الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا_أفكار أولية حول واقع القطاع الزراعي وامكانياته الواعدة في إقليم كردستان

عبدالباسط سيدا_أفكار أولية حول واقع القطاع الزراعي وامكانياته الواعدة في إقليم كردستان

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث 

يعود اهتمامي بالقطاع الزراعي إلى اسباب عدة في مقدمتها انتمائي إلى مجتمع زراعي في
منطقة الجزيرة، بل ترعرعي في أسرة كانت الزراعة بالنسبة إليها مصدر الرزق والفرح
والأمل. فقد كان الوالد يعمل في الزراعة إلى جانب التجارة، يزرع القمح والشعير وكذلك
الأعمام. وقد أخذنا المهنة منهم، فعملت أنا وأخوتي في الزراعة إلى جانب الدراسة. وبدأنا
بزراعة القطن والذرة والسمسم بالإضافة إلى القمح والشعير. وفي مرحلة العمل الحزبي
السري كنت أتنقل بين القرى الكردية في مختلف المناطق، سواء في الجزيرة أم كوباني أم
عفرين، واطلع بفضل ذلك على الواقع الزراعي من جهة نوعية المحاصيل، والآليات
المستخدمة، وواقع الملكيات الزراعية، واساليب حيازة الأرض، ونماذج الشراكة بين
المنتجين وأصحاب الأرض، إلى جانب المشكلات التي كان يعاني منها الفلاحون، وغير
ذلك من الأمور ذات الصلة بالعملية الزراعية.
ولكن إلى جانب هذه الاهتمامات والخبرات العملية، درست نماذج مختلفة من التجارب
الزراعية، وذلك سواء في المدرسة أم في الجامعة، أم عبر دراساتي الخاصة. كما كنت
حريصاً على تناول واقع النظام الزراعي الذي كنا نعيشه، وتحديد المقومات الضرورية
لتطويره مع طلابي في المرحلة الثانوية، ومن ثم في المرحلة الجامعية. وقد مكتني ظروف
السفر من الإطلاع على تجارب زراعية متعددة، في كل من لبنان، وليبيا، والسويد، وتركيا.
إلى جانب التجربة السورية بطبيعة الحال.
وأثناء زياراتي المتعددة إلى إقليم كردستان العراق، كنت ، وما زالت، أحاول الإطلاع على
الواقع الزراعي في الإقليم. وذلك من خلال أحاديثي مع المزراعين من أهل الريف، ومع
المسؤولين، والأكاديميين، والناس المتابعين، لا سيما السائقين الذي تتجمع لديهم الأخبار
عادة.
وخلاصة ما توصلت إليه حتى الآن حول وضع القطاع الزراعي في الإقليم، هو معاناته من
جملة عوامل معرقلة، تحد من قدرته على المنافسة، ولا تمكّن العاملين فيه من الاعتماد على

2

نتاجهم مصدراً أكيداً للعيش. هذا فضلاً عن التحولات السريعة التي طرأت على الأنماط
المعيشية للسكان، وتبدل المفاهيم والمعايير.
تحتاج الزراعة في الإقليم قبل كل شيء إلى البنية التحتية الضرورية المساعدة المتكاملة،
فهي تحتاج إلى تأمين الري المستدام عبر بناء شبكة من السدود النهرية والمطرية، كما
تحتاج إلى حفر الأقنية المطلوبة، وذلك وفق مخطط شامل متماسك، يشترك في وضعه
المختصون في الدوائر الزراعية المعنية، بالإضافة إلى الخبراء من المنتجين، وذلك يساعد
على تحقيق صيغة من التفاعل والربط بين المعارف النظرية والخبرات العملية، لتأتي
النتائج ملبية للحاجات الواقعية للقطاع الزراعي.
إلى جانب الري، تحتاج العملية الزراعية إلى شبكة من مستودعات التخزين، وصوامع
الحبوب، فضلاً عن المعامل والمشاغل التي من شأنها الإسهام في الاستفادة من فائض
المنتوجات الزراعية، لا سيما الخضروات والفواكه، وذلك نتيجة قابليتها للتلف السريع.
كما تحتاج العملية لزراعية الناجحة إلى التمويل الداعم المعقول، ويمكن تأمين ذلك عبر
المصارف الزراعية التي من شأنها تزويد المزراعين والفلاحين بالبذور والأسمدة التي
تشكل خطراً على الإنسان والبيئة، هذا إلى جانب قروض صغيرة، قصيرة الأجل، من أجل
تمكين المنتجين من الحصول على المعدات الضرورية لإدارة مشاريعهم.
ولكن كل ذلك لن يكون فاعلاً من دون وجود صيغة من صيغ الحماية الجمركية للفلاحين
والمنتجين الزراعيين. ففتح الحدود من دون أية ضوابط أمام المنتوجات الزراعية من دول
الجوار، أمر يحدّ كثيراً من قدرة الفلاحين على المنافسة، وبالتالي لا يمكّنهم من الاعتماد في
معيشتهم على مردود عملهم في المجال الزراعي. ومن بين ما يدفع بالناس إلى العزوف
عن العمل الزراعي أكثر هو امكانية الحصول على رواتب مرتفعة نسبياً من خلال
الحصول على وظائف حكومية سواء في البيشمركة أو الأجهزة الأمنية بمختلف
اختصاصاتها، أو التوجه نحو القطاع الخدمي الذي يحقق للمستثمرين فيه، في ظل ظروف
توفر السيولة النقدية، ارباحاً معقولة سريعة، ولكن هذا القطاع لا يؤدي الدور المطلوب
ضمن إطار عملية التطوير المتوازن التي تستوجب التركيز على القطاعات الإنتاجية أولاً،
ليكون قطاع الخدمات بمثابة صلة الوصل بين مختلف القطاعات، ويؤدي دور عامل تطوير
وتسهيل، وفي الوقت ذاته نتيجة من نتائج التقدم الحاصل في مختلف القطاعات الإنتاجية.
وما تجدر الإشارة إليه في سياق حديثنا عن أهمية النهوض بالقطاع الزراعي، هو امكانية
الاستفادة من الخبرات الزراعية الواسعة المتنوعة التي يمتلكها الكرد السوريون، وذلك
سواء من اللاجئين الموجودين في الإقليم، أو حتى بين من هم ما زالوا في الداخل السوري.
فأبناء منطقة عفرين يمتلكون خبرة متميزة في ميدان زراعة الزيتون وصناعة الزيت

3

والصابون على مستوى سوريا كلها، ويمكن الاستفادة من خبراتهم في هذا المجال، خاصة
وأن بيئة الإقليم مشابهة إلى حد كبير لبيئة منطقة عفرين. ومن خلال حديث سابق مع الأخ
عبدالعزيز طيب وزير الزراعة السابق في الإقليم علمت منه بأنهم قد نفذوا خطة زراعية
في هذا المجال، وتمت بموجبها زراعة نحو مليون و800 ألف شجرة زيتون في مختلف
المناطق.
إلى جانب الزيتون يمتلك أبناء عفرين خبرة واسعة في ميدان زراعة الرمان والفستق
“الحلبي”. أما أبناء منطقة كوباني فقد تمكنوا من تحقيق نهضة لافتة في ميدان زراعة
اشجار الفستق “الحلبي” واللوزيات. هذا في حين يمتلك أبناء منطقة الجزيرة خبرة واسعة
في زارعة الحبوب بأنواعها، والخضروات، والقطن. وأمر من هذا القبيل في حال تم الأخذ
به، وجرى العمل على تطبيقه إستناداً إلى دراسات وخطط واقعية فعلية، تأخذ بعين الاعتبار
أهمية أخذ صيغة من التوازن بين الإمكانيات والحاجات بعين الاعتبار، سيحدث نقلة نوعية
في واقع اللاجئين السوريين في الإقليم. فهؤلاء عوضاً عن أن يكونوا عبئاً على الإقليم،
يرهقونه بحاجتهم إلى المساعدة، سيتحولون إلى منتجين، يساهمون في النهضة الزراعية
التي يمتلك الإقليم كل مقوماتها.
وأخيراً، لابد من تأكيد أهمية التسويق لمحاصيل الإقليم، سواء داخل الأسواق المحلية في
الإقليم، أم على مستوى أسواق العراق، أم حتى عبرالتصدير إلى الدول الأوروبية. ويمكن
للجهات الحكومية المختصة أن تقوم بهذه العملية التي تستوجب مراعاة المواصفات
والمعايير العالمية التي ستمكن المنتوجات الزراعية الكردستانية من المنافسة الحرة من
موقع قوي. ولكن كل ذلك لن يتحقق من دون الحرص على استمرارية دعم المنتجين الذي
يتمثل بالدرجة الأولى في تمويلهم في مواجهة الكوارث وحالات الجفاف، حتى يكون في
استطاعتهم انجاز مشاريعهم، ودفع أثمان محاصليهم في الوقت المناسب، حتى يكون في
استطاعتهم انجاز مشاريعهم، ويتمكنوا من الإسهام الفاعل في العملية الانتاجية التي توفر
فرص العمل والدخل المناسب على مستوى الأفراد والمجتمع.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمران منصور

عمران منصور: التغريدة الكُردية في سوريا

عمران منصور_ محامي كُردي_ باريس الصدمة السياسية التي سببها القرار الأمريكي في تغريدة للرئيس الامريكي ...