحي الذي خيّم على غالبية الأحزاب الكردية، تلك الأحزاب التي اتخذت من الشعارات القوموية غطاء لتحقيق مكاسب حزبية شللية، وشخصية باهتة على حساب المصلحة العامة.

وتمظهر كل ذلك في جملة من الآثار السلبية التي أضرّت، وستضرّ، بواقع القضية الكردية   ومستقبلها في سورية. ويُشار هنا إلى الهجرة المليونية، وتراجع التعليم، وخروج الكوادر العلمية وأصحاب الاختصاصات والإمكانيات من الوطن، وهيمنة واقع الياس، وغير ذلك من العوامل المحبطة التي تستوجب الدراسة والمتابعة والمعالجة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فرمان بونجق_الجيل الثاني من الآباء الروحيين للأمة

فرمان صالح بونجق_كاتب كُردي وهنا لا أقصد الأبوّة بمعناها الانتقائي، أو السردي، أو الإنشائي، أو ...