الرئيسية | مقالات | عبد المجيد محمد خلف: تهميش الكرد وتشويه صورتهم في الدراما السورية

عبد المجيد محمد خلف: تهميش الكرد وتشويه صورتهم في الدراما السورية

عبد المجيد محمد خلف_روائي وناقد- سوريا
 
صور التلفاز كاذبة ومخادعة، لكنها تأتي منطقية؛ لتصادق على وظيفة التلفاز في عالم ينزح إلى استبدال الحقيقة بصورتها الممثّلة، وجعل ميزانسين الحقيقة يحل محل الحقيقة نفسها، هذا المنطق الجاهز هنا سلفاً، وهذا السيناريو اللاوعي هو المسوّغ والمسبب لقبول تلك الصورة التي تعرض على شاشات التلفاز في أية لحظة، حول حالة تفترط أن تكون على عكس ماهيتها، ولكنها تستدعي من القائمين عليها القيام بذلك، وطرحها على الملأ في شكل صارخ منتقى؛ يعرف أصحابها كيف يطرحونها، وكيف يقدمونها بالشكل المطلوب، والدراما السورية تقوم إما بتهميش الكرد، أو نقل
صورة مشوّهة عن الكرد، وحياتهم.
وتبقى صورتهم تلك حالة حاضرة في الأذهان، ولا نعجب إذا رأينا فيما بعد كلمات تصبح مثلا عامياً وشعبياً متداولاً في المجتمع السوري عن الكرد؛ يعكس تلك الحالة، ويضع لها إطاراً عاما حول شعب يتمتع بتلك الصفات التي يراد لها من الدراما
السورية المطروحة، وكواليسها، فتنعتهم تلك الدراما بشتى المثالب والعيوب؛ فالكردي (أمي- بسيط- فقير- متخلّف- جاء إلى الشام ليعمل- يستجدي لقمة عيشه- مغفّل- مغبون- يبكي دائما في أفضل تصوير له، وارتقاء لشأنه على ماضٍ تولّى)، لتكمل الدراما مشهد التقليل من قيمته، وتشوّه صورته، عبر إنطاق الشخصيات التي تلعب دور الكردي – في أي مسلسل سوري كان- كلمات تحمل عناصر المبالغة،
التهويل، السخرية والتقليل من القيمة؛ شأنها في ذلك شأن المسرحيات التي قدمها همام حوت؛ من جعل جميع الشخصيات المعروفة في التاريخ كرداً على لسان الممثلين على خشبة المسرح من باب (السخرية والاستهزاء والتندّر)، وهذا معروف
لدى الجميع، وشكّل عاملاً وعنصراً بارزاً في إضفاء ذلك الطابع على تلك المسرحيات من جهة، والتقليل من شأن الكرد وتشويه صورتهم من جهة أخرى، على الرغم من أن مشاهد (الفكاهة والكوميديا) التي يراد بها إضحاك الجمهور كثيرة، ومتنوعة، ولا تستدعي اختراع مشاهد – تبعث على السخرية والاستهزاء بهذا الشكل الصارخ، ولا تمت إلى الكرد بصلة- فقط من أجل إضحاك الجمهور، وتسليته، على
حساب التقليل من قيمة الآخرين، وتشويه صورتهم أمام الغير.
ما يعني أن كل ما يقدم في الدراما السورية على لسان شخصيات كردية مفترضة هي رغبة واضحة من كتّاب السيناريو والمخرجين، ومن خلفهم الإعلام، إلى تشوية الحقيقة، والصورة الواضحة عن الكردي في المجتمع السوري، والمتابع لهذه
المسلسلات يدرك هذا جيدا..
وعلى طرفي نقيض من هذه الغاية، نجد أن العنصر البارز والأكثر تأثيراً في مجريات الأحداث في الدراما والمسلسلات السورية هو الشخصية الشامية (صاحب النخوة- الكرامة- القوة- المقاوم الأول والأخير للمستعمر الفرنسي والمحتل العثماني- الكريم- المضياف- الحريص على وحدة الصف والوطن- حامي الديار)…
وغيرها من الصفات الخيالية التي ساهمت وتساهم حتى الآن الدراما إلى إعلاء مكانتها، ورفع قيمتها في المجتمع السوري؛ لتجعل تلك لدراما من الغبن، انتقاص الحق والقيمة، التهميش والإقصاء شعورا يرافق الكردي في مسيرة حياته كلها، وتسود في مخيلته أمنية واحدة فقط؛ وهي أن يرى اسماً كرديا، أو اسماً لإحدى المناطق الكردية، أو حتى مشهداً تمثيلياً واحداً فقط في إحدى أماكن تواجدهم وسكنهم، ونجد أن مشاعر الفرح
ترافقهم لأن الممثلين في إحدى المسلسلات لفظوا اسم مدينة (القامشلي على لسانهم،أو الحسكة)، أو صوّروا سكة الحديد لمرة واحدة فقط في قرية من قراهم في إحدى السنوات..
جميع من في سوريا أبناء الدراما السورية ومسلسلاتها إن صح القول، إنها باتت تشكل بيئة الإنسان السوري الفعلية، صحيح أنها مصنوعة مكيّفة؛ لكنها من هنا بالتحديد تعتبر أشدّ أثراً وتأثيراً في شعور ولا شعور الإنسان السوري، وأقدر على تشكيل ذهنيّته وشخصيّته، وأفعل منها في صياغة أفكاره وتوجيهها، ولهذا نلاحظ النظرة العامة والسلبية من قبل السوريين إلى الكرد نتيجة لتلك الصورة المشوّهة التي تقدم في
الدراما عنهم، وتأثّر السوريين بها، وبالتالي إطلاق أحكام قيمة عليهم، ونعتهم بالجهل والتخلف؛ تبعا للصورة المقدمة في شاشات التلفزة والدراما.
والكل يدرك هذه المعادلة جيداً، وهي أن للدراما دور كبير في الحياة، ولها تأثير في وعي المتابع لها؛ لما يعرض عليها من قصص وأحداث (واقعية- متخيلة- تاريخية)، تدفع المشاهد إلى متابعتها بدقة؛ لدرجة صارت من خيرة الوسائل للدخول في حياة المتابعين لها، وجعلهم يعيشون أحداثها بتفاصيلها ودقائقها، وخلق رأي عام عندهم تجاه القضايا الهامة التي تثيرها تلك الدراما، وتوجيههم إلى الغايات التي يراد منها
عبرها؛
إن أحسن استخدامها في سبيل هذه الغايات، ويلاحظ تأثيرها الكبير على شبكات التواصل الاجتماعي؛ مثلها مثل أي موضوع يطرح بقوة عليها، ويثير
الكثير من النقاش والجدال.
وهنا تتبدى المعضلة، وتتجلى بأوضح صورها، وإشكالاتها، فهناك ارتباط بين كل ما يلقى على الساحة الثقافية والمعرفية، وعلى المستوى العام والخاص، والتي تشكّل الدراما إحدى المسارب الرئيسة لتكوين هذه الثقافة التي يُسعى إلى خلقها ونشرها في راهننا، وإيجاد سبل لتعميق العلاقات والروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع الواحد على أقل احتمال، فهي بما تملك من قدرة على التأثير في المجتمع تستطيع لعب دور
هام وجاد في ذلك، ولكن يبدو أن توجهها في المسلسلات السورية تجاه الكرد عكس ذلك تماماً، إذ يقتصر دورها على التهميش، أو الإقصاء فقط.
---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هوشنك أوسي: كردستان العراق: البلاد الناهضة من تحت الأنقاض – 2

هوشنك أوسي _ كاتب وباحث كُردي عندما كانت الطائرة تحلّق فوق هولير – (أربيل)؛ عاصمة ...