الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا_معالم حضارية في محافظة دهوك تنتظر الرعاية والعناية
عبد الباسط سيدا

عبدالباسط سيدا_معالم حضارية في محافظة دهوك تنتظر الرعاية والعناية

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث

كنا في الآونة الأخير في زيارة اطلاعية شملت بعض المواقع السياحية والأثرية في
محافظة دهوك، وذلك ضمن إطار رحلة نظمتها جامعة زاخو للمشاركين في الكونفرانس
العلمي الثالث الذي دعت إليه الجامعة عبر مركزها البحثي للدراسات، وكان عنوان
كونفرانس هذا العام: سياسة بريطانيا تجاه القضية الكردية.
من بين المناطق التي زرناها قلعة أو مدينة آميدي/ العمادية الشهيرة التي تستقر على قمة
صخرة كبيرة مزهوة بجمالها الجليل، وهيبتها الآسرة. ويُعتقد أن اسمها الأصلي هو آمات أو
آماتي الوارد في بعض المصادر الآشورية، تاريخ المدينة المعروف يعود إلى نحو ثلاثة
آلاف عام، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر ما يزيد عن الألف متر.
ما يلاحظه المرء بوضوح هو أن موقع المدينة الجغرافي كان يمنحها مكانة خاصة في
استرتيجيات القوى التي تصارعت عبر العصور من أجل السيطرة على المنطقة، وذلك في
طريقها نحو الغرب باتجاه سواحل البحر المتوسط، أو نحو آسيا الصغرى في الشمال، أو
جنوباً وصولا إلى شواطئ الخليج ومرواً ببغداد. ومن أجل هذه المواصفات اتخذت المدينة
صفة القلعة، وامتلكت مقوماتها من جهة الأسوار والأبواب وأماكن الحراسة، والمخازن
والمستودعات الخاصة بالذخيرة والتموين والمياه. وما يُستنتج من القرائن والمعطيات
الآثرية هو أن سكان المدينة كانوا يعتنقون ديانات مختلفة، منها الزرادشتية واليهودية
والمسيحية والإسلام.
أصبحت المدينة في العصور الحديثة عاصمة لإمارة بهدينان التي ظهرت في حدود
1329، وكانت تتمتع بصيغة من الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة العثمانية، واستمرت هكذا
إلى عام 1842 الذي شهد سيطرة الجيش العثماني عليها، وذلك تحسباً للنزعة الاستقلالية
التي أظهرها حكامها. وبعد الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية العثمانية،
أصبحت المدينة في عام 1924 تابعة لقضاء الموصل في إطار الترتيبات الجديدة لدولة
العراق التي شهدت النور بعد الحرب، سكان المدينة راهناً هم في غالبيتهم الغالبة من الكرد.

2

ولكن المشكلة المعقدة التي يعانون منها تتمثل في عدم امكانية بناء مساكن جديدة للأبناء،
وذلك نتيجة انعدام المساحات اللازمة لذلك، وهذا ما يجبر الجيل الجديد على النزوح عنها،
والسكن في المناطق المجاورة أو في المدن حيث العلم والعمل.
من بين المواقع الهامة بالنسبة إلى تاريخ المدينة/ القلعة التي قمنا بزيارتها: باب بهدينان
ويسمى ايضاً باب الموصل، وقبر السلطان حسين، ومدرسة قبهان.
وقد أدت هذه الأخيرة دوراً بارزاً في تزويد الوافدين إليها من مختلف الأنحاء بالعلوم الدينية
والدنيوية، النقلية والعقلية مثل علوم القرآن والشريعة والفلسفة والحساب والهندسة والطب
والفلك. وذلك على مدار تاريخها الذي امتد على نحو سبعة قرون، ولكنها في اليوم الراهن
باتت بكل أسف مجرد أطلال، تصدم الغيور المهتم بمأساوية الحالة التي أصبحت عليها تلك
المدرسة الشهيرة، وهي التي خرَّجت دفعات من المتميزين من بينهم أبو السعود العمادي،
الذي شغل منصب مفتي الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني.
المواقع الآثرية في آميدي تحتاج إلى رعاية استثنائية خاصة، فهي تمثل وجهاً من اوجه
هوية المنطقة، وطبيعة الحضارات التي تمازجت وتفاعلت بين بعضها البعض فوق ترابها،
وهي تنتظر بشغف كبير جهود أساتذة أقسام الآثار والتاريخ القديم وطلبتهم في إقليم
كردستان ،والعراق بصورة عامة، للعمل من أجل الإرتقاء بهذه الومضات الحضارية إلى
المكانة التي تستحقها بجدارة. وعمل كهذا يستوجب دعماً خاصاً من السلطات المعنية في
الإقليم والسلطات الفيدرالية. وهو عمل سيكون في صالح المنطقة، وفي خدمة جهود
النهوض بها. فمنطقة آميدي تعد واحدة من أجمل المناطق الطبيعية في الإقليم، بل في
المنطقة كلها. والعناية بآثارها وتحسين واقع الخدمات فيها ستجعلها من أكثر المناطق جذبا
للزوار والسياح من العراق كله ومن الدول المجاورة والبعيدة. وكل ذلك سيخلق المزيد من
فرص العمل أمام الشباب، ويدفع بهم إلى الإستقرار، وتركيز الجهود من أجل النهوض
بمنطقتهم.
مساء عدنا إلى زاخو، وعبرنا مجددا النفق الذي يربط بينها وبين مدينة دهوك مركز
المحافظة، نفق مبني وفق أحدث المعايير العالمية، في زاخو التقينا بصديق قديم عزيز من
أبناء المنطقة، استاذ جامعي يمتلك علم الأكاديمي وخبرة الحياة المعاشة، يحب منطقته
وأهلها إلى درجة الهيام، تجولنا بصحبته في مختلف أنحاء المدينة التي كانت وما زالت
رمزاً للتعايش بين مختلف الأديان والأقوام، تحدث لنا عن دور نهر الخابور في حياة المدينة
وعن جسر دلال، المعروف عراقياً باسم الجسر العباسي، علما أن الاعتقاد الأرجح هو أن
تاريخ بنائه ربما يمتد إلى المرحلة الرومانية . كما تجولنا معه في الأسواق القديمة، ومررنا
على المدارس الأولى التي شهدتها المدينة منذ بدايات القرن المنصرم. وقدّم لنا لمحة عن
المؤسسات الحكومية التي كانت في المدينة، مثل المحكمة ومقر الحاكم والسجن وبقية

3
الدوائر، وهي جميعها تحتاج إلى الترميم والعناية.
طلب مني صديقي أن أقف معه في مكان مقابل السجن، ليقول لي بحرقة طفولية أليمة، وهو
ابن السبعين: وقفت في هذا المكان وأنا طفل صغير مع والدتي لأراقب نقل والدي وجدي –
رحمهما الله- المعتقلين في ذلك الحين إلى خارج زاخو، قصة من بين ملايين القصص التي
يحتفظ بها كرد العراق في ذاكرتهم، وهي قصص تصلح كل واحدة منها لأن تكون مشروع
رواية أو فلم سينمائي، كم تعذب هذا الشعب، وكم ضحى في سبيل الحصول على أبسط
حقوقه، ولكن في المقابل كم هي ضعيفة الذاكرة الكردية، وكم يكون الاستهتار بالماضي في
خضم الصراع على مستهلكات الحاضر التي ما كانت لولا تضحيات الأوائل وصبرهم
وتحمّلهم، وجهودهم الخيرة. المجتمعات التي ليس لديها تاريخ حقيقي تفخر به، تسعى من
أجل خلقه، وتوظيفه لتعزيز ثقة شبابها بأنفسهم. والمجتمعات التي لاتمتلك زعماء متميزين
ممن يمتلكون الصفات الكاريزماتية من شجاعة ونبل وتفان، تعمل عبر مختلف اساليب
الأسطرة على اختراعهم، أما الكرد فهم يمتلكون تاريخاً لا يقدرونه كما ينبغي بكل أسف،
ولديهم زعماء لم يبخلوا على شعبهم بشيء، ومع ذلك كانوا في معظم الأحيان ضحية
التجني والجحود.
زاخو مدينة تقع في مثلث الحدود العراقية السورية التركية، وهي مدينة تمتلك التاريخ
والجغرافيا، كما تمتلك طاقات شبابية واعدة، زاخو تحتاج اليوم إلى المزيد من العناية
والدعم لترميم مبانيها القديمة التي تمثل ذاكرة المدينة وهويتها، كما تحتاج إلى تأمين فرص
العمل لأبنائها، ولعله من المناسب في هذا المجال الإشارة إلى أهمية تأسيس متحف للمدينة
يضم المخطوطات والوثائق الخاصة بها، والصور والأفلام التي تسرد للأجيال المقبلة واقع
تطورها عبر العقود، كما لا بد من التفكير ضمن هذا التوجه في إنشاء مصانع ومشاغل
تكون منتوجات المنطقة الزراعية مادتها الأولية، لتتحول إلى سلع مصنعة تلبي حاجة
المنطقة والعراق عموماً، طاقات كبيرة يمتلكها الجيل الشاب، وهي في انتظار من يفك
قيودها، ويمهّد الطريق أمامها، لتتحول إلى منجزات إبداعية في مختلف الميادين والحقول .

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

رياض علي _ مبادرة سوريا الاتحادية والقرار 2254

القاضي رياض علي عندما سمعت من أحد الأصدقاء بمبادرة سميت “بمبادرة من أجل جمهورية سورية ...