الرئيسية | مقالات | علي العبدالله: قيامة الكرد مع قيامة المنطقة
DSCI0040.JPG

علي العبدالله: قيامة الكرد مع قيامة المنطقة

علي العبدالله: كاتب سوري

 

ما تزال قضية مطالبة الشعب الكردي بحقه في كيان سياسي مستقل تثير حساسيات سياسية واجتماعية في دول الشرق الأوسط التي شُكلت بُعيد الحرب العالمية الأولى من قبل الدول المنتصرة في هذه الحرب، بعد أن قضت على السلطنة العثمانية. وهذه الأخيرة كانت آخر نسخ الدولة الإسلامية بمسمياتها المختلفة وحدودها المتغيرة: الخلافة الراشدة فالأموية فالعباسية وصولاً إلى العثمانية. حيث دولة إمبراطورية مرتكزها ديني(الإسلام) عاشت طويلاً، وضمّت شعوباً كثيرة.

دولٌ شُكلت وفق مقتضى مصالح الدول المنتصرة وخططها المستقبلية للمحافظة على مكاسبها ما رتّب حالة عدم استقرار وصراعات وحروب، على خلفية تجاهلها لحقوق شعوب، الكرد والفلسطينيين، ورسمها لحدود وخرائط في ضوء توازن القوى بينها.

لم ترضِ المعاهدات والاتفاقات الإقليمية والدولية التي صاغت الشرق الأوسط الجديد الشعبين الكردي والفلسطيني، فكانت المقاومة السياسية والمسلحة من أجل استعادة الحقوق، وإقامة كيان وطني مستقل على خلفية وجود شعب متميّز، وحقّه في تقرير مصيره، أسوة ببقية شعوب العالم.

في سياق نضالي طويل ومرير، قدم فيه الشعب الكردي تضحيات كبيرة، جسّد فيه هويّته القوميّة وتطلّعاته المشروعة، وحقق فيه مكاسب سياسيّة واجتماعيّة على طريق استعادة حقوقه، جاء إعلان رئيس إقليم كردستان العراق إجراء استفتاء شعبي يوم 25 أيلول القادم لمعرفة موقف شعب الإقليم من العلاقة مع دولة العراق: أهو مع استمرار الارتباط بها أم مع الاستقلال عنها؟.

أثارت الدعوة أسئلة وردود أفعال متباينة، ليس داخل العراق فقط، بل وفي تركيا وسوريا وإيران، عاكسة مواقف أنظمة هذه الدول وقواها السياسية من الاستفتاء وتبعاته، حيث توزّعت المواقف بين مستنكر للإعلان على خلفية عدم أحقيّة الكرد بدولة خاصّة على خلفيّة إنكاره لكينونة هذا الشعب، وبين مُستغرب؛ في ضوء قيام نظام اتحادي في العراق للكرد فيه إقليم خاصّ، تجسيداً لخصوصيتهم القوميّة، يتمتّع بصلاحيّات واسعة سياسية (رئيس وحكومة وبرلمان وعلاقات دبلوماسية) وأمنية (جيش وأجهزة مخابرات) واقتصاديّة (موازنة سنوية وتجارة خارجية) ناهيك عن سيطرته على احتياطي نفطي ضخم، أقصى ما يمكن الحصول عليه. وبين من اعتبر الخطوة مناورة سياسية هدفها الضغط على الحكومة المركزية لتنفيذ المادة 140 من الدستور الاتحادي المتعلقة بإجراء استفتاء حول المناطق المتنازع عليها، كركوك بشكل خاص. وبين رافض لقيام دولة كردية لاعتبارات أمنية تتعلق باستقرار العراق والإقليم. وبين من اعتبرها في غير صالح شعب الإقليم، في ضوء معطيات الجغرافيا السياسية. أصوات قليلة من غير الكرد، باركت الدعوة، على خلفية اقتناعها بأحقية الكرد في كيان وطني يجسّد شخصيتهم القوميّة، وينهي صراعاً مكلفاً هزّ استقرار المنطقة واستنزف مقدراتها.

لا شك أن للخطوة ارتدادات ثوريّة في منطقة هامّة على عدة صعد: جيواستراتيجيّة وجيوسياسيّة وجيو اقتصاديّة، من جهة، وتعاني من هشاشة سياسيّة واختلالات اقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة وعميقة، من جهة ثانيّة، وترتبط أنظمتها بحبل سرّي مع دول المتروبول، من جهة ثالثة، ما جعلها ساحة لتنافس وصراع إقليمي ودولي، وعرضة لهزات وحروب متتالية أفقدت “دولها” استقرارها ودفعت أنظمتها إلى الاستسلام لعلاقات التبعيّة السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، طلباً للحماية، ما رتّب تمكين الدول الحامية من الهيمنة على الدورة الاقتصادية وتدوير عوائدها الماليّة نحو خزائنها، وحرمان المواطنين من مقدرات وطنهم وعائدات إنتاجه، ومن ابسط حقوقهم السياسيّة والاقتصاديّة، وخضوعهم لقمع منهجي من أجل ضبط ردود أفعالهم وضمان رضوخهم.

جاءت الدعوة للاستفتاء بعد أحداث وتطورات سياسيّة وعسكريّة هزّت مرتكزات هذه الأنظمة وقدراتها على الهيمنة والسيطرة (الحرب العراقية الإيرانيّة، احتلال الكويت وحرب الخليج الثانيّة، فرض منطقة حظر طيران شمال خط عرض 32 لتوفير حماية للكرد، احتلال العراق عام 2003، إقامة النظام الاتحادي في العراق، ثورات الربيع العربي) جعلتها ممكنة.

غير أن الأنظمة التي سحقت تطلعات شعوبها للحرية والكرامة في نظام يحقق العدالة والمساواة بين المواطنين، بغض النظر عن العرق والدين والمذهب والجنس، وتنازلت عن استقلال وسيادة “دولها” للخارج ثمناً لاستمرارها والمحافظة على سلطاتها الحاكمة، لم تنظر إلى التطوّرات السياسيّة والعسكريّة، والتحرّكات الشعبيّة التي شبّت عن الطوق، وكسرت جدار الخوف، بعين الرضا، ولم تقبل بنتائجها وتبعاتها، انخرطت في حروب دامية وقمع وحشي، حرب قاتل أو مقتول، على أمل تحطيم الثورات وسحق الثوار وإعادة الشعوب إلى قمقم الخوف والخضوع. ما يستدعي إعادة نظر جادّة وعميقة في توجّهات قوى التغيير السياسي والاجتماعي وتصوّراتها وأولوياتها وعلاقاتها وتفاهمها وتعاونها ورصّ صفوفها من أجل تحقيق مطالبها في الحريّة والكرامة، في متنها حقوق القوميّات والاثنيّات، في دول حقيقيّة وأنظمة شرعيّة تفرزها إرادة شعبيّة حرّة، بحيث تفتح صفحة جديدة في نضال شعوب المنطقة، وتضعها على عتبة تحقيق طموحاتها وتطلعاتها. وهذا يفرض تبني وجهة نظر جديدة إلى القضايا والملفات المعلقة والساخنة، بدلالة إشاعة روح التوافق والتعاون، بعيداً عن المغالاة والتعسف في تحديد الحقوق والمطالب. فالعرب، والترك والفرس أيضا، مطالبون في تعاطيهم مع القضية الكردية، وقضايا القوميات والاثنيّات الأخرى، بالانحياز إلى تصوّر منطقي وعملي أساسه الإقرار بحق الشعب الكردي في تقرير مصيره، عملاّ بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة من جهة، ومبدأ المعاملة بالمثل، حيث يتمسّك العرب بأرضهم ودولهم، وينادون بدولة عربيّة واحدة، وهذا حقهم. وعليه، يجب الإقرار بأنه حق للكرد، والقوميات الأخرى، كذلك، من جهة ثانية، والجلوس، بعد الاعتراف بالشعب الكردي وحقه المشروع في تقرير المصير، إلى طاولة التفاوض للاتفاق على حل قائم على الرضا والقبول المتبادل.

والكرد، كياناتٍ وأحزاباً، مطالبون بتكييف تصوّراتهم ومطالبهم وفق حقائق الجغرافيا البشريّة الراهنة، وإعادة النظر في خرائط كردستان الكبرى التي يتداولونها، والتي تشتمل على كل المناطق التي سكنها الكرد يوما ما، حتى التي لم يعمروا فيها طويلاً، عبر تاريخهم الطويل، متجاهلين ما أحدثه التاريخ من تحوّلات وتغيرات، وما عرفته الدولة الإسلامية، التي كانوا جزءاً منها، من تبدّلات في الحدود والولاءات، وتنقّل شعوبها داخل حدودها طوال عمرها المديد، وفق مقتضيات السياسة والاقتصاد، وما أحدثته سياسة توزيع المنح والاقطاعات العثمانية لرجالاتها وقادتها العسكريين، مكافأة لهم على خدماتهم للسلطنة، من تبدّلات وتحوّلات في الملكيّات وتعقيدات على الخريطة السكانيّة. وان العودة إلى خرائط ذلك الماضي البعيد مستحيلة (تصوّروا، ولو من باب التأمّل والمران الأكاديمي، العودة إلى خرائط العالم قبل مائة عام، وما يمكن أن يترتّب عليها من تغييرات في الخرائط والحدود، وما تثيره من صراعات وحروب) لأن التمسّك بتلك الخرائط، والمطالبة بتلك الأراضي تعني الانخراط في حروب لا تنتهي. والانحياز إلى حلّ سلمي توافقي، وعدم الانجرار وراء مستدعيات اللحظة السياسيّة الراهنة، والتمّسك بالمطالب بحدّها الأعلى في ضوء معطيات اللحظة التي تقول: إن الريح الإقليميّة والدوليّة مواتية للكرد، وتسمح بتحقيق المطالب بحدّها الأعلى. وفرض أمر واقع في ظل هذه المعطيات. فاللحظة السياسيّة الراهنة تحكمها عوامل آنيّة ومتغيّرة، وأن اتفاقات الإرادة الناقصة، وفق تعبير الاستراتيجيين، التي لا تقوم على الرضا، لا تعمّر، ولا تشكل أكثر من هدنة بين حربين. آخذين بالاعتبار أهمية العلاقات الحسنة مع شعوب المنطقة، ودول الجوار وأهميّة المحافظة على المشتركات (التاريخ المشترك، الدين المشترك، استخدام الحرف العربي في الكتابة) في توفير مناخات التفاهم والتعاون والتأسيس لنمو وازدهار شعوب المنطقة. لأن قيام دولة كردية لن يُخرج الكرد من جغرافية المنطقة أو يعزلهم عن جوارهم. وضرورة الجنوح إلى الحوار حقنا للدماء وحفاظاً على إمكانيات ومقدّرات الشعوب ومستقبلهم.

ختام القول: قيامة الكرد لن تكون بإسقاط المنطقة في المزيد من الازمات والحروب، بل بقيامتها والمساهمة في نهضتها وتنمية الديمقراطية والمدنيّة والوطنيّة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...