الرئيسية | مقالات | عبدو خليل: في هموم اللغة الإعلاميّة الكردية وسمومها

عبدو خليل: في هموم اللغة الإعلاميّة الكردية وسمومها

عبدو خليل: كاتب كردي سوري

 

منذ قرابة ربع قرن، توسّع الإعلام الكردي خارج دائرة نقل الخبر، واستقال من لعب دور تعبئة الفجوات المعرفية حول التاريخ والثقافة الكردية التي جرى صهرها وإذابتها لصالح باقي شعوب المنطقة، نتيجة سياسات الإقصاء والقهر التي مورست ضدهم، خاصة خلال القرن الأخير. انتقل هذا الإعلام رغم شحّ أدواته من المرحلة التقليدية إلى مرحلة جديدة، يمكن تسميتها بإعلام المحاور التي انتجت لأول مرة لغة إعلامية كردية، ترافقت مع تبلور وتباين الاختلافات السياسية البينية الكردية، وتوزّعها بين محورين رئيسيين. يتمثّل الأول بكرد العراق، والثاني يقوده كرد تركيا. أما في سوريا وإيران، تجلّى هذا التقسيم من خلال التبعيات الحزبية لكلا المحورين السابقين.

واللغة الإعلامية، بعيداً عن التعريفات الاكاديمية المنمّقة، هي ترياق الإعلام، سمّاً كان أم عسلاً، يمكن إذابتها في أية مادة إعلامية ليتجرّعها المتلقي. وتحتاج لمهارات وخبرات معرفية عالية المستوى تتعلّق بالطبيعة الاجتماعية والذهنية للجمهور المستهدف، وبسيكولوجيا المزاج العام للمرحلة. وبالرغم أن البعض يربطها بعلم الدلالة اللغوية والمعنى، إلا أنها في الحقيقة تتجاوز حدوداً أبعد من ذلك، إذا اعتبرنا اللغة ليست أكثر من حامل لموجات العادات والتقاليد ولرسائل الآداب العامة. واللغة هنا، إعلامياً، تتحوّل إلى سهم للدلالة، من أجل ربط تلك المفاهيم القيمية بمجريات واحداث ومواقف وسياسات معينة، للتأثير في الرأي العام وتغيير الاتجاهات واستمالة الجمهور نحو وجهات جديدة.

وإذا اعتبرنا علم الدلالة في اللغة، الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توفّرها في الرمز حتى يحمل المعنى، حسب تعبير الدكتور أحمد مختار؛ (أستاذ علم الدلالة في جامعة القاهرة)، فإن اللغة الإعلامية في جوهرها، تتعكّز على ذاك الرمز المحفور في دماغنا بإزميل الثقافة التي نشأنا عليها. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن اللغة الإعلامية، بتجرّد عن المحيط العام.

كردياً، عمل الإعلام الكردي منذ بداياته الجادة في القرن الماضي على ترسيخ فكرة المظلومية الكردية وربطها بكلمة كردستان. وباتت هذه المفردة تدلّ على الوجع والقهر والتهجير والتجويع والمجازر. ومن زاوية أخرى، كانت لها دلالة تشير إلى العزيمة والاصرار والنضال والخلاص من ربقة الدول المستعمرة. لذا، اخذت كردستان، من حيث المعنى والدلالة، كفايتها من القدسية والتضحية في ثقافة الكرد. ولكن مؤخراً، تمّ استثمارها في الإعلام الكردي لخدمة أجندات سياسية وحزبية، وربطها بشخصيات القادة الكرد. ويمكن تلخيص ما حصل على أرض الواقع بوضوح أكثر، من أنه تم إزاحة كردستان، ليحلّ محلّها اسم القائد؛ في نسخة مكررة لما جرى في دول شمولية كثيرة مثل سوريا والعراق وليبيا. وصلت لحدّ أن البعض رفع شعار من قبيل: “الأسد أو نحرق البلد”، كما في سوريا. لذا ليس غريباً أن يكتشف المتابع لوسائل الإعلام الكردية بسهولة، كيف أن دلالة ومعنى كردستان، انكمشت على نفسها وتراجعت. بينما أحتل القائد صدارة المشهد. لهذا كرّست بعض وسائل الإعلام الكردية مقولة: “لا حياة بدون القائد”. والدلالة الرمزية هنا، التي تخاطب عقل الجمهور وتقوم بتحويره على مهل، مفادها: التضحية والإخلاص والحب والولاء للقائد. تلك الصفات التي لازمت العقل الجمعي الكردي، وارتبطت بمفردة كردستان سابقاً، وتم نسفها لصالح القائد – الوطن. علماً أن الدلالة اللغوية والمفتاحية إعلامياً لكلمة كردستان، بكل ما لها من سحر ورمزية في المخيال الكردي، كانت أسّ وأساس الخطاب الأدبي والشعري والسياسي للكرد.

من جهة أخرى، أكثر انفراجاً، تعاني اللغة الإعلامية الكردية اليوم، من جملة عوائق وتناقضات، نتيجة كثرة اللهجات الكردية، وتفاوت الدلالات بين منطقة كردية وأخرى. يساهم هذا، من جهة، في زيادة الضياعات اللغوية التواصلية، ويخلق حالة من التشويش. خاصةً، إذا أضفنا لذلك، تباهي بعض المحررين بمفردات الإطناب والاشتقاق والمصطلحات…، وطغيان الخطاب السياسي المشحون والخارج عن سياقات اللهجات الدارجة، واستخدام نماذج فوقية من الرسائل الإعلامية المتعالية. ما يؤدّي إلى زعزعة الشخصية الكردية وفقدانها لعنصر الثقة بنفسها. وبالتالي، يسهل انقيادها واصطيادها في فخ المعاني ودلالاتها.

وضمن السياق السابق، تهبط بعض وسائل الإعلام الكردية لمستوى لغوي أخر؛ شعبي ومتدنٍّ، لدرجة مقززة ومخجلة، لا تقلّ فداحتها عن الأولى، حيث التعابير السوقية والألفاظ النابية والشتم والقدح. هنا اللغة تبدو أقرب إلى لغة البلطجة والزعرنة، كل شيء فيها مباح، بدلالاتها المحرضة على ضرورة معاقبة الخصوم، بحيث تفسح المجال أمام سويات ثقافية وشعبية متدنية، ومفاقمة للإسفاف، والنزول إلى دركٍ لا يليق لا بالكرد ولا بالإعلام، تحت ذريعة حرية التعبير. لذا، نراها تكرر مفردات من قبيل: الخيانة والانتقام، لما لها من بعد في الثقافة الشعبية الكردية. الخيانة مثلاً، تدلّ على جرائم الشرف وعواقبها معروفة النتائج. وبالتالي، تلعب اللغة هنا دوراً مميتاً، كونها ليست أكثر من دافع يلقّن القتل ويستبطنه، والتخلص من هذا العار. وكذلك الانتقام، تحريض على العودة إلى الحالة العشائرية. الثأرية، ونسف مدنيّة القوانين وثقافة الحوار والاختلاف.

وبعيداً عن المحورين السابقين، ظهر مؤخّراً محور ثالث للغة الإعلامية الكردية، ترافق مع ازدياد وسائل الإعلام البديلة، أو تلك التي سمّيت، ظلماً وبهتاناً، بالإعلام الحر، تزامناً من الراهن السوري وتدفق التمويل من مصادر مختلفة. تميّزت هذه الوسائل بمجملها بلغة إعلامية متقلّبة، تماشياً مع تغيرات القوى السياسية والعسكرية ومواقف الممولين منها. لذا، لا يمكن اعتبار هذه الوسائل كردية بالمعنى الصرف للكلمة، على أنها تمتاز بلغة إعلامية جوفاء وخاوية، ناتجة عن جملة التوافقات المفروض عليها تحقيقها، بدءاً من الممول وصولاً إلى التراخيص، وشروط القوى العسكرية التي تعمل ضمن بيئاتها. لذا، تعتمد على لغة تفتقد المعنى، وتتقبّل حمل عدّة أوجه. ما يخلق شعوراً باللامبالاة لدى الجمهور المستهدف، وفصاماً عن الواقع المحيط. وهنا تكمن فداحة المنجز الذي تقوم به.

ورغم مرور وقتٍ كافٍ على ظهور وسائل الإعلام الكردية بمعناها الحرفي، إلا أنها لم تستطع الوصول إلى لغة إعلامية راقية، قريبة من الشارع، ومشذّبة في نفس الوقت، حتى تكون قادرة حمل معانٍ تليق بتضحيات شعب يخوض معركة وجوده.

مازالت هذه اللغة الإعلامية، تغتسل في مستنقعات الصراعات الحزبية الأسنة التي تعمل على تقسيم الجمهور الكردي، ليس حباً في الاختلاف كظاهرة صحية وديمقراطية، إنما لتمرير مشاريع ضيقة لا تتجاوز خدمة الأنا المنتجة، لدى بعض القادة. وفي أفضل الأحوال، لتمرير أجندات مجموعات متقاطعة المصالح، ومتحدة تحت خيمة حزبية.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...