الرئيسية | مقالات | عبد الباسط سيدا_ ملتقى الدوحة للحوار الكردي – العربي: خطوة تأسيسية وهامة

عبد الباسط سيدا_ ملتقى الدوحة للحوار الكردي – العربي: خطوة تأسيسية وهامة

عبدالباسط سيدا: كاتب وباحث

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة من 29 نيسان/ابريل ولغاية 1 أيار/مايو 2017 مؤتمراً تحت عنوان:
“العرب والكرد- المصالح، والمخاوف، والمشتركات”؛ شارك فيه عدد كبير من الباحثين والأكاديميين العرب والكرد الذين قدّموا اوراق بحثية خُضعت للتحكيم، وحصلت على الموافقة واستبعدت أوراق أخرى لم تتوفر فيها الشروط البحثية المطلوبة. كما أن باحثين آخرين كانت أوراقهم قد قُبلت، ولكنهم لم يتمكّنوا من المشاركة نتيجة الاجراءات الإدارية الخاصة بقواعد السفر إلى الدوحة.
 
الحضور الكردي والعربي من العراق كان قوياً ولافتاً، مقارنةً مع المشاركة السورية سواء العربية منها والكردية. وربما مردّ ذلك عدم تقديم الباحثين السوريين أوراقهم ضمن المهل الزمنية التي حددها المركز، أو لأسباب أخرى نجهلها. ومع ذلك كان هناك حوار معمّق حول الموضوع السوري بصورة عامة، والموضوع الكردي السوري على وجه التخصيص. مع أنه كان من اللافت غياب أكاديميين ومثقفين عرب سوريين لهم رؤية موضوعية. وفي الوقت ذاته كان من الملاحظ وجود وجهة نظر عربية سورية تصرّ على مناقشة الأمور بعقلية المحامين التي تتوقف عند القضايا الخلافية والتفصيلية، وتحاول بشتّى السبل ممارسة قدر من التعمية والتمييع بخصوص الإضطهاد المزدوج الذي تعرّض له الكرد على مدى عقود من حكم البعث وآل الأسد، تحت ذريعة من الموضوعانية الإنتقائية، وعبر الاستلهام الشعوري أو اللاشعوري من المنظومة المفهومية لحزب البعث نفسه، وبناء على التقسيمات الإدارية التي فرضها النظام إستناداً إلى حساباته وتوجهاته.
 
في الحصيلة، كانت المناقشات والحوارات الرسمية ضمن الجلسات، أو الجانبية، خارجها، مفيدة، وبدّدت الكثير من الأحكام المسبقة والأوهام المتراكمة. وأكدت في الوقت ذاته ضرورة التواصل المستمر، والحوار الدائم، لأن القضية الكردية سواء في العراق أم في سورية تمثل في واقعنا الراهن واحدة من أكبر القضايا سخونة وأهمية. وليس ثمة مبالغة إذا قلنا: ان هذه القضية سيكون لها دور كبير في صياغة المعادلات الإقليمية في المنطقة، وستكتسب أهمية أكبر بتفاعل المعادلات الإقليمية مع الاهتمامات والتوجهات الدولية الخاصة بالمنطقة , ولهذا، تم تأكيد أهمية مواصلة الحوار العربي – الكردي مستقبلاً، وربما عبر مؤتمر آخر قد يعقد في كردستان العراق بالتعاون بين المؤسسات الأكاديمية هناك، خاصة جامعات صلاح الدين والسليمانية ودهوك، وذلك بالتكامل مع جهود حثيثة بذلت على أكثر من صعيد. ذلك انه ثمة حوارات سابقة جرت في هذا السياق نظّمتها مراكز بحثية عدة منها: “مبادرة الإصلاح العربي” في باريس، و”منتدى الشرق” في استنبول، ومركز “حرمون” في برلين. كما أن الحكومة السويدية نظمت في هذا السياق عدة لقاءات في كل من ستوكهولم واستنبول. بمعنى آخر، هنالك تراكم من الملتقيات والمؤتمرات يمكن التأسيس عليه لتعميق وتأصيل وتوسيع دائرة الحوار الكردي – العربي. وتراكم المؤتمرات الحوارية المشار إليه آنفاً، يؤكد أهمية القضية الكردية في سورية، وأهمية الحوار الوطني حولها، تمهيداً للتوافق على حل وطني عادل في إطار مشروع وطني سوري قائم على دستور يضمن حقوق سائر المكوّنات السورية، ويحترم خصوصياتها، ويقرّ بالشكل اللامركزي المناسب لنظام الحكم؛ والقانون الانتخابي الذي من شأنه إتاحة الفرصة أمام جميع المناطق في سورية لتتمكن من اختيار ممثليها الفعليين في المجالس المحلية والبرلمان، بعد القطع مع عقلية قوائم الجبهة والحزب القائد، وقوائم الظل الأمنية التي كانت تجعل من العملية الانتخابية مسرحية هزيلة لا ترتقي إلى مستوى مسرح العرائس.
 
تناولنا في ورقتنا المقدمة إلى المؤتمر المذكور ثلاثة محاور اساسية هي:
 
1.ماهية وأبعاد القضية الكردية في سوري.
 
2. موقع الكرد من الثورة السورية: اشكال التفاعل مع الثورة ومؤسسات المعارضة عبر مختلف المراحل.
 
3.خاتمة: خلاصات وتوقعات.
 
في المحور الأول، بحثنا في دور اتفاقية سايكس – بيكو والاتفاقيات الفرعية التي تمركزت حولها في رسم حدود سورية، الكيان السياسي الراهن. وتوقفنا عند الإسهام الكردي في عملية الاستقلال؛ ثم تحدثنا عن ماهية المسألة/ القضية الكردية في سورية من جهة الديموغرافيا والجغرافيا والسياسات الرسمية التي اعتمدها النظام في مواجهة الكرد.
 
كما بينا كيف أن هذه القضية باتت في يومنا الراهن ثلاثية الأبعاد من جهة الأهمية والاهتمام. فهي قضية تمتلك بعدا وطنياً وبعداً اقليمياً؛ وفي الفترة الأخيرة باتت ضمن الحسابات الدولية.
 
وخصصنا حيزاً وافياً من الورقة للحديث عن موقف حزب البعث الإيديولوجي من المسألة الكردية في سورية، واعتماد سياسة الاضطهاد المزدوج بحق الكرد، هذه السياسية المستمرة حتى اليوم. ثم حددنا مقوّمات أيّة مقاربة وطنية جادة تطمح لحل هذه المسألة بصورة عادلة، ومن أهم هذه المقومات:
 
1. ضرورة تجاوز العقلية السحرية التي تعتقد بأن الأمور ستحسم وفق أهواء هذا الطرف أو ذاك، بعيداً من موجبات المشروع الوطني السوري العام.
 
2. التحرر من قيود المنطق الرغبوي الذي يقوم على اختيار كل طرف للقرائن والمعطيات التي تخدمه، وإهمال، أو حتى الإلغاء الذهني للقرائن الأخرى التي لا تنسجم مع التوجهات الرغبوية لدى بعض الأطراف ولا تتطابق مع الوقائع أيضاً.
 
3. القطع مع عقلية المحامين التي تقارع الحجة بالحجة، فيستمر النقاش العقيم، وتبقى المشكلة من دون أي حل.
 
4. إبراز القواسم المشتركة، والبناء عليها، وفك الإرتباط مع نهج التوقف عند النقاط الأكثر خلافية وحساسية.
 
كما توقفنا بصورة خاصة عند انتفاضة قامشلي 12 آذار 2004 التي بيّنت للقاصي والداني حجم القضية الكردية في سورية، وأهميتها رغم كل سياسة التضليل والتعمية التي مارسها النظام على مدى عقود. ورغم تجاهل غالبية الأحزاب السورية لها، بما فيها الأحزاب الشيوعية.
 
وفي المحور الثاني بحثنا في تمايز المواقف الكردية وتباينها من الثورة السورية؛ وقد توزعت بين أربعة اتجاهات:
 
1. الإتجاه المساند للثورة من دون اي ترد
 
2. الإتجاه المتردد.
 
3. الإتجاه المناوئ الديماغوجي.
 
4. الإتجاه المراقب المنتظر.
 
ثم تابعنا الإتجاهات المعنية عبر مختلف مراحل الثورة، سواء في المرحلة السلمية أو العسكرية، أو في مرحلة الانضمام إلى الإئتلاف والمشاركة في الهيئة العليا للمفاوضات والعملية التفاوضية.
 
وأخيراً أنهينا الورقة بخلاصات تنص على أهمية حل القضية الكردية ضمن إطار المشروع الوطني السوري، وأن المدخل لذلك هو إزالة الهواجس بعقود مكتوبة وموثّقة، تتجسّد في دستور يطمئن الجميع، عبر احترام كل الخصوصيات والإقرار بحقوق الجميع. على أن تتعزز الثقة بين مختلف المكونات السورية من خلال اجراءات واقعية على الأرض. وفي المقابل، تكون هناك آلية متفق عليها لحل الخلافات بطرق منهجية عملية واقعية، ـكون مرجعيتها محكمة دستورية مستقلة كاملة الصلاحيات. في إطار دولة حيادية الدولة قومياً ومدينياً ومذهبياً.
 
ومن باب الاستفادة والمتابعة، ثبتنا في الملحق التابع للورقة جملة الوثائق التي أصدرتها المعارضة السورية في مرحلة الثورة، وذلك ليتمكن المهتمون والباحثون من العودة إليها، ومعاينة مدى ما انجز ضمن المؤسسات الخاصة بالمعارضة، بعيداً من تصريحات هجينة عبثية، تصدر عن هذا الشخص أو ذاك من هذا الطرف أو ذاك.، وتحديد ابعاد المطلوب بناء على ذلك.
 
 
على ضوء ما تم ذكره، مؤتمر الدوحة، التقى فيه الباحثون والمثقفون الكرد والعرب ليناقشوا قضاياهم ومشاكلهم المشتركة. ولئن الحوار دوماً يكون بين مختلفين وليس بين مؤتلفين، من البديهي أن يكون هنالك ثغرات او عثرات تعترض طريق اي حوار. لكن، كان هنالك إجماع أنه لا مناص أمام الجميع من الحوار الجاد والبناء. لذا، كان مؤتمر الدوحة خطوة تأسيسية في الاتجاه الصحيح، على أمل أن يبتنى عليها المزيد من جلسات الحوار المثمر والمنتج للحلول، لا أن يكون الأمر حواراً لأجل الحوار وحسب.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...