الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا_حدثان تاريخيان متكاملان: استفتاء الاستقلال والتقدير الكبير لمام جلال

عبدالباسط سيدا_حدثان تاريخيان متكاملان: استفتاء الاستقلال والتقدير الكبير لمام جلال

 

عبدالباسط سيدا_ كاتب وباحث

 

 

 

ودّع الشعب الكردي والكردستاني عموماً الأمين العام للإتحاد الوطني الكردستاني، والرئيس العراقي السابق، مام جلال الطالباني إلى مثواه الأخير بوفاء أصيل، وحزن عميق، وأمل كبير بمستقبل أفضل.

مام جلال، اسم أقرب إلى عقول وأفئدة الكرد من سائر ألقابه، تلك الألقاب التي اكتسبت أهميتها من ارتباطها به، واستلهامها الخبرة والمعرفة منه.

كان الوداع مهيباً جليلاً. والمشهد فريداً معبراً مؤثراً، مشهد جسّد احساس الكرد بجسامة الخسارة، وتيقّنهم من مدى حاجة الظروف الدقيقة التي يمر بها إقليم كردستان العراق إلى عقلية استيعابية، قادرة على التعامل مع مختلف التباينات المشكلات، وتهيئة الأرضية لبلورة القواسم المشتركة، التي لا بد أن تتمحور حولها التفاهمات، ومن ثم التوافقات.

لقد كانت مناسبة الوداع الأخير لمام جلال بحجمها وطبيعة المشاركة الشعبية والسياسية غير المسبوقة، وبتنظيمها الدقيق والرسائل التي أُعطتها، لقد كانت هذه المناسبة المفعمة بالحزن، والأرق، والتطلع، والأمل، بمثابة تأكيد للقرار الكردستاني الداعي إلى الاستقلال. كما كانت الوجه الآخر المكمّل ليوم الاستفتاء الذي سيظل يوماً تاريخياً، تتذكره الأجيال المقبلة بفخر واعتزاز كبيرين.

ولكن ماذا بعد؟

قبل الاستفتاء كان التركيز على أهمية وحدة وتماسك الموقف الكردي تحديداً، والكردستاني بصورة عامة؛ وذلك لإدراك  الجميع التام بأن التحديات ستكون جدّية وجسيمة؛ ولن يكون من السهل التعامل معها من دون موقف عقلاني حكيم متوازن.

وفي مرحلة ما بعد الاستفتاء، يبقى تماسك الموقف الكردستاني ووحدته، هو الأساس في عملية التفاعل والتعامل مع الإجراءات العقابية، والتهديدات التي يتم الإعلان عنها هنا وهناك.

فطالما أن الموقف الداخلي موحّد صلب، فستكون التحديات أقل وطأة وشدة، وأمر كهذا يستوجب صبراً وقدرة على التحمّل. والاستعداد لجملة من التدابير التقشفية، والتخلي عن الكثير من الامتيازات، خاصة تلك التي لم تكن في محلها، بل كانت بفعل استغلال بعضهم لمواقعهم وعلاقاتهم، وعدم اكتراثهم بأهمية النهوض الفعلي باقتصاد الإقليم عبر توفير فرص العمل في الميادين الإنتاجية، لا سيما الزراعة. وتهيئة البنية التحتية الضرورية لتطوير قطاع الخدمات والمشاريع الانتاجية الصغيرة، خاصة الصناعية والحرفية منها التي تضمن فرص العمل من جهة، وتوفّر الحاجات الانتاجية والاستهلاكية من جهة أخرى .

الإقليم مقبل على مرحلة صعبة، وهذا كان متوقعاً ومحسوباً. ليست هناك ولادة من دون ألم، فكيف إذا كان الأمر يتصل بولادة دولة لشعب كان موضوعاً لكل مشاريع الإنهاء الوجودي الفيزيائي له؟

ولتجاوز مرحلة صعبة كهذه بأقل الخسائر الممكنة، لا بد من تضافر الجهود جميعها من جانب مختلف الشرائح الاجتماعية والأطراف السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الأهلية لسائر المكوّنات المجتمعية، وذلك من أجل التركيز على الأولويات من حاجات الناس، وتجاوز الكماليات، واتخاذ الإجراءات المناسبة التي تحد من الهدر، والإنفاق غير المسؤول. ووضع آلية واقعية لتنفيذ خطط وبرامج متكاملة، تنسجم مع مستلزمات واحتياجات الوضعية الجديدة؛ وفي مقدمة تلك الأولويات تأتي مهمة إعادة الاعتبار لدور الطبقة الوسطى الأمر الذي من شأنه تقليص الفجوة بين أولئك الذين يعانون من الضائقة الإقتصادية، وأولئك المنتشين بالتخمة الإقتصادية. فالفئات والشرائح الوسطى هي التي ستحافظ على التوزان المجتمعي، وتفتح الطريق أمام المبادرات الوطنية في الميدان الإقتصادي.

أما على الصعيد السياسي، فالإقليم في حاجة ماسة إلى الاستمرار في المحافظة على التوازن بين علاقاته الدولية والإقليمية. وقد تمكّنت القيادة الكردستانية من بناء علاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوربية، وكذلك مع روسيا الاتحادية، ومع الدول العربية خاصة مع المملكة العربية السعودية. هذا إلى جانب العلاقة من كل من تركيا وإيران رغم التشنج الأخير نتيجة التصريحات التي صدرت عن مسؤولي البلدين مؤخراً، وذلك في رد سلبي على نتائج استفتاء الاستقلال.

ولايخفى على أحد أن دور الرئيس مسعود البارزاني كان، وما زال، محورياً في بناء هذه العلاقات، وقد أثبت بصورة مستمرة حرصه الشديد على شعبه، واستعداده لتقديم كل التضحيات من أجل تأمين مستقبل حر كريم لهذا الشعب ولأجياله المقبلة. والمرحلة الصعبة التي يعيشها الإقليم حاليا تتطلب دعم هذا الموقف، والالتفاف حوله، بغية الاستعداد للقادم بموقف  صلب مسؤول ، يرتقي إلى مستوى التضحيات والتطلعات.

الموقع الجغرافي – السياسي الهام لكردستان العراق، إلى جانب الأبعاد الإقليمية والدولية للقضية الكردية، فضلاً عن الخصومات والمنافسات الإقليمية، وتداعيات الأوضاع الملتهبة في الجوار؛ كل ذلك وغيره، يُلزم القيادة الكردستانية بمعاينة المسائل بكامل الصبر والحكمة، ويتم ذلك عبر وحدة الموقف، والتركيز على الأولويات الأساسية، وتجاوز الحسابات والمنافسات الحزبية التي تضعف الطاقات، وتشتّتها في مسارات لا تنسجم مع طبيعة التحديات المنتظرة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محمد الحسيني:الواقعية السحرية والدلالات الرمزية في رواية * فقهاء الظلام * للأديب الكردي سليم بركات

محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي   سليم بركات الشاعر المبدع , يبدأ مشواره الروائي بالمفهوم المتداول ...