الرئيسية | Uncategorized | عبدو خليل:حول “بيضة قبان” الكردية المكسورة

عبدو خليل:حول “بيضة قبان” الكردية المكسورة

عبدو خليل: كاتب كردي سوري

 

مجرّد طرح فكرة الكرد كقوة عطالة في المعادلة السوريّة، ربما تثير حفيظة القوى الكرديّة، العسكريّة منها والسياسيّة، والمتّفقة فيما بينها أو المتناحرة. وربما تزيد هذه الفكرة من الشحنة السلبيّة لدى بعض غلاة التيّارات العروبيّة والإسلاميّة تجاه الكرد. مع أن تلك التيّارات تتحمّل الوزر الأثقل في تصدع الحوامل الأساسية للثورة السورية، القائمة على قضايا الحرية والكرامة والديمقراطية. ولكن تلك قضية أخرى. وما نتطرّق إليه هنا، هم الكرد السوريون بوصفهم أكثر المكوّنات السورية تنظيماً واشتغالاً بالسياسة، بعيداً عن التصحّر الذي أصاب سوريا منتصف ستينات القرن الماضي. طرح هكذا موضوع، ضمن المنعطف القاسي الذي أوجد قوة تنابذ بين المكونات السورية، لا يهدف إلى زيادة حمأة الصراع، بقدر ما يسعى لمكاشفة الأزمة بحثاً عن الحلول والمخارج.

لا أحد يستطيع أن يفنّد واقعية المثل القائل: “كل الطرق تؤدي إلى روما”. كذلك الأمر بالنسبة لكرد سوريا، لا أحد بمقدوره نسف حقيقة وقوفهم في وجه فاشية البعث. لذا لم يكن غريباً الرهان الذي تجلّى في المخيّلة الشعبيّة السوريّة، مع انطلاقة الحراك الثوري، أن تتجه التوقّعات نحو الدور الكردي الحاسم، في دك منظومة الاستبداد التي جثمت فوق كاهل السوريين طيلة عقود، ليس فقط لأنهم الأكثر تنظيماً، كما أسلفنا، بل لأنهم أكثر من تعرّض للإجحاف والغبن والتنكيل الذي طال حتى الآلات الموسيقية الكردية كالبزق اعْتُبر بمثابة مدفع هاون مصوَّب نحو الثقافة العربية، واعتبار التحدُث بالكردية في الدوائر الرسمية والمدارس نيلاً من هيبة الدولة. في الوقت الذي كانت فيه العبرية والفارسية تُدرس في أقسام الجامعات السورية!. والكردي بنهاية المآل، مشكوك في هويته الوطنية، لذا وجِب الحذر منه وإبعاده عن سلك الجيش والمراكز الحساسة، وما إلى ذلك من محظورات وموبقات لُصقت بالكردي ظلماً وبهتاناً.

هذا من جهة، ومن أخرى، كان هناك ثمة شعور سوري عام، أنهم ظلموا الكرد، وصدقوا أكاذيب البعث وألاعيب القومجيين العرب، وساهموا عن دراية أو جهل في آلة القمع التي طحنت شركاءهم في الوطن. وكان لسان حال البعض؛ حان الوقت للتبرؤ والتكفير عما ارتكبوه من معاصٍ بحق الكرد. وبانت ملامح هذا التراجع، عن الصورة النمطية المسيئة للكردي، بكفارة رفع الأعلام الكردية في الكثير من المظاهرات المناوئة للنظام، في كفرنبل والصنمين وحلب وغيرها من المدن والبلدات السورية.

على الضفة الكردية الأخرى، كان التخبّط والتردد سمة أغلب القوى السياسيّة الكرديّة. بينما كان الشارع الشعبي يدفع باتجاه آخر، نحو التصعيد والحسم وعدم الوقوع في فخاخ المهادنة والإغراءات البخسة التي طرحها النظام للخروج من ورطته. وكانت ذريعة أغلب تلك القوى ولفيفها من نشطاء ومثقفين، هو استحضار مواقف الغالبية السورية المسلوبة الإرادة، من انتفاضة عام 2004، تلك المواقف التي تماهت مع موقف النظام ووصفت المجريات وقتئذ، بأنها ليست أكثر من محاولة للانفصال. حتى المعارضة السورية التي سبق وأن أثخنها البعث إيلاماً وجراحاً لم تستطع الخروج عن عباءة الخطاب الرسمي المحاك في أقبية المخابرات. أو لنقل: كانت تعي حقيقة المشهد، لكنها لم تكن على استعداد لدفع تكاليف موقفها. لأسباب عدة، ليس آخرها توجسها من مجريات الأمور في العراق، ولم تستوعب إلى الأن اللعبة. وأن نصف تلك الكوارث التي مازالت تلاحق العراقيين أنتجتها دمشق، ونصفها الآخر طُبخت في طهران.

 

تطور موقف القوى الكردية سلباً، مع عسكرة الثورة وظهرت معادلة “بيضة القبان”، والتي تقول: “الانتظار، ريثما تستعر المعارك أكثر، ومن ثم ترجيح كفة على حساب أخرى؛ نظاماً كان أم معارضة، بما تمليه المصلحة الكردية الحزبية”، في تعارض صارخ مع المزاج الشعبي الكردي العام، الملدوغ من بطش النظام وزبانيته. هذه المعادلة في الحقيقة أنقذت الشريحة الرمادية وبررت موقف الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني في زيادة تعاضده مع النظام، وزادت من سطوته وصولاً إلى تصفية وإخماد الحراك الثوري في المناطق الكردية، ومن ثم البدء في الخطوة التالية وتمشيط وترويض القوى السياسية الكردية، تماشياً مع شعار النظام؛ “نحن أو لا أحد”.

وبالعودة إلى تطورات الأحداث حتى منتصف عام 2012 ، وربما أواخره، نجد أن الكردي السوري، كان بإمكانه التنقل ما بين حلب ودمشق وعفرين وكوباني والقامشلي مروراً بكل البلدات والمدن التي تسيطر عليها فصائل المعارضة دونما مضايقات أو صعوبات، إلا ما ندر من حوادث متفرقة تعود بمجملها للفلتان الأمني. وكنتُ واحداً ممن يستقل طريق حلب عفرين أسبوعياً، وبسلاسة ودونما خوف، مروراً بحواجز المعارضة المنتشرة آنذاك في كل الريف الشمالي من حلب. وللأمانة، الخوف كان ينبع من طلعات حوامات النظام قبيل تحوله إلى طائرات السوخوي والميغ. وأصابت تلك الحوامات أكثر من مرة حافلات النقل العامة وقتلت العديد من المدنيين الكرد. كما أن الشباب والنشطاء كانوا يتجنّبون المرور من حواجز الجيش السوري، خشية سوقهم للخدمة الإلزامية أو للمعتقلات.

في ذات الوقت، كانت الميليشيات التي شكلها العمال الكردستاني. تدقق وتمنع دخول الأخوة العرب للمناطق الكردية، كعفرين، والأحياء الكردية في حلب. بحكم معاصرتي لتلك الوقائع، وتكرر مقولة: “النظام، العصابات الإرهابية تستهدفنا”، ورفعت من منسوب الشحن ضد فصائل المعارضة واصطدمت معها أكثر من مرة، وعملت في ذات الوقت على رفع صور أوجلان بمواجهة المخافر الحدودية التركية، في خطوة استفزازية لجرّ تركيا نحو إعادة تدوير أزمة الصراع الكردي التركي، ولكن هذه المرة على الارض السوريّة، لخلق المزيد من الإرباك والتوتر في المنطقة، إنقاذاً للنظام، وإشغال الشارع الكردي عن لعب دور وازن في تأصيل الفعل الثوري السوري.

لم تستمرّ الصورة بتلك الرومانسية والوئام بين المناطق الكردية ومحيطها العربي بعيد عام 2013، خاصة مع تناغم اللعب بين النظام والعمال الكردستاني وزيادة وتيرة التدخل التركي والخليجي، وتدفق المال لصالح الفصائل السلفية. توضحت الأجندات وتحولت سوريا إلى “عش دبابير” الجهاديين من أجل مسرحة الحرب وإخراجها للعالم بشكلها المشوّق والمثير.

وبعيداً من أجندة العمال الكردستاني وتفصيلات صفقاته المشبوهة وتناقضاته وانتهاكاته، كان الطرف الآخر المتمثل بالمجلس الوطني الكردي يعاني هو الآخر من العلثمة السياسية والتردد في اتخاذ قرار حاسم وجريء، حيال الثورة السورية. إذ تمكّن في البداية من استمالة شريحة واسعة التنسيقات الشبابية، وأدخلهم في نفق المطالب والشروط المسبقة، وكأن مقارعة الاستبداد ليست من صلب اهتمامات الكرد. لا يعني هذا بالطبع عدم مشروعية تلك المطالب،  ولكنه أنتج فعلاً مضافاً للخلخلة والتشويش في تسلسل الأولويات وقراءة الوقائع. وارتكب المجلس الوطني الكردي خطأه الفادح، عندما ظن أن المعارضات السورية المهلهلة، تملك زمام الحل والربط في رسم ملامح المستقبل السوري، ودخل معها لعبة شد الحبال، متجاهلاً دول القرار، وتاركاً مهمة رسم سياساته لأربيل الواقعة تحت جملة ضغوط. داخلية عراقية، وخارجية إيرانية، ناهيكم عن مشاكل صراع القطبين الحزبين، الوطني الكردستاني والديمقراطي.

ضمن هذه المعطيات، تم استجواف القضية الكردية في سوريا من محتواها الوطني العادل، لقاء المنفعية الحزبية الضيقة، التي ترعرعت في ظل ديمومة ظروف الصراع، وبات شغلها الشاغل استجرار المزيد من التمويل لقاء الخدمات التي تقدمها. خاصة مع تنامي الهوس العالمي في حربه على الإرهاب بعيد سطوع نجم “داعش” و”النصرة”، و تحول الكرد، يوماً بعد أخر، إلى قوة عطالة في الماكينة التي حاولت إخراج سوريا من مستنقع العبودية.

ونتيجة فعل الاستلاب الذي فرضته القوى الكردية على إرادة شعبها، جرف هذه القوى أحد اهم المكونات السورية نحو واد سحيق، بعيداً عن مواجهة المشكلة الجذر، ألا وهو المستبد.

خلاصة الكلام: انكسرت “بيضة القبان” الكردية، في خضم هذا التناحر، وسال زلالها فوق آمال وأحلام كل السوريين.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبدالباسط سيدا_أفكار أولية حول واقع القطاع الزراعي وامكانياته الواعدة في إقليم كردستان

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث  يعود اهتمامي بالقطاع الزراعي إلى اسباب عدة في مقدمتها انتمائي ...