الرئيسية | مقالات | عبدالباسط سيدا_نوروز قوس قزح أخّاذ بقيمه وتجلياته

عبدالباسط سيدا_نوروز قوس قزح أخّاذ بقيمه وتجلياته

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث 

يحتفل الشعب الكردي مع العديد من الشعوب الشرقية في الحادي والعشرين من شهر آذار/مارس بعيده القومي الذي يسمى بالكردية: نوروز أي اليوم الجديد: كما يسمى أيضا عيد الربيع. وقد ترسخت دلالات هذا العيد في الذاكرة الشعبية بوصفه يوم الخلاص من الظلم والتطلع نحو الحرية. ومن القصص الملحمية الشائعة في هذا السياق، تلك التي تتحدث عن بطولة كاوا الحداد الذي استطاع القضاء على حكم الطاغية ضحاك، أو أزدهاك، الذي يعني اسمه بالكُردية التنين. وقد كان هذا الأخير رمز الفوضى والشر في الميثولوجيا الشرقية بصورة عامة.

وهناك محاولات تسعى لإلقاء الضوء على بدايات هذا العيد عبر العودة إلى الأحداث التاريخية، منها الصراع الذي كان بين الدولة الآشورية من جهة، والتحالف الكلداني- الميدي الذي اسفر عن سقوط الأولى في عام 612 ق. م.، وما يدعم هذا التوجه هو توافق هذا التاريخ مع  التقويم الكردي المعتمد حالياً. فالكرد يحتفلون في 21 آذار/مارس هذا العام 2019 برأس السنة الكردية الجديدة 2631 التي هي حصيلة جمع 2019 (العام الميلادي الحالي) مع   612.

أما لماذا هذا الربط بين انتصار التحالف الميدي- الكلداني ونوروز فهذا أمر آخر، يستوجب المزيد من المجال والتفصيل، نتركه إلى مناسبة آخرى.

ولكن في جميع الأحوال، وبغض النظر عن حدود الخلفية التاريخية لهذا العيد، فمن المؤكد أنه يتزامن مع الانقلاب الربيعي الذي كان يُعد، وفق عقائد المجتمعات الشرقية القديمة السابقة على الأديان السماوية التي ظهرت في المنطقة ذاتها في ما بعد، رمزاً لانتصار قوى الخير على الشر، وانتصار التنظيم على الفوضى. وكان ذلك يتمثّل عندهم في اخضرار الطبيعة، ونمو الزرع، وتكاثر المواشي، واتقاد الرغبات الجنسية عند البشر؛ وكل ذلك كان يتم التعبير عنه بطقوس احتفالية دينية، رسمية و شعبية، تشمل مختلف المناطق، وعلى مدى أيام. ويُشار في هذا المجال إلى عيد شم النسيم في مصر الذي يتزامن مع العيد ذاته، وعيد الأكيتو عند البابليين والآشوريين، ومن ثم الكلدان والسريان الذي يصادف الأول من نيسان/ ابريل. كما يحتفل الفرس والأفغان والأتراك والعرب بهذه المناسبة تحت أسماء مختلفة لكنها في الحصيلة تتمحور حول أهمية الانقلاب الربيعي، والبهجة التي يحققها في النفوس والطبيعة.

وليس من المستبعد في هذا المجال، بل نعتبره من المرجح، أن يكون عيد الفصح عند اليهود والمسيحيين قد ارتبط هو الآخر بالربيع، وذلك لأهمية الأخير لدى المجتمعات الزراعية جميعها.

أما عند الكرد، فقد ارتبطت الدلالات الدينية والقومية ببعضها، وتفاعلت، لتضفي على نووز/اليوم الجديد قدسية خاصة، تجسّد مشاعر التطلّع نحو قيم الحرية والخير والجمال والعدالة.

وقد حرص الكرد في كل مكان باستمرار على الاحتفاء بهذا العيد، وتأدية الطقوس التي تمثل بالنسبة إليهم مقاربة تفسيرية له، وصيغة من صيغ احترام المعاني التي يرمز إليها، والآمال التي يبشّر بها.

وفي سورية، ثابر الكرد منذ بدايات تأسيس الدولة السورية بعد الحرب العالمية الأولى على الاحتفاء بهذا العيد باشكال مختلفة. ولكن في مراحل تنامي الأيديولوجية القومية، لا سيما في عهد حزب البعث، مُنع الكرد من هذا الحق الطبيعي، وبات الاحتفال بنوروز في منظور الحزب المعني – الذي أعلن نفسه بصورة تعسفية قائداً للدولة والمجتمع- جريمة يُحاسب عليها، سواء على مستوى الفرد أم الجماعة. فقد كانت الصدامات تحدث كل عام بين الكرد المحتفلين والسلطات التي كانت تمنع ذلك، حتى بلغت ذروتها في عام 1986، إذ منعت السلطات في دمشق الكرد من الاحتفال  بنوروز، فتحوّل موكب المحتفلين إلى مظاهرة توجهت إلى القصر الجمهوري للمطالبة برفع الحواجز، والسماح بالاحتفال. وبدلاً من الموافقة على حق مشروع بدهي، اطلقت النيران على المتظاهرين، واستشهد سليمان محمد أمين آدي المعروف في أوساط الكرد بـ شهيد نوروز. بعد هذه الحادثة، أصدر حافظ الأسد مرسوماً يعلن بموجبه يوم الحادي والعشرين من آذار/مارس عطلة رسمية، ولكن تحت اسم عيد الأم. وذلك في إطار توجه براجماتي عرف به،  لتجاوز عقد الصدامات السنوية، والإشكالات الإدارية التي كانت تحصل في كل مكان، ولكنه في الوقت ذاته كان يتحاشى إثارة المتشددين من البعثيين الذين كانوا يرفضون أي اعتراف بالوجود الكردي في سورية، فكيف إذا كان هناك تفكير، مجرد تفكير في امكانية مناقشة الحقوق الكردية تمهيداً لإقرارها إقرارها.

واليوم، وبعد كل هذه السنوات العصيبة القاسية التي مرت منذ اندلاع الثورة السورية في ربيع عام 2011، وهي ثورة شارك فيها معظم السوريين. والإسهامات الكردية في هذا المجال بارزة لا فتة، لايمكن لأي كان أن يتجاهلها أو ينكرها، بعد كل هذا، ورغم كل هذا، يفاجئ الكرد في منطقة عفرين، التي تتعرض اصلاً لنهب وتجاوز المسلحين، بمن يصدر التعليمات الإدارية التي تمنع كل مظاهر إحياء عيد النوروز بناء على  توجهات قوموية ضيقة النطاق والأفق، وبصورة لا تخدم نضال السوريين في مواجهة نظام الاستبداد والإفساد من أجل الحرية والغد الأفضل. كما لا تساعد على تعزيز الوحدة الوطنية على أساس الاعتراف بالأخر المختلف ، واحترامه ضم إطار الوحدة الوطنية السورية.

لقد أثبتت التجارب العديدة في منطقتنا أن الأيديولوجيات المتشددة سواء القوموية أم الإسلاموية أم العلمانوية لا تتناسب مع طبيعة مجتمعاتنا المتنوعة بماهيتها. فكل صيغة من صيغ الإقصاء اعتمادأ على أدوات اتهامية مثل الانفصال والتكفير والتخوين والإتهام بالرجعية…الى آخر القائمة لا تترك سوى الجروح والندوب في الجسم الوطني، وتتسبب في خصومات وصراعات كلّفت، وتكلّف، مجتمعاتنا الكثير من الأرواح والأموال، وأدت إلى تعطيل عجلة التنمية، الأمر الذي يصادر على مستقبل الأجيال المقبلة.

ما نحتاجه على مستوى سورية والمنطقة هو أن نمد الجسور بين جميع المكونات بعقل وقلب مفتوحين، ونعمل على حل جملة المشكلات التي تعاني منها دول المنطقة ضمن إطار مشاريع وطنية، تحترم وحدة الأوطان على قاعدة احترام خصوصيات وحقوق الجميع.

مشاريع وطنية تكون أساساً لمشروع إقليمي متكامل، يحترم حقائق التاريخ والجغرافيا والتداخل السكاني، والمصالح المشتركة، والمعادلات الدولية، وأهمية التمازج الحضاري وتبادل المصالح على المستوى الدولي؛ وكل ذلك لن يتحقق ما لم نعتمد عقلية جديدة، تقطع مع كل العقليات الماضوية النكوصية باسمائها وتلاوينها المختلفة، هذه العقليات التي لم تجلب لشعوب منطقتنا، خاصة السوريين، سوى الخراب واليباب والقتل والتهجير. شعبنا السوري يتطلع نحو مستقبل أفضل واعد لجميع أبنائه وبناته من دون أي تمييز أو استثناء. أما أن نلجأ من حين إلى آخر إلى إثارة النعرات، وصياغة تعليمات لا تنتمي إلى هذا العصر وقيمه، وذلك ارضاء لهذه الجهة أو تلك، فهذا فحواه أننا لم نتعلّم بعد من الدروس القاسية التي كانت. وما زلنا نصرّ على استخدام الأدوات ذاتها التي تأكدنا – بناء على تجاربنا الطوية المضنية المؤلمة- من أنها لن تساهم في بناء الأوطان التي تتطلع شعوبنا نحوها، وهي تستحقها بكل جدارة بعد كل التضحيات الأسطورية التي قدمتها.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا_العقد الوطني الجامع أساس الخلاص السوري.. مشروع مبادرة حالمة

كاتب وسياسي سوري، دكتوراه في الفلسفة. الأزمة السورية معقدة بكل المقاييس، ومرد ذلك إلى عوامل ...