الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا: سورية بين تطلعات شعبها المشروعة والخذلان الدولي

عبدالباسط سيدا: سورية بين تطلعات شعبها المشروعة والخذلان الدولي

عبدالباسط سيدا: كاتب وباحث

 

أثناء الحديث مع صديق أوروبي، سألني عن طبيعة الأوضاع في سورية، فذكرت له أموراً عدّة منها؛ تطلعات السوريين وتوقعاتهم، والموقف الدولي التضليلي الذي أوهمهم بقرب الخلاص. وكيف أنهم اعتقدوا أن العالم “الحر” قرر أخيراً رفع الغطاء عن الأنظمة الاستبدادية الفاسدة المفسدة في منطقتنا، لتتمكن شعوبنا من بناء أوطانها، وتأمين مستقبل أفضل لأجيالنا المقبلة، بعيداً من الخوف والقهر والحرمان. وكان ذلك في مصلحة الجميع. فلا السوريون كانوا يرغبون في ترك بلادهم، والإنتشار في سائر البلدان لاجئين يبدأون حياتهم من الصفر. كما أن الدول التي استقبلت اللاجئين السوريين، خاصة الأوربية، كانت في غنى عن التفرغ لقضايا اللاجئين، والإنفاق عليهم، ومواجهة جملة مشكلات راهنة ومستقبلية، ابرزها حالة التفاعل الكارثية بين الإسلاموفوبيا والنزعات الإسلاموية المتشددة؛ وهي حالة تجسدت حتى الآن في مجموعة من العمليات الإرهابية في العديد من الدول الأوربية مثل فرنسا وألمانيا وبلجيكا والسويد واسبانيا. كما أنها ستؤثر على مدى العقود القادمة في التفكير الأوربي على المستوى الشعبي، وستؤدي إلى تنامي شعبية الأحزاب والقوى العنصرية واليمينية التي تبني سياساتها على أساس دغدغة هواجس الناس بخصوص القادم المجهول، إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه حالها. ولكن ما تبيّن لاحقاً هو أننا كنا متفائلين أكثر من اللازم. وكنا نبحث عن خير عام لصالح الجميع، في حين أن حسابات الدول المؤثرة كانت تتمحور حول الخير الخاص لصالحها، وعلى حساب شعوب منطقتنا.

لم يحصل الشعب السوري على الدعم الموعود من قبل مجموعة أصدقائه التي تضخمت في يوم ما حتى ترهلت. لم يتجاوز ذاك الدعم نطاق الشعارات والنتف التي كانت كفيلة باستمرارية الأزمة، واستنزاف الطاقات. وهكذا تعقدت الوضعية السورية، وتشابكت خيوط اللعبة ومساراتها بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.

حاول محدثي الأوروبي أن يحمّلنا المسؤولية قائلاً: “لكن مهمة تغيير نظام الحكم في بلدكم هي مهمتكم، فلماذا تعاتبون الآخرين لأنهم لم يساعدوكم في ذلك؟”. قلت له: أوافقك على الشق الأول مما ذهبت إليه. ولكننا نعاتبهم، ليس لأنهم لم يساعدوننا، بل لأنهم وفّروا كل الفرص لتأمين دعم مستمر للنظام، رغم كل الجرائم التي كانت وما زال يرتكبها بحق الشعب.

لم تتحرك الإدارة الأمريكية كما ينبغي في مجلس الأمن. ولم يتحرك الأوروبيون أيضاً. هذا في حين أن إيران، التي كانت وما زالت الأساس في بلاء السوريين، حصلت على كل ما تريد، مقابل اتفاقية يعترف الأمريكان أنفسهم بأنها أسوأ اتفاقية. وكان في مقدور مجموعة أصدقاء الشعب السوري التي تجاوز عدد أعضائها المئة، من بينها ثلاثة من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، التحرّك من خارج مجلس الأمن. ولكنها لم تتحرك، ولم تضغط كما ينبغي لإصدار قرار أممي يدين جرائم النظام مجرد إدانة، رغم كل المجازر والضربات الكيماوية والقصف المستمر على امتداد سنوات للمدن السورية ببراميل المتفجرة.

وظهر تنظيم “داعش” الإرهابي ليهيمن على المشهد برمته، وليتكامل دوره مع مزاعم النظام التي استهدفت منذ اللحظات الأولى للثورة السورية وربط الأخيرة بالإرهاب. ثم أتت الجولة الأولى للمفاوضات بين المعارضة والنظام. وكان الإلحاح الروسي على ضرورة تضافر الجانبين لمحاربة الإرهاب. وتتالت جولات جنيف الفاشلة. واستمرت الضغوط، وتغيرت الأولويات والمعطيات. وتوالدت المنصات، لتتشت جهود المعارضة وتتميّع، وتُتهم بالتقصير والعجز وتبديد الطاقات بالخلافات. وفي الوقت ذاته، تتنصل مجموعة أصدقاء الشعب السوري من مسؤولياتها، ويبقى الشعب السوري وحيداً في مواجهة الاستبداد والإرهاب، ويصبح مادة لتوافقات دولية، إقليمية، لم تتحدد ملامحها النهائية بعد.

على المستوى الميداني، تتجه سورية، خاصة بعد التوافق الأمريكي- الروسي الأخير في هامبورغ نحو صيغة من صيغ تقاسم مناطق النفوذ. أما على المستوى الإعلامي- السياسي فالجميع ما زال يتحدث عن أهمية وضرورة المحافظة على وحدة سورية، لأن كلفة عملية التقسيم النهائية وتبعاتها مرتفعة الأثمان بموجب ما يبدو حتى الآن. وجاءت تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون الجديدة بخصوص بشار الأسد لتؤكد ما ذهب إليه في المرة الأولى، ولتلغي مفعول التفسيرات التي قُدّمت للمعارضة. تلك التفسيرات التي حاول بعضهم، وفق منطق التمنيات والرغبات، تأويلها، واستخلاص ما لا تتضمنه، ولا تتقاطع معه.

ولكن مهما يكن، ومع  أن الثورة السورية أخفقت في تغيير نظام الحكم لصالح السوريين وشعوب المنطقة، وذلك بفعل تدخل المجتمع الدولي، وتقاعسه وصمته لصالح النظام، ولصالح حسابات لا تأخذ بعين الاعتبار معاناة وتضحيات وتطلعات السوريين، نرى أن الثورة السورية بوصفها كاشف أخلاقي، على حد تعبير الراحل الكبير صادق العظم، نجحت في هتك سر الجميع، وبينت زيف الشعارات والمزاعم، بل عرّت الحالة الكارثية التي تعاني منها المنظومة القيمية على المستوى العالمي.

ربما تمكنت الإرادة الدولية المتجسدة في الزعامات الإشكالية التي تقرر مصائر الدول والشعوب في مرحلتنا الراهنة، من فرض واقع ما بالقوة على السوريين. وربما تتمحور الخلافات في جولات جينف القادمة حول مسائل مطلبية، وقضايا محلية تحت مسميات مختلفة. ولكن الأجيال السورية المقبلة لن تنسى أبداً ما حصل. هذه الأجيال التي تحررت من الأوهام وعمليات تسطيح العقول والضمائر. ستستعين هذه الأجيال بذاكرتها وتجربة الآباء والأجداد بسلبياتها وايجابياتها، وستعتمد على معارفها وخبرتها في التواصل مع مختلف المجتمعات، خاصة الغربية منها، بفعل وضعية اللجوء الإلزامي. وستتمكن هذه الأجيال من الوصول إلى المفاصل الإعلامية والسياسية في المجتمعات الغربية، وستتمكن من اعادة تنظيم أنفسها باساليب جديدة، تتجاوز بموجبها عقلية التخندقات المذهبية والقومية والدينية، وتعالج مواطن الضعف والقصور التي كانت مؤسسات المعارضة وهيئاتها.

لن يتمكن بشار الأسد ولا غيره من حكم سورية مجدداً بالأسلوب ذاته. ولن يتمكن العالم كله من تأمين المضادات الحيوية التي ترغم الجسد السوري على القبول ببشار أو ربما ببديل عنه على شاكلته.

المرحلة صعبة للغاية، والجراح عميقة، نعترف بذلك. غير أن التغيّرات التي حدثت في المجتمع السوري هي تغيرات نوعية كبرى، قد لا تظهر نتائجها في الشهور أو في السنوات القادمة، ولكنها في نهاية المطاف ستفعل فعلها في المحصلة النهائية. ولن تقتصر آثارها على سورية وحدها، بل ستشمل المنطقة بأسرها. فالتاريخ بكل مراحله أثبت، ويثبت، أن سورية هي مفتاح الشرق الأوسط. ولهذا كان كل هذا الصراع الدولي، وما زال، فيها، وعليها.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هوشنك أوسي: كردستان العراق: البلاد الناهضة من تحت الأنقاض – 2

هوشنك أوسي _ كاتب وباحث كُردي عندما كانت الطائرة تحلّق فوق هولير – (أربيل)؛ عاصمة ...