الرئيسية | مقالات | عبد المجيد محمد خلف:هل للكرد وجود في الإعلام العربي

عبد المجيد محمد خلف:هل للكرد وجود في الإعلام العربي

 

عبد المجيد محمد خلف_كاتب كردي- سوريا

سؤال طالما طرح، ويطرح نفسه كل مرة، حين تبدأ الأخبار بالتركيز على حياة الكرد على كافة الأصعدة (اجتماعيا- سياسيا- اقتصاديا- وأخيرا وليس آخرا ربما عسكريا) كأمر، أو واقع حال؛ كما نعيشه الآن، من ظهور صور وأشكال جديدة للكرد على الساحة العامة، سواء أكان داخليا أو دوليا، وإن تم التركيز على هذه الحياة، أو تسليط الضوء عليها فليس ذلك إلا لأن القنوات والمسارب الإعلامية الغربية والدولية تقوم بذلك وتريده أحيانا، أو ربما تغيرت الوقائع والموازين – على المستوى العام في مناسبات وأحداث تعتبر مفصلية في حياة أي شعب- بكافة أشكالها، ما يفترض بالإعلام العربي مجاراة ذلك التغيير من واقع افتراضي بالنسبة لها؛ يتطلب منها ذلك، أو يفرض عليها؛ لأن دفّة الإعلام كلها تمضي في نفس الاتجاه الذي تسير فيه دفّة الإعلام الغربي.

وإذا كانت المعجزة الإعلامية التي أصبحت حقيقة، بل أحد أبرز الحقائق في العصر الذي نعيشه، وتتجلى بأشكال وصور تتماهى مع الحدث فتزيل حدودهما الزمانية والمكانية لأول مرة في التاريخ، فإن ذلك يفترض كواقع حال على القنوات الإعلامية أن تمارس دورها بطرق فعّالة تنقل صدى الوقائع والأحداث التي تجري على أرض الواقع بصورة دقيقة، وتكون عين  الحقيقة في كل ما تنقله إلى متابعيها، ولكن الملاحظ هنا لدينا في الحالة الإعلامية هذه مختلف تماما؛ فهي إما تنقل صورة مغايرة تماما للحدث والواقعة، أو تشوّه تلك الصورة، ولا تعترف بها أبدا، وتسعى إلى الانتقاص من قيمتها، وجودها وأهميتها أيضا، فكل ما يحدث بالنسبة لها هو حالة افتراضية بالنسبة للكرد، ولا يلقى أي اهتمام، على الصعيد الدولي، وهو آني مؤقت وفاشل أيضاً، وإلى ما هنالك من كلمات تقال عن أي حدث هام في حياة الكرد.

وإن كان لها دور كبير في التنمية، التطوير، نشر الوعي وإعطاء صورة واضحة عن أي حدث بتفاصيله ودقائقه، متجنبا إطلاق أحكام قيمة عليها، أو الانحياز إلى طرف ما، وعدم الحيادية، فإن الإعلام العربي لا يقوم بممارسة دوره بالشكل المفترض منه، والمنوط به تجاه القضايا الهامة والمصيرية للشعب الكردي، ويشترك مع الدول التي لها مصلحة في وأد تلك القضايا،والتي يسعى إليها الكرد في سبيل التحرر والاستقلال من الدول التي مازالت تنظر إلى الكرد، والمصير الكردي كحالة مفروغة منها، ألا وهي أنه من المستحيل عليهم القيام ببناء دولة كردية، أو حتى الحلم بذلك.

وانطلاقا من هذه المبدأ التي تبنته الدول، ينظر الإعلام إلى الكرد، أيضاً نفس الصورة، ويتبنى نفس الرؤية، فلم نشهد إعلاماً عربياً ولو لمرة واحدة دافع عن حقوق الكرد، أو أظهر صورة الحركات التي قام بها الكرد في سبيل قضيتهم بالشكل المطلوب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ارتباط عميق ووثيق للوسيلة الإعلامية بالنظرة السياسية والأمنية حتى لتلك الدول، وتنطلق الوسيلة في مواقفها من الكرد وقضاياهم المصيرية انطلاقا منها.

ليس هناك إذا من تقبّل للكرد من قبل الوسائل الإعلامية العربية، وهذا ظاهر للعيان في الكثير من المواقف التي تنبتها تلك الوسائل، فلم نشاهد مثلاً قناة واحدة أشارت إلى مجزرة حلبجة، الأنفال، المعارك التي كانت تدار بين البيشمركة وقوات النظام العراقي، وإن كانت تتم الإشارة إليهم فإن تلك الإشارة تكون بقولهم: إن هناك معارك دائرة بين (منشقين عن النظام- ميلشيات- خونة- انفصاليين…) وغيرها من الألقاب التي كانت تشير تلك الوسائل إليها، منكرة الحقائق، ومزيّفة إياها، ونظرتها تلك لا تختلف في شيء عن نظرة الدول التي كانت تطلق تلك الصفات على الكرد، متناسية أنه لابد من تقبّل وجودهم في قلب الأحداث الهامة التي كانت تجري في المناطق التي يتواجد فيها الكرد.

وما نلمحه اليوم ليس ببعيد مما شاهدناه ولاحظناه بالأمس القريب من إهمال وإنكار من قبل الوسائل الإعلامية للكرد، ومحاولة تهميش دورهم ووجودهم في حياة الدول التي يعيشون فيها، فحين انطلقت الأحداث في سوريا لم نلحظ وسيلة تشير إليهم إلا من وجهة نظر خاصة، وزاوية معينة؛ كانت تريدها هي أن تراها فقط، وتنظر إليها، لتنقل لنا بشكل واضح وصارخ رؤية الأطراف التي كانت تسعى إلى ذلك مثلا: من اعتبار الكرد انفصالين، وبعيدين عن الثورة، ويشقّون طريقهم وحدهم، انطلاقاً من مبدأ أنه من ليس معي فهو ضدّي، والكل يشهد ويعرف تماما أن الكرد لم يقفوا مكتوفي الأيدي في تلك الأحداث، بل شاركوا فيها، وتعرّضوا مثلهم مثل غيره للظلم والتعذيب، ولكن وبما أن تلك الوسائل الإعلامية كانت ترغب في السير على نهج مخطط لها من قبل الأنظمة الراعية لها، فإن ذلك يستدعي بالضرورة إطلاق صفات وألقاب على الكرد من هذا المنطلق.

ومع أنه حدثت في المناطق الكردية مجارز ومازالت تحدث، إلا انها لم تلقَ ذلك الصخب، وتلك الضجة الإعلامية من قبل تلك الوسائل؛من تسليط للضوء على الأحداث الكبرى التي حصلت، كالمعارك الدائرة في (كوباني)، والتي كانت حتى عهد قريب من نهاية الأحداث فيها تخجل من الإشارة إلى اسمها الحقيقي (كوباني) بل كانت تشير إليها بـ (عين العرب)، وفق التسمية العربية الدارجة لها، وكانت تلك الوسائل تنقل؛ ومستعدة أيضا لأن تنقل خطابات كافة القيادات والقوات التي جاءت لغزو كوباني، ومن خلفها خطابات مسؤولين من بعض الدول؛ من باب تثبيط العزيمة، والإقلال من شأن الكرد، وحين نجحت المقاومة لم تشر إليها إلا بالقليل، وفي عفرين حدثت نفس الحكاية، ومازالت مأساة أهل عفرين، وتشرّدهم من ديارهم ماثلةً أمام العين، ولا تشير إليها إحدى تلك الوسائل ببنت شفة.

كل تلك التحولات الكبيرة التي تحدث في المنطقة، وتتغاضى عنها الوسائل الإعلامية العربيةلا يؤكد ويبرز إلا حقيقة واحدة؛ وهي أنها متناغمة مع المواقف السياسية للدول الداعمة لها، وغير مستعدة لأن تنظر إلى الكرد بطرف عين، أو أن تشير إلى أية قضية كبرى تتعلق بحياة الكرد، وهذا بالطبع نابع من سياساتها وتوجهاتها المطلوبة منها، والتي لا تستطيع الحياد عنها على الرغم من أنها تدّعي الحيادية، والمصداقية في عملها.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد المجيد محمد خلف: تهميش الكرد وتشويه صورتهم في الدراما السورية

عبد المجيد محمد خلف_روائي وناقد- سوريا   صور التلفاز كاذبة ومخادعة، لكنها تأتي منطقية؛ لتصادق ...