الرئيسية | حوارات | علي كنعان أوغلو: تركيا ليست دولة علمانيّة ولا هي ديمقراطيّة. والخطر الأكبر على العلويين، آتٍ من حملات التشيّع الايرانيّة

علي كنعان أوغلو: تركيا ليست دولة علمانيّة ولا هي ديمقراطيّة. والخطر الأكبر على العلويين، آتٍ من حملات التشيّع الايرانيّة

علي كنعان أوغلو، رئيس جمعيّة “سلطان هوبيار” الثقافيَّة العلويَّة، ونائب رئيس فيدراليَّة جمعيّات العلويَّة البكتاشيَّة في تركيا، وكان عضواً في البرلمان التركي عن لائحة حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، وهو الآن يشغل منصب الهيئة القيادية لهذا الحزب. ولد سنة 1971 في قرية “هبيار” التابعة لمحافظة طوكات، وتعتبر القريّة مركز العلويين البكتاشيين. واسم القرية آتٍ من اسم أحد رموز الطائفة. ويعتبر كنعان أوغلوا نفسه منحدراً من نسل الامام عليّ (ر). يحمل اجازة في الاقتصاد من جامعة الاناضول في اسكيشهر. منذ سنة 2002 وهو رئيس جميعة “سلطان هوبيار”. ومنذ 2008 وهو يشغل نائب رئيس فيدراليّة الجمعيّات العلويّة البكتاشيَّة في تركيا التي تأسست سنة 2002.

اجرى الزميل هوشنك أوسي هذا الحوار معه لصالح مركز “مسبار” للدراسات وكان من المفترض ان ينشر في كتاب خاص عن العلويين في تركيا سنة 2010. ولكن توقّف نشر الكتاب لأسباب تقنية. ونظراً لأهميّة المعلومات الواردة في الحوار والتي تتناول هموم ومشاغل ومشاكل وشؤون وشجون الطائفة العلويَّة في تركيا، وبعد عرض الزميل هوشنك نصّ الحوار على الهيئة الإداريّة للمركز الكردي – السويدي للدراسات، وافقت الهيئة على نشره كاملاً.

 

 

ـ متى بدأتم نشاطاتكم الثقافيَّة؟.

– حتّى قبل سنة 2002، كان ممنوعاً أن يكون كلمة “علوي” أو “العلويّة”، مدرجة في عنوان أو اسم أية تظاهرة أو جمعيّة ثقافيّة في البلاد. وكل الفعاليّات والنشاطات كانت تجري تحت اسماء أخرى، منها ما هو مستوحى من رموز الطائفة، دون أن ندرج كلمة “علوي” في طلب الموافقة على إجراء هذه التظاهرة. وبعد سنة 2002، حدث انفراج وحلحلة في هذه الأمور، وصرنا ندرج كلمة العلوي أو العلويَّة في اسماء جمعيّاتنا ومنتدياتنا وروابطنا الثقافيَّة والاجتماعيَّة.

 

ـ هل يتعلَّق الأمر بمجيء حزب العدالة والتنمية للحكم في هذه السنة. أقصد 2002؟.

– لا… إطلاقاً. وسنأتي للحدث حول هذا الأمر لاحقاً. ما أودّ أن أشير إليه، أنه كانت لنا محاولة لافتتاح جمعيّة للعلويين البكتاشيين سنة 1999، تمّ حظرها في نفس العام، عن طريق المحكمة.

 

ـ تماهياً وتناغماً مع ما اصطلح عليه بـ”الصحوة الإسلاميّة” في العالم، هل ثمة ما يشبه ذلك في الأوساط العلويَّة في تركيا؟ ولماذا؟

– ثمّة توجُّه عام في العالم نحو الدين. وهذا الأمر لا يقتصر على العالم الإسلامي وحسب، بل يشمل الغرب أيضاً. وحين أراد علويو تركيا التعبير عن ذاتهم، وهويتهم، في البداية، اتجهوا نحو التنظيمات اليساريّة، القانونيّة وغير القانونيّة في تركيا. بخاصّة بعد انقلاب 12 أيلول سنة 1980. وفي 1993 حدثت مجرزة في منطقة سواس طالت العلويين في الصميم، إذ حاصرت حشود من المسلمين السنّة فندق كان يقام فيه ملتقى ثقافي وفكري علوي، حضره كبار المثقفين والمفكرين والفنانين العلويين. وتم اضرام النار في الفندق. وراح ضحيّة ذلك نحو 37 شخص، بينهم مثقفون وشخصيّات علويّة هامّة. وقتئذ كان الحزب الحاكم هو حزب يساري، اشتراكي ديمقراطي. ورأى العلويون أن هذه الحكومة اليساريّة، لم تقم بما ينبغي حيال هذه الجريمة _ المجزرة. ومن هنا، بدأت تتبلور لدى العلويين فكرة مفادها: أن حماية الهويّة الثقافيّة العلويّة، لن يكون إلاّ عبر دعم وتغذية هذه الهويّة، والارتداد إليها. وهذا لا يعني أن الحزب الحاكم وقتها كان يساريّاً، حتّى يبتعد العلويون عن الفكر اليساري.

 

ـ تقصد، ثمّة أسباب ذاتيّة وموضوعيّة لـ”الصحوة العلويّة”؟

– بالتأكيد. مجرزة 2 تموز 1993 في سيواس السالفة الذكر، كان لها بالغ الأثر على الفورة العلويّة. وصرنا نرى دور العبادة (بيوت الجمع) منتشرة في كل مكان يتواجد فيه العلويون. وهذه الفترة مهمّة جداً لجهة أنه أعوام 1993، 1994، 1995، شهدت تصاعد الحركة الكرديّة وصراعها المسلَّح مع الدولة.

 

ـ ما علاقة هذا بذاك؟

– لأن الدولة كانت ترفض بشكل قاطع ان ينضم العلويون إلى الحركة الكرديّة المسلّحة، لذا غضت الطرف عن توجّه العلويين إلى هويتهم الثقافيّة والطائفيّة. وعليه، كي تحول دون أي نشاط مشترك بين العلويين والحركة الكرديّة، أرخت الدولة الحبل للنشاط العلوي. مجزرة سيواس كانت بمثابة الانفجار في الوعي أو الصحوة العلويّة. وكانت الدولة، تعي بأن هذا الانفجار، إمّا سيعبِّر عن نفسه في حركة معارضة خاصّة، أو تنضم للمعاركة الكرديّة، فرجَّحت الدولة خيار أن يتجه العلويون نحو هويّتهم الطائفيّة. وذلك، بشكل خفي وناعم.

 

ـ ما هي الأوساط الأكثر احتضاناً لهذا المدّ الديني بين العلويين؟ ولماذا؟

– كان المدّ عامّاً، شمل كل الطبقات والشرائح، وفي الأزقة والحواري والنواحي والمدن والأرياف…، الطبقات العليا (الارستقراطيّة والصفوة والنخبة) الكل كان معنيّاً بالتعلٌّم في الجوانب الفكريّة والفلسفيّة، حيال حقيقة وجوهر وتاريخ وأفكار الهويّة العلويّة، وأصول وجذور وفروع هذه المذهب؟، ومن أين تتأتّى؟. أمّا الطبقات الدنيا، فكان عليها التنظيم والتحشيد. والكوادر العلويَّة التي كانت ضمن الحركات اليساريَّة القانونيَّة وغير القانونيَّة، وظَّفوا تجاربهم السابقة ضمن هذه الصحوة والتنظيمات الجديدة العلويَّة.

 

ـ هل مالت هذه الموجة من الصحوة الدينيَّة إلى اتخاذ مواقف محافظة في القضايا الحياتيَّة؟. مثلاً؛ كيف هو تبنِّي الحجاب بالنسبة للنساء العلويات، وارتياد الأماكن الدينيَّة بالنسبة للرجال؟.

 

– البعض من رجال الدين المتخلِّفين كان لهم موقف رجعي من هذا التوجَّه المدني العصري الحداثوي للطائفة. لأنّ سابقاً لم يكن هنالك جمعيّات أو روابط أو أندية للعلويين. وكان الأمر مقتصراً فقط على إرادة وتجمعات رجال الدين. وكما في الديانة المسيحيَّة واليهوديَّة هنالك قساوسة وحاخامات، كذلك يوجد لدى العلويَّة الـ”ده ده” (الشيخ)، هؤلاء أحسَّوا ان الجمعيَّات والمنظمات الحداثويَّة بين العلويين، أفقدتهم البعض من سلطتهم.

 

ـ أفهم من كلامك، أن الطبقة الدينيَّة كان لها موقف سلبي من توجِّهكم الجديد؟.

– لا، لأن الجمهوريَّة منذ تأسيسها، حظرت ومنعت كل المؤسسات والمظاهر الدينيَّة، ومن ضمنها التابعة للعلويين. وعليه، نشاط رجال الدين العلويين كان سرّيّاً. وعلى الطرف الآخر، نشاط الجمعيّات المدنيَّة الحديثة، حظي بدعم الدولة. ما أودّ قوله: إن من يرأس هذه الجمعيّات أو المنظمات، لا يتدخّل في الشؤون العقيديَّة والدين. وفي كل جمعيَّة هنالك “ده ده” (رجل الدين العلوي).

 

ـ تقصد “ده ده” عصري حداثوي؟.

: لا. الـ” ده ده”، “ده ده”، لا فرق. أنا “ده ده”.

 

ـ لكن الـ”ده ده” السابقون، وصفتهم بالمحافظين وأصحاب مواقف رجعيَّة؟.

– لا يوجد يوجّه تيّار محافظ في العلويَّة.

 

ـ يعني، العلويَّة فيها من الاعتدال والمرونة واللبراليَّة ما لا يفرض ارتداء الحجاب؟.

– لدى العلوين، مَن تشاء الحجاب، لها ذلك. ومن ترفضه لها ذلك. لا نجبر أحد على حسر أو تغطيته. هذه مسألة متعلّقة بالحريَّة الفرديَّة ومرتبطة بأفكار ومواقف الإنسان. ثمَّة ما تضعه المرأة العلويَّة على رأسها، ولا يمكننا اعتباره حجاب.

 

ـ ما القلق الذي ينتاب العلويين من موجة الصحوة الإسلاميَّة التي تنتشر في أوساط باقي التيارات، تحديداً، السنية والشيعيَّة؟.

– الأكثر تضرراً وتعرُّضاً لظلم السلطة الدينيّة هم العلويون. ثمّة تاريخ مرير حول ما تعرضنا له من قمع وحظر ومنع، يمتدّ للحقبة العثمانيّة، حين منعت بيوت الـ”جمع”، وإعدام الكثير من رموز هذه الطائفة، كـ”بير سلطان عبدال” و”حاجي بكتاش”. حدث ذلك في حقبة المذابح بحقّ العلويين لأجل بيوت الـ”جمع” العلويّة، من قبل العثمانيين. والآن، حزب العدالة والتنمية الحاكم، الشريحة التي لا يحصل منها على أصوات انتخابيّة هم العلويون.

 

ـ لكن، يوجد علويون ضمن العدالة والتنمية؟!.

– لا… ضمن كتلة حزب العدالة والتنمية البرلمانيّة، يوجد فقط برلمانيان، لا علاقة لهما بالعلويّة، لا يزورون بيوت الـ”جمع”، ولا يتواصلون مع نشاطات الطائفة. والانكى، أنهما مرفوضان ومنبوذان.

 

ـ طيّب، لماذا وافق العدالة والتنمية على عضويتهم؟

– ثمّة زعم لدى الحزب الحاكم، مفاده أنه يمثّل كل تركيا، يمثّل كل القوميّات والطوائف والأديان. لذا، اتجه هذا الحزب لاصطياد بعض العلويين. وبشقّ النفس، حصلوا على اثنين. وبشكل غير مباشر، وصلني طلب الحزب الحاكم!. وأمام هذه التحدّيات، لدينا تدابيرنا. وتتركّز هذه التدابير في إطار تقوية البنى والهياكل التنظيميّة ضمن الطائفة. ولدينا سعينا إلى الحصول على حقوقنا وصيانتها استناداً على القانون الدولي والقانون التركي. وفي هذا السياق، لدينا بعض الدعاوى المرفوعة ضد الدولة أمام المحاكم الدوليّة. شخصيّاً، رفعتُ دعوى ضدّ الدولة، فيما يتعلّق بفرض مادّة الديانة الإسلاميّة في مناهج التدريس.

 

ـ سنأتي على مواقفكم فيما يخصّ بمناهج التربيّة والتعليم. يعني، هذه هي تدابيركم؟.

– هذه هي، ضمن الأطر القانونيّة. ولا يوجد لدينا غيرها.

 

ـ لكن، حزب العدالة والتنمية، يقوم بإجراء التعديلات القانونيّة وفق مصالحه وتوجّهاته؟. يعني، السلاح الوحيد الذي في أيدكم، هو القانون. ومن الآن فصاعداً، ستفقدون هذا السلاح أيضاً؟.

– صحيح. لكن، المجتمع العلوي، تخلّى عن الكفاح المسلّح منذ الحقبة العثمانيّة. وخلال العهد الجمهوري، لم نلجأ الى حمل السلاح. ليس لدينا خيار آخر. وبهذه الوسيلة تصبح المشكلة العلويّة، مشكلة دوليّة، وغير محصورة في تركيا. حتّى أن الحركة الكرديّة، هي أيضاً تلجأ للوسائل القانونيّة، داخل وخارج تركيا، إلى جانب الكفاح المسلّح.

 

الخطر الأكبر:

 

ـ ما هو تحليلكم لصعود هذه الموجة من الأصوليَّة؟.وما موقفكم منها؟.والحل؟. هل أثَّرت هذه الموجة الإسلاميّة التركيّة على الشباب العلويَّ لجهة التسرّب نحو الطوائف الأخرى السنيَّة والشيعيَّة؟. أو اتخاذ مواقف مضادة منها؟.

– الخطر الأكبر على العلويين، آتٍ من حملات التشيّع. لأن العلويين يشتركون مع الشيعة في محبّة الإمام عليّ والأئمة الاثني عشر. والآن، ثمّة سياسة تشييع نشطة في تركيا.

 

ـ من يقف وراءها؟.

– رئيس مديرية الأوقاف والديانة، سليمان آتيش، قام بزيارة إيران. فوضعه الإيرانيون أمام خيارين: إمّا أن يحوّلوا العلويين إلى سنّة، أو يتركوهم لإيران، بغية تحويلهم إلى شيعة. والجغرافيا التي يتوزّع فيها العلويون واسعة، تضم تركيا وسورية ومنطقة كردستان العراق، وشمال إيران، وأذربيجان ألبانيا، اليونان، بلغاريا، صربية، البوسنة…، هنالك سياسة تشييع للعلويين في كل هذه المناطق. مثلاً، هنالك عدد كبير من العلويين في كردستان العراق، تمّ تحويلهم إلى شيعة. ويحدث نفس الأمر، تماماً، في تركيا.

 

ـ هل هذه تحليلات؟ أم معلومات موثَّقة؟.

– بين أيدينا أدّلة موثّقة. ومنها، تحالف علويو كردستان العراق مع الشيعة، ولم يدعموا المرشّحين العلويين، كما ينبغي.

 

ـ طيب، هذا في كردستان العراق. فماذا عن المناطق الأخرى التي أتيت على ذكرها؟.

– هنالك سياسة رسميّة في إيران، تقضي بتشييع السنّة، وخاصّة العلويين. ونجحت في ضمّ مئات العلويين، شمال إيران، إلى الشيعة. القنوات التلفزيونيّة العلويّة التي تبثّ من تركيا، هي ممنوعة في إيران. حتّى أن اتصالاتهم تخضع لرقابة. والأطباق اللاقطة لإشارات البثّ الفضائي ممنوعة. وثمّة مخططات وسياسات جادّة في تركيا رامية إلى تشييع العلويين في تركيا.

 

ـ العلاقة بين حكومة أردوغان مع طهران جدّ وطيدة. هل تقصد أنه هنالك مخطط مشترك يستهدف العلويين.

– نعم. لأنّ الفكر العلوي كان دوماً ينظرون إليه على أنه مصدر تهديد لهم.

 

ـ وما وجه هذا التهديد؟.

– كما قلت لك، من الصعوبة بمكان تشييع السنّة قياساً بالعلويين، للسبب الذي ذكرته لك. وجه الخطورة أن المذهب العلوي، يرفض الجامع، ولا صلاة ولا صيام رمضان. إلى جانب أن في بيوت العبادة لدينا يوجد الموسيقى. الصور والرسوم مباحة. الرقص ممسموح به. ويمكن للنساء والرجال أن يمارسوا عباداتهم معاً. هذه الأمور ممنوعة في الإسلام.

 

العلوية والإسلام:

 

ـ أوليس العلويّة طائفة إسلاميّة؟!.

– ما يفهمه العلويون من الإسلام، ليس هذه الطقوس. الإسلام الذي يعرفونه ويفهمونه، ليس هذا.

 

ـ أتحسبون أنفسكم من المسلمين؟.

– هذا السؤال، هو محلّ سجال، ضمن الطائفة العلويّة. بعض العلويين، يعتبرون العلويّة دين آخر، فكر آخر، غير الإسلام. ويمكن القول: أن 80 بالمئة من العلويين يعتبرون أن العلويّة آتية من الإسلام، رغم عدم اشتمالها على فروض وأركان الإسلام: الصلاة والصيام والحج والزكاة.

 

ـ وهل تعتبرون أنفسكم من هذه النسبة، الثمانين بالمئة؟.

– إذا كنتم تعتبرون أن الإسلام، فقط هي هذه الأركان الخمس، فأنا خارج الإسلام.

 

ـ أنا أطرح عليك السؤال، كرئيس لجمعيّة “سلطان هوبيار” ونائب رئيس فيدراليّة الجمعيّات العلويّة البكتاشيّة، هل تعتبرون العلويّة البكتاشيّة ضمن هذه الثمانين بالمئة؟.

– نحن في العلويين البكتاشيين، خليط، يضم أصحاب وجهتي النظر، الثمانين بالمئة والعشرين بالمئة. لدينا في الجمعيّة، لا يوجد توجّه معيّن ومحدد. ولكن متاح لأعضاء الجمعيّة حريّة التفكير. ولا يوجد فوارق فكريّة كبيرة بين العلويين البكتاشيين، بقدر ما يوجد فارق من حيث القيمة والمعنى الذي يولونها لمذهبهم. ولذا، يشرعنون دمنا، ويفتون بهدره.

ط\ظ

ـ سياسات الصهر والقمع والتهميش التي كان يتعرّض لها العلويون، ألم تؤدّي إلى ظهور تيّارات أو مظاهر متطرّفة بينهم؟.

– لا، هذه السياسات، عززت التنظيم بين العلويين، ومنحتهم المزيد من الفرص لرصّ الصفوف وحشدها. ولم يعبّر التنظيم العلوي عن نفسه عبر ردود أفعال متطرّفة.

 

العادات والتقاليد

 

ـ في ظل توزع العلويين في تركيا على أكثر من مدينة متروبولية كبرى، وتركهم لمناطق سكناهم الاساسيَّة في الأرياف، كيف تغيرت العادات والتقاليد الخاصّة بهم؟. وهل تغيّرت أنماط عبادتهم وتصوّراتهم الدينيَّة؟.

– في الحقبة العثمانيّة، وأثناء تعرَض العلويين للمجازر، كانوا يضطرون للهرب والسكنى في أماكن خارج سيطرة الدولة. وهناك، حافظ المذهب على هويّته وخصائصه. والهجرة نحو المدن، أحدثت هزّة ورجّة قوّية في الإيمان العلوي. ولفترة مديدة، كان الإنسان العلوي حائراً، يتساءل: ما العمل؟ ما الحل؟. هذه المرحلة القلقة ابتدأت من سنة 1950 ولغاية 1980، وبل حتّى مطلع التسعينات. يعني، كان الإنسان العلوي منقسماً على نفسه، إذ يعيش في المدنية، وعقائديّاً كان موجوداً في الريف. ومع تزايد عددهم في المدن، لم يعد ممكن العودة للوراء وإلى القرى، وكان لا بدّ من حلّ. لذا، كان من الضرورات القصوى تأسيس بيوت الـ”جمع” في المدن أيضاً. وهذا لا يعني أن كل المشاكل تمّ حلّها بهذه الخطوة. ما زالت هنالك مشاكل في العقيدة، تعيق الاندماج ضمن الحياة المدينيّة. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، قبل 30 سنة، لم تكن لدينا بيوت الـ”جمع” في المدن الكبرى. ما أجبر العلوين على إرسال جثامين مواتهم إلى الجوامع والمساجد، فيتعرّض الجثمان وذويه للإهانة من قبل السنّة. لدرجة أنّه كان تقطع الكهرباء عن الثلاجات التي فيها الجثامين، ما يجعلها تتفسّخ وتنبعث منها الروائح، وتنسج قصص عن مصدر هذه الروائح على أنها عقاب إلهي أو ما شابه. لقد عانى العلويون من هذه التصرفات وما على شاكلتها في المدن. والحمد لله، أنّه بعد تأسيس بيوت الـ”جمع” حلَّت هذه المشكلة.

 

ـ كم عدد بيوت الـ”جمع”؟.

: في اسطنبول، نحو 80 بيت. وفي عموم تركيا، أين توجد قرية علويّة، يوجد فيها بيت “الجمع”. بالإضافة إلى المدن الكبرى.

 

ـ وماذا عن موزاييك المجتمع العلوي. هل هم نسيج تركي متجانس وصرف، أم هنالك مكوّنات أخرى تشكِّل هذا المجتمع؟.

– يتكوّن المجتمع العلوي من عنصرين رئيسين هما الكرد والترك. وضمن الأتراك، الاكثر هم التركمان. بالإضافة إلى وجود العلويين العرب السوريين في هاتاي _ اسكندرون، أضنا، ميرسين.

 

ـ كيف تغيّرت العلاقة بين الأبناء والآباء؟. وبين الرجل والمرأة؟. وكيف كانت هذه العلاقات تقليديّاً في المجتمعات العلويَّة في تركيا؟.

– يتميّع المجتمع العلوي بذاكرة قويّة، تتناقلها الأجيال، من الأجداد إلى الآباء فالأبناء والأحفاد. ثمّة نزعة عدم نسيان الإهانة والحقارة التي لحقت بهم وبمواتهم. لقد عشنا هذه المعاناة على هذا التراب. بالتأكّد طرأت تغيرات على نمط المعيشة ونمط التفكير. وهذا التأثر يلحق بكل من يغيّر البيئة والمكان من أيّ دين أو طائفة كان. وإلى ذلك، فأن اتجاه العلويّ نحو المدن، جعله يدرك اختلافه أكثر. وعرف سبب اضطهاده، على خلفيّة معتقده، من قبل السنّة والشيعة. يعني بشكل عام، التأثير الحاصل كان سلبيّاً. وأعتقد أن مسألة الفرز ما بين التأثير السلبي والإيجابي، يكون خاضع لزاوية الرؤية إلى المشهد. فإذا كان على صعيد مسألة سلاسة الاندماج المديني والحضري، وإعلان القطيعة مع الريف على صعيد التفكير والسلوك، هذا أمر إيجابي. والمجتمع العلوي، أو التجمّعات العلويّة في أوروبا، معروف عنها بأنها الأكثر سرعة في عملية الاندماج والتكيّف مع المجتمع الأوروبي. وإذا نظرت على صعيد التقاليد والعادات، وتراجعها، هذا تأثير سلبي. العقيدة العلويّة فيها من السلاسة البعيدة عن تعقيد وتصعيب الأمور. وشخصيّاً، لا اعتبر ذلك تأثير سلبيّاً. لأن الدخول إلى نمط جديد من الحياة، يستوجب تبنّي آليات وطرق ووسائل جديدة ومفاهيم وأفكار جديدة تنسجم من الحياة الجديدة. يعني، يمكن أن نجري تحديثاً في السلوكيات مع الحفاظ على الجوهر.

 

الشؤون الدينية:

 

ـ ما هي الخطوات والسلوكيات التي يتخذها الأكليروس (طبقة رجال الدين) في ظل هذه الظروف والمعطيات، للحفاظ على الهويَّة والخصوصيَّة العلويَّة ضمن الطائفة؟

– طبعاً هنالك نشاط ومخططات، تتوزّع على الجمعيّات والأنديّة ومنظّمات المجتمع المدني، وعلى بيوت الـ”جمع” الذي يديرها الـ”ده ده”. وهنالك مؤتمرات واجتماعات خاصّة برجال الدين، تعقد وقت الحاجة، وليس بشكل منتظم ومحدد. مثلاً، قبل فترة، أنعقد في كليّة العلوم السياسيّة في جامعة أنقرة، متلقى حضره نحو 500 “ده ده”، ناقشوا الكثير من هموم ومشاغل ومشاكل المجتمع العلوي. واتخذوا بعض القرارات والتوصيات بهذا الصدد. ولا يمكنني أن أعطيك إحصاء دقيق عن عدد رجال الدين العلويين في تركيا، إذ حيث يوجد بيت الـ”جمع” يوجد فيه “ده ده”.

 

ـ هل هنالك معاهد لتخريجهم ومنحهم الشهادة؟.

– يشترط فيهم أن يكون من نسل الإمام علي. أنا “ده ده”.والحصول على هذا اللقب أو المنصب، غير متاح لأيٍّ كان من العلويين. وإذا يكون لدى رجل من نسل الإمام علي أربعة أطفال، ليس شرطاً أن يصبح الأربعة “ده ده”. يتمّ انتقاء الـ”ده ده”، وفق الميول والتوجّه والمستوى الفكري والعقيدي. يعني، ليس بالضرورة أن يصبح كل أولادي “ده ده” لأنني هكذا. وفي بيوت الـ”جمع” متاح للمرأة أن تدير شؤون الدين والمذهب.

 

ـ مسموح للمرأة أن تصبح إماماً؟.

– أنت تسمّيه إمام، ونحن لدينا نسمّيها “آنا” (الأمّ).

 

ـ ثمة الكثير من القضايا الحياتيَّة، الثقافيَّة في تركيا، التي تتدخّل في تشكيل نمط الحياة السياسيّة والاجتماعيّة. مثلاً؛ ما موقفكم من قضيّة منع الحجاب في الجامعات التركية؟

– إطلاقاً، لسنا ضدّ ارتداء الحجاب في الجامعات. وهذا الموقف نستند فيه على عقيدتنا وإيماننا العلوي. وهذه العقيدة تعطي هامش الحريّة لمن يشاء ارتداء الحجاب ومن لا يشاءه. يعني نحن نرى أنه من حقّ الطالبات اختيار الحجاب أو رفضه. لكننا نتحفّظ على ارتداء اساتذة الجامعات والموظّفين فيها الحجاب، نأياً بالمؤسسة التعليميّة عن استخدام الرموز الدينيّة، في مسعى ترسيخ هامش الحياديّة فيها.

 

ـ وماذا عن حجاب السيّدة الأولى في البلاد؟.

: ليست لنا أيّة مشكلة في هذا الأمر. لكن ينبغي أن نشير هنا إلى هذه النقطة: أن الكثير من النساء غير المحجّبات تعرّضن لهجمات وإهانات وتحرشات وازعاجات، بحجّة أن زوجة رئيس الجمهوريّة وزوجة رئيس الحكومة محجّبتان، فلماذا أنتنَّ غير محجَّبات؟!. وكأنّ ارتداء زوجة رئيس الدولة وزوجة رئيس الحكومة للحجاب، أضحى قانون، ينبغي أن تلتزم به كل النسوة التركيّات المسلمات. هكذا هجمات كثيراً ما تعرّضن ويتعرّضن لها النسوة والفتيات العلويات على وجه الخصوص، من قبل السنّة. ووصل الحال بنا في تركيا، أن بعض المؤسسات الخاصّة والعامّة، لم تعد توظِّف غير المحجّبات. هذا بحد ذاته أزمة ومشكلة حقيقيّة تعاني منها المرأة العلويّة. والرجل العلوي أيضاً مهمّش، وحقوقه مهضومة، فلا يمكنه في الجيش أن يصل إلى رتبة جنرال. قبل أن يصل إلى هذه الرتبة يتمّ تسريحه. ويُفترض أن الجيش حارس العلمانيّة. وإذ به يتعاطى مع العلويين من منظار ديني وطائفي!. فحتى الآن، لم يتقلّد ضابط علوي رتبة جنرال، ناهيك عن عدم استلامه قيادة الاركان أو قيادة أحد أسلحة الجيش (البريّة، الجندارمة، البحريّة، الجويّة)!.

 

ـ الآن، قلت لي: أن ولادة الجمهوريّة كانت لصالح العلويين في تركيا لجهة حدوث تطورات إيجابيّة؟.

– ساند العلويون بشكل قوي ميلاد الجمهوريّة، لأن دين الدولة كان المذهب السنّي _ الحنفي، الذي استخدمه السلاطين لاغراضهم الشخصيّة. حتّى أنّ نائب رئيس أوّل برلمان في العهد الجمهوري كان من العلويّة البكتاشيّة. وحين تأسست الجمهوريّة، في بدايتها، ارتكزت على القوميّة التركيّة والدين الإسلامي السنّي. لذا، لم يكن يوجد ضمن القوانين التركيّة أيّ شيء يضمن حقوق العلويين. وهذا ما جعل العلويون مندهشين ومستغربين!. وقتها، منعوا وحظروا النشاط الديني العلوي ومؤسساته. وحتّى الآن، لا يوجد في القانون التركي ما يجيز ويضمن ويحمي هذا النشاط لأكثر من 17 _ 18 مليون علوي في تركيا. وكما قلت لك: حتّى وقت قريب، ما كان بمقدورنا افتتاح جمعيّة تحمل اسم العلوي أو العلويّة. يعني، أيّدنا وساندنا الجمهوريّة، لكنها لم تؤيّدنا وتساندنا!.

 

ـ وبخصوص قضيّة العطلة الأسبوعيّة المحددة بيومي السبت والأحد، ما رأيكم؟.

– قطعاً، ليست لدينا أيّة مشكلة بهذا الصدد. لأنه لا صلاة لدينا ولا صيام. وأيّاً كان يوم العطلة، فلا فارق لدينا بين الأيّام.

 

ـ وماذا عن قضيّة ملاحقة المتدينين في أوساط الجيش؟. كيف ترونها؟.

– نحن أيضاً نعترّض على هذا الأمر، كعلويين. نحن أيضاً ضحايا من هذا السلوك.

 

ـ يعني، هل أنتم بالضدّ منه؟

– أنا ضدّ استثمار الفكر الديني في هكذا مجالات. وضدّ أن يقول أي توجّه أو تيّار: سأدير هذه البلاد وفق منهجي وفكري وأيديولوجيتي الدينيّة. المجتمع العلوي منحاز للديمقراطيَّة. وبهذا الخصوص، تركيا، لا هي علمانيّة ولا هي ديمقراطيّة.

 

السياسة الإقليمية:

 

ـ في سياق كلامك، تناولت العلاقة التركيّة _ الإيرانيّة، وما يُقال عن “تصفير المشاكل” في السياسة الخارجيّة التركيّة، وحيال علاقة تركيا المستجدّة والمتنامية مع محيطها الإقليمي والإسلامي؛ سوريا، العراق، إيران، السعودية، ليبيا، وأرمينيا، اليونان، قبرص..، (قبل 2011)، كيف تقيّمون ذلك؟.

– اعتقد أنه ثمّة تحليلات وتصورات خاطئة عن تركيا وحكومتها. ولا يتمّ بذل الجهد اللازم للتعمّق في تفاصيل الأمور والأحداث في تركيا. حزب العدالة والتنمية، يظهر نفسه على أنه حلال المشاكل. لكن حقيقة الأمر، خلاف ذلك.

 

ـ لماذا؟ وكيف؟

– حزب العدالة والتنمية يحمل ترخيصاً وموافقة أمريكيّة. ثمّة مشروع أمريكي يسمّى الشرق الأوسط الكبير. وفي هذا المشروع، ثمّة سياسة خاصّة بالعالم الإسلامي. وفي العالم يظهر حزب العدالة والتنمية على انّه ديمقراطي وليبرالي ومعتدل، وحلال المشاكل. لكن على أرض الواقع، لا يوجد شيء!. انظر، من معركة تشلدران سنة 1514 لم تدخل تركيا أي حرب مع إيران. والآن، وبأمر من أمريكا، ربما تحضّر تركيا نفسها للحرب، ولو بشكل سرّي. ومن ضمن هذه الترتيبات، صفقة شراء تركيا صواريخ باتريوت من أمريكا، يتمّ الإعداد لها. وهذا مؤشر كافي على أن حزب العدالة والتنمية أداة أمريكا رغم أن الحزب يبستم لطهران.المسألة ليست كما يروّج لها. ما تأمره به أمريكا، يفعله حزب العدالة والتنمية. لا يمكن قراءة الانفتاح (السابق) التركي على سورية، دون الاخذ بعين الاعتبار السياسة الأمريكيّة. وكذا الحال مع الانفتاح التركي على إيران. وينطبق الأمر على العلاقة بأرمينيا. والعلاقة مع أرمينيا ليست صميميّة.

 

ـ والحال هذه، كل هذه الدعاية للسياسة التركيّة، هل هو كلام في الهواء، لا أساس له؟.

– طبعاً. لإن الحكومة زعمت الانفتاح على العلويين. اين ذهب هذا الانفتاح؟ وعماذا أثمر؟. هنالك حديث حول هذه الأمور، لكن في الممارسة العمليّة، لا شيء يُذكر!. على العكس من ذلك، بات العلويون الآن، أكثر مغدوريّة وتظلّم. من جهة أخرى، تحدّث حزب العدالة والتنمية عن الانفتاح على الأكراد سنة 2010. لكن، زجّ برؤساء بلديّات الأكراد وبسياسييهم في السجون!. يعني بعد انفتاح الحكومة على الأكراد، أصبح هؤلاء أكثر مغدوريّة وتعرّضاً للغبن والظلم، قبل الانفتاح.

 

ـ حين أسمع أجوبتك، وكأنني أحاور شخص كرديّ؟!.

– أنا إنسان ديمقراطي. أنا تركماني.

 

ـ في العالم العربي، الأكثر شجاعة في نقد إسرائيل، والاكثر صميميّة وإخلاص في دعم ومساندة وتأييد القضيّة الفلسطينيّة والشعب الفلسطيني، هو رجب طيب أردوغان؟.

– مجتمع مغدور لهذه الدرجة، بحاجة لبطل. وهذا الأخير ينبغي أن يكون صناعة أمريكيّة، وهو أردوغان. البطولة تقتضي حلّ مشاكل الوطن بجرأة قبل الاتجاه لحلّ مشاكل الآخرين.

 

خطر الجماعات الإسلامية:

 

ـ هل ثمة هيئات اجتماعيَّة، كمراكز الرعاية الاجتماعيَّة والصحيَّة والمسنين والمدارس الخاصّة، التابعة للطائفة العلويَّة في البلاد؟. وهل تطالبون بمثلها في البلاد؟. شبيهة بالهيئات الكاثوليكيَّة في أوربا؟.

– المجتمع العلوي لا يتحرّك وفق مخطط أو ذهنيّة الجماعة الإسلاميّة. الطائفة العلويّة ليس المجتمع _ الأمّة. المجتمع العلوي، هو مجتمع الأسئلة والمساءلة والنقد. ما يُقال له، لا يضعه حيّز التنفيذ فوراً وبشكل تلقائي. أنا أدلي بصوتي الانتخابي لحزب، وأبي يدلي به لحزب آخر. ولا يمكن نتطابق، ويجمعنا فضاء عقيدي واحد. واستمرار العلويّة مصدره هذا الانفتاح الذي يتأتّى من العقيدة العلويّة. دوماً رجل الدين “ده ده” في العلويّة هو قيد المساءلة، إذ تطرح عليه الأسئلة في كافّة المجالات. يعني، مجتمع قوامه السؤال والمساءلة، لا يمكن أن ننظر إليه كما ننظر للمجتمعات التي تتحرّك بمنطق الجماعة الإسلاميّة او المسيحيّة. في المجتمع العلوي لا توجد عقدة أنّه ينبغي على العلويّ أن يذهب لعند الطبيب العلويّ، والبقّال العلويّ، أو المهندس أو الحداد والمعماري والسائق أو المدرّس أو المستشفي أو المعمل… العلويّ. لذا، لا توجد مؤسسات خاصّة بالعلويين، تقدّم الخدمات للعلويين. يعني، قد يكون صاحب هذا المقهى الذي نجلس فيه علويّاً، وقد لا يكون. لا يهمّنا هذا الأمر. أمّا لدى الجماعات الإسلاميّة السنيَّة، هذا الأمر، في غاية الأهميّة. ولا نطالب الحكومة بمنح العلويين ما تمنحه للجماعات الإسلاميّة السنيّة بهذا الخصوص. على العكس من ذلك، نحن ننظر إلى هذا التعاطي مع المجتمع وتنويعاته الدينيّة والمذهبيّة، في غاية السلبيّة، بخاصّة في المناحي الصحيّة.

 

ـ من تقصد بالجماعات الإسلاميَّة؟ وضّح ذلك؟.

– جماعة فتح الله غولان. والجماعات النقشبنديّة.

 

ـ برأيكم، نشاط هذه الجماعات مناهض ومناقض للعلمانيّة؟.

– وبل أنها مصدر تهلكة وخطورة كبيرة. وإذا كان هؤلاء يودّون أن يعيشوا حياتهم وفق قناعاتهم ومبادئهم، هذا شأنهم، ولا مشكلة في ذلك. لكن، هؤلاء يقولون: إننا سنحكمكم أيضاً وفق رؤانا ومنطقنا ومنظورنا. يريدون لنا أن نفكّر مثلهم. هم الذين يأتون ويحددون: لنا ما هي العلويّة، وكيف يجب ان تكون، وكيف لا تكون!؟. هم الذين يحددون ويفرزون العلويّ الجيّد والعلويّ من الرديء والسيّئ!. يريدون أن يرتّبوا ويهندسوا حياتنا وفق مشيئتهم ورغباتهم. يريدون أن يخلقوا علوييهم. لذا، وفي هذا الصدد، قام حزب العدالة والتنمية بتأسيس جمعيّة لعلوييها، دون نتيجة.

 

حقل التربية والتعليم:

 

ـ ما هي بالتحديد الملاحظات التي ترونها سلبيّة في السلك التربوي والجامعي في تركيا؟، وما هي الطريقة المثلى لحلها؟.

المشكلة الكبرى تكمن في أن تركيا، ليست بدولة علمانيّة ولا بدولة ديمقراطيّة.

 

ـ أنت تكرر كلام خطير عن تركيا؟! أوضح لنا ذلك؟!. أنت تشطب على 87 سنة من عمر الجمهوريّة العلمانيّة التركيّة!؟.

– ضاحكاً،.. سأقول لك. هنالك مديرة الديانة والأوقاف. وهي بمثابة الوزارة، موجودة في نظام الدولة. دين الدولة الرسمي هو الإسلام السنّي _ الحنفي. يوجد في تركيا 80 ألف إمام جامع، هم موظّفون لدى الدولة ويتلقّون رواتبهم منها. في تركيا أكثر من 100 ألف جامع ومسجد، تستمدّ نفقاتها من الضرائب التي أدفعها أنا للدولة. الرواتب التي تمنح للملالي والأئمة هي من الضرائب التي ندفعها للدولة. وعليه، ما هذه العلمانيّة؟!. وفي نظام ومناهج التربيّة والتعليم، يتمّ التركيز على المذهب الإسلامي السنّي. والدولة مجبرة على ذلك، عملاً بالدستور. لا يوجد في القانون، نصّ يلزم تعليم اللغة التركيّة، والرياضيّات والفيزياء والكيمياء. لكنّ ثمّة نص صريح، يلزم تدريس الدين السنّي. وأقصد هنا الدستور الذي تمّ سنّه سنة 1982، بعد انقلاب 12 أيلول 1980. وقد رفعت دعوى ضدّ الدولة أمام المحاكم الأوروبيّة في هذا الصدد وربحتها.

 

ـ الآن، لنأتي على بعض تفاصل هذه الدعوى؟.

– رفعت الدعوى أمام محكمة حقوق الانسان الأوروبيّة، فيما يخصّ ملايين الأطفال العلويين الذي يجبرون على أخذ حصص الدين الإسلامي السنّي، ويُمتحنون فيها. ومن حقّ هؤلاء الملايين، أخذ دروس في المذهب العلوي. أو أقلّه، ألاّ يجبروا على  حضور هذه الحصص. في دولة تزعم العلمانيّة، ثمّة إجبار لملايين الأطفال العلويين، على أخذ الدروس الدينيّة السنيّة!. كل شخص مكتوب في بطاقته الشخصيّة: مسلم، هو مجبر على أخذ هذه الدروس. ما هذه العلمانيّة؟!. وعليه، ربحت الدعوى. وقد رفع أحد الأصدقاء دعوى بخصوص عدم كتابة: “علوي”، في البطاقة الشخصيّة التركيّة، بدلاً من مسلم. لأنّ كلمة مسلم، في تركيا، تقال حصراً في السنّة والدلالة عليهم. وربح الدعوى، وصدر قرار بأن يتمّ كتابة “علوي” في خانة الدين. وهذه الصيغة من إصدار البطاقات الشخصيّة، مناقض للعلمانيّة والديمقراطيّة في آن. لذا، تركيا ليست بدولة علمانيّة وديمقراطيّة.

 

الجانب الاجتماعي:

 

ـ ما هو موقفكم من قضية زواج شبان الطائفة العلويَّة من الطوائف الإسلاميَّة الأخرى في البلاد؟.

– قبل اسبوعين، كنت شاهداً على زواج شاب سنّي من فتاة علويّة، لقي رفضاً من عائلتي الطرفين. ووضعوا المشكلة بين يديّ، بهدف إيجاد مخرج. وقبل عشرة أيّام أيضاً، كان هنالك مشكلة بهذا الخصوص، فيها الشاب علوي والفتاة سنيّة. وجلست بشكل منفرد من العائلتين. جلست مع كل أقارب الفتاة، فإعطوني إجابة مشتركة بأن لديهم تجربة بهذا الخصوص. وسبق أن أعطوا ثلاث بنات علويّات لشباب سنّة. وفيما بعد أعادوهن إلى أهلنّ مع أطفالهنّ. أنا مع الحبّ. ولذا ذهبت لإقناع الأسرة العلويّة. وبعد أن وضعتني الأسرة العلويّة في صورة تلك المشاكل، تريّثت قليلاً. وثمّة نقطة، مهمّة يجب أن نشير إليها، وهي أنه في الفترة الأولى من الزواج، تكون العلاقة حميميّة، وخاليّة من المشاكل. لكن، سرعان ما تطفوا الاختلافات المذهبيّة على السطح، من قبيل: لماذا لا تصلّين؟. لماذا لا تصومين؟. لماذا لا تتحجّبين؟. لذا، تصبح الفتاة العلويّة أمام خيار صعب، إمّا أن تتخلّى عن علويّتها وتصبح سنّيّة، أو يفسخ الزواج وتتلف العلاقة الزوجيّة. وهذه المشاكل، تعاني منها الفتاة العلويّة المتزوجة من شاب سنّي، أكثر بكثير من الشاب العلوي المتزوّج من فتاة سنيّة. لأنه ليس لدينا عقدة أن نحوّل كل الناس إلى علويين، ونخرجهم من دينهم أو مذهبهم، مثلما هو حاصل لدى السنّة والشيعة. لذا، الفتاة السنيّة او الشيعيّة المتزوجة من شاب علوي، تحصل على هامش حريّة، ربما ما كانت تجده في طائفتها. وفي عائلتنا، ثمّة الكثير من الرجال المتزوجين من نساء سنيّات. وبالتالي، لسنا ضد زواج الفتاة أو الشاب العلوي من الطوائف الأخرى.

 

ـ لمن يعود نسب الأولاد في سجل الأحوال الشخصيَّة في البلاد؟

– لا يوجد في سجلات النفوس، علوي أو سنّي. لكن هؤلاء الأطفال، يصبحون ضحيّة التجاذب بين الأسرتين. كل طرف يشدّ الأطفال صوبه. البعض يأخذهم للجامع والبعض يأخذهم لبيوت الـ”جمع”!… قالها، ضاحكاً. وكما قلت لك: كلمة مسلم الموجودة في سجلات النفوس والبطاقة الشخصيّة، تشير إلى السنّة وحسب.

 

ـ فيما يتعلق بالزواج بين أبناء الطائفة العلويَّة من غير المسلمين؟

– هنالك الكثير من النساء والرجال من الطائفة العلويّة تزوّجوا من مسيحيّات.

 

ـ يعني، إذا كانت زوجتك مسيحيّة، وترتاد الكنسيّة، أليس لديك مانع؟

– أبداً.

 

الحياة الأسريّة:

 

ـ ما موقفكم من ولاية الفتاة على نفسها بعد سن الثامنة عشرة؟

– بالنسبة لنا، كعلويين، لا يوجد شيء من هذا القبيل بيننا.

 

ـ سؤالي لم يكن بخصّ المجتمع العلوي، بل أنتم كجمعيّة ثقافيّة علويّة، وكفيدراليّة الجمعيّات العلويّة البكتاشيّة، ما هو موقفكم من ذلك؟.

– لا نوافق على هذا السلوك. ونرجّح العيش ضمن الأسرة الصغيرة، وفي سياق اجتماعي متماسك. وإذا أصرّ الشاب والفتاة على هذا السلوك، لا يمكننا أن نحول دون رغبتهم. نسعى لمنع أو تقويض هذا المسلك، لكن ليس بأساليب حادّة وباترة وراديكاليّة. ولئن المجتمع العلوي قوامه الحياة المشتركة والجماعيّة في إطار التفاهم والانسجام، لذا لا يرجّح هذا السلوك الفردي.

 

كيف هي حالة ترابط الأسرة العلويّة مقارنة بغيرها من الطوائف الإسلاميّة في تركيا؟

– المناخ الأسري ضمن العائلة العلويّة لا يكتنفه التزمّت والانغلاق والضغط والعنف. لا يوجد بيننا جرائم الشرف. الأسرة العلويّة تتمتّع بهامش من التحرر. وحتّى الآن، لم نشهد جرائم الشرف في المجتمع العلوي. وهذا الأمر، لم يكتسبه العلويون من الحياة المدنيّة. نفس الأمر في الأرياف، لا توجد جنايات الشرف.

 

ـ ما موقفكم من قضايا جرائم الشرف في البلاد؟

– في العقيدة العلويّة، القيمة الأكثر قداسة هو الأنسان. ليس فقط الروح، كل عضو في جسم الإنسان هو مقدس. من يقتل الحيوانات، ممنوع عليهم دخول بيوت الـ”جمع”. لأنهم يزهقون ارواحاً سعياً وراء اللذة والمتعة العابرة. ومن يمتلك وجهة النظر هذه في عقيدته تجاه الحيوانات، سيرفض جرائم الشرف عند الإنسان. بالنسبة لنا الشرف، ليس مكانه بين فخذي المرأة. بالنسبة لنا، الشرف وعي اجتماعي.

 

ـ إذا كنتم ضدّ صيد الحيوانات، فهل أنتم نباتيون؟.

– لا، نأكل اللحم. لكننا ضدّ من يخرج للصيد ليس لسدّ الحاجة الإنسانيّة من الأكل، بل لإشباع غزيرة الاستمتاع القنص – القتل، لا غير.

 

ـ يُقال: أنكم لا تأكلون لحم الأرنب؟.

– لا.. لا نأكله. وثمّة روايات عدّة بهذا الخصوص، منها، أن أنثى الأرنب، تأتيها الدورة الشهريّة، شأنها شأن المرأة.

 

ـ ما موقفكم من قانون تجريم الزنا في البلاد، والذي لم يقره حزب العدالة والتنمية تحت ضغط الاتحاد الأوربي؟.

– من حيث المبدأ، نحن ضد الزنا. لكن، على المقلب الآخر، ما علاقة الدولة العلمانيّة، بمسألة لها علاقة بالفتاوى الدينيّة، كي تصدر قوانين بتحريم أو شرعنة الزنا؟. ذاتاً، يقوم المجتمع بدوره حيال هذا الأمر، ولا حاجة بتدخّل الدولة فيه.

 

ـ إذا لم تتدخّل الدولة، قد يكون تدخّل المجتمع ذو منحى جرمي جنائي قاتل؟. وقد يكون تدخّل الدولة رادعاً لحدوث جريمة؟.

– يمكن للدولة أن تتدخّل لمنع حدوث الجرائم، ليس عبر سنّ قوانين ذات صبغة دينيّة. بل عبر زيادة العقوبة بحقّ الجرائم التي ترتكب تحت اسم الشرف.

 

تسييس الدين:

 

ـ تتدخل الجوامع والطرق الصوفية في تركيا إلى حد كبير في توجيه أتباعها نحو حزب سياسي معين. هل أنتم مع أن تقوم الجمعيّات ودور العبادة العلويَّة في تركيا بذلك؟.

– ثمّة تجارب على صعيد تشكيل أحزاب سياسيّة، لدى المجتمع العلوي. في سنة 1970، تشكّل حزب الوحدة بزعامة مصطفى تيميسي، وأرسل نحو 10 _ 12 نائب للبرلمان التركي. إلاّ أن هذا الحزب تمّ حظره بعد انقلاب 12 أيلول سنة 1980. لم تكن تجربة مجدية. وبعد هذه التجربة، أسس علي حيدر وزيرأوغلو حزب السلام للعلوين، هو أيضاً لم يكن مجدياً. ووزيرأوغلو يعيش حاليّاً في بغداد. وهو رجل أعمال، ولم يعد له علاقة بالسياسة.

 

ـ كيف تقرأون التعديلات الدستوريّة التي أجراها حزب العدالة والتنمية مؤخّراً (2010)؟.

– عبر هذه الإصلاحات، يسعى الحزب الحاكم إلى خلق دولة إسلاميّة سنيّة. وإعادة العلويين تحت السيطرة.

 

ـ أوليس العلويون، تحت سيطرة الدولة؟

– لا.

ـ إذن، هم تحت سيطرة مَن؟.

– دين الدولة، هو الإسلام السنّي. رواتب ومعاشات رجال الدين الإسلامي وكل من يعمل في العمل الديني من موظّفين، تدفعها الدولة. أمّا نحن، فليس الأمر على هذا النحو.

 

ـ ألا تدفع الدولة وراتب الـ”ده ده”؟.

– لا.. أصلاً الـ”ده ده”، واجب ديني تطوّعي، لا يلقى أيّ أجر مادّي عليه. والدولة تريد دفع الرواتب لهم. لكنهم يرفضونها. وثمّة قول لأجدادنا مفاده: “من يقبض المال، سينفخ في المزمار أيضاً”. يريدون دفع الرواتب لـ”ده ده” كي يتحكّموا به. يريدون شراءه بشكل غير مباشر.

 

ـ لستم تحت سلطة الدولة، انتم تحت أية سلطة اذاً؟.

– نحن تحت سلطتنا. كل أمورنا الدينيّة نحن ننجزها.

 

ـ تقصد، دولة ضمن دولة؟.

– إذا كنا ننجز كل أمورنا بأنفسنا، فما حاجتنا بالدولة، وقتئذ. تقديم الدعم للجوامع والمساجد ليس من اختصاص دولة علمانيّة. وإلا، يجب أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الأفكار والقناعات. وإذا كانت تريد دعم الجهات الدينيّة، يجب أن تدعم الملحدين أيضاً، إذا كانت فعلاً علمانيّة وديمقراطيّة خالصة. وإذا كانت الدولة متورّطة في دعم وتبنّي جهات دينيّة، فإلى أين يذهب الملحدون؟!. أليسوا من رعايا الدولة؟. وهذا ما لا يمكن أن تفعله الدولة. والحال هذه، ما هذه العلمانيّة؟ من أيّة طينة هي؟!. إذا تدخّلت الدولة في الشؤون الدينيّة، تفقد علمانيّتها وديمقراطيّتها. ولذلك، ننظر إلى الإصلاحات التي يقوم بها الحزب الحاكم، على أنها مثار تهلكة وخطورة شديدة. لأنّهم يقولون: سنقضي على العلويّة!. وبالفعل، إذا تحكّمت الدولة بعقيدتي العلويّة، حينئذ لن يكون هنالك شيء اسمه الطائفة العلويّة. ونحن أيضاً ضدّ “علويَّة الدولة”، أو العلويّة التي على مزاج الدولة.

 

العلوية بين الشرق والغرب:

 

ـ أيَّهما أفضل للطائفة العلويّة، تركيا ضمن الاتحاد الأوروبي، أم ضمن محيطها الإسلامي والشرق أوسطي؟.

– دون شكّ، نرجّح الخيار الديمقراطي والعلماني الكامل، ضمن الأوروبي، شريطة توفّر النديّة، وألاّ تصبح تركيا خادمة وتابعة، بشكل أعمى لأوروبا. المجتمع العلويّ، يشكك في ديمقراطيّة وعلمانيّة تركيا، ويريد المزيد من الديمقراطيّة والعلمانيّة. نرجّح الخيار الأوروبي، مع الأخذ بعين الاعتبار مخاطر الامبرياليّة.

 

ـ ثمّة تناقض هنا. المذهب العلوي، منشأه إسلامي وشرق أوسطي. الإمام علي لم يكن من مواليد باريس أو لندن أوروما!. وعليه، كيف يكون خياركم أوروبيّ، على حساب التوجّه نحو الشرق والعالم الإسلامي؟.

– وهل هنالك ديمقراطيّة في النجف؟!. وهل فيها علمانيّة؟!. وكذا حال كل المدن الإسلاميّة والشرق أوسطيّة.

 

ـ وإذا توفّرت الديمقراطيّة والعلمانيّة في الشرق الأوسط، هل ستتوقّفون عن تبنّي الخيار الأوروبي؟!.

– طبعاً، ولماذا نطالب وقتها بالاتجاه نحو أوروبا؟.

 

ـ ماذا عن علاقة العلويين في تركيا بالعلويين في سورية والعراق وايران؟.

– علاقاتنا وتواصلنا مع علويي كردستان العراق وبلغاريا والبلقان لا زالت طازجة وجديدة. انشغالنا بمشاكلنا هنا يعيق التواصل والعلاقة مع العلويين خارج تركيا. وعلاقتنا بعلويي سورية، لا توجد علاقة على صعيد الفعل المؤسساتي. هي مقتصرة بين الأشخاص.

 

ـ هذه العلاقات، كانت المبادرة منكم أم منهم؟

– كانت المبادرة منهم. على سبيل المثال، علاقتنا بعلويي كردستان العراق، بدأت بزيارة وفد من “تل اعفر” إلينا. وذكر لنا: أن مسعود بارزاني طلب منّا وثائق تبثت أننا علويين. اذهبوا إلى تركيا لعند علوييها وآتونا بما يثبت علويتكم. لذا نحن هنا.

 

ـ ثمّة شيء غريب يثير الدهشة هنا، وهو: حزب العدالة والتنمية يتجه لكردستان العراق، عبر البوابة الاقتصاديّة. وانتم تتجهون نحو هذه المنطقة، من بوابة المذهب العلويي وعلويي كردستان؟!. هنالك علويون في سورية، بيدهم السلطة والحكم، لماذا لا تتجهون نحوهم؟!. ولماذا لا تتجهون لعلويي إيران؟!. الكل يتجه صوب كردستان العراق!، ألا تجد في ذلك غرابة؟.

– كما قلت لك، كثرة مشاكلنا هنا، يجعلنا ننشغل بأنفسنا. لم نكن نعرف بوجود العلويين في إيران، وهم يزيدون عن مليون شخص. وينبغي أن يتجهوا هم نحونا، حتّى تتوطّد العلاقة بيننا. نحن جاهزون للعلاقات.

 

ـ وماذا بخصوص العلويين في المهجر، وعلاقتهم بالوطن؟ بالعادات والتقاليد والطقوس؟.

– هنالك علاقات على صعيد الأشخاص والمؤسسات أيضاً. كما ذكرت آنفاً حيال المشاكل التي حدثت في تفكير وسلوك العلويّ بعد هجرته من الريف إلى المدينّة، كذا الحال، أثناء سفره خارج الوطن أيضاً. وعلى ذلك، تمّ اتخاذ بعض التدابير لجهة تأسيس بيوت الـ”جمع”، والجمعيّات والروابط والانديّة والمؤسسات ذات الصلة في أوروبا. لكن، على الصعيد الفكري والقانوني، ولا ننكر بأنّه نعاني من مشكال، نسعى لتجاوزها. والأكثر عرضة للصهر والتذويب في تركيا، هم العلويون، نتيجة السياسات الممنهجة المطبّقة بحقّنا من الدولة والحكومات المتعاقبة.

 

ـ لماذا تجد أن غالبيّة المنتسبين للحركات اليساريّة التركيّة، القانونيّة وغير القانونيّة، هم من العلويين؟.

– ذكرت لك آنفاً أن المجتمع العلوي هو مجتمع المساءلة النقديّة. لذا، وجد العلويون ضالّتهم في الخيار أو التيّار اليساري.

 

ـ طيّب، فهمنا هذا، ولماذا تجد أن العلويين يتجهون نحو حزب الشعب الجمهوري؟. ماذا قدّم هذا الحزب للعلويين من إصلاحات قانونيّة تضمن لهم ممارسة حريّة المعتقد الديني؟.

– حزب الشعب الجمهوري CHP هو الحزب المؤسس لتركيا. ولئن العلويون رأوا أن النظام الجمهوري العلماني كان الردّ على المخاطر والتهديدات والمجازر التي تعرّضوا لها في الحقبة العثمانيّة، لذا اتجهوا نحو حزب الشعب الجمهوري، كنتيجة لتأييدهم للنظام الجمهوري. لكن، على زمن عصمت إينونو، الذي كان الرجل الثاني في زمن أتاتورك، وصار الرجل الأول بعد وفاته، ورئيساً للجمهوريّة، ولئن الفكر والعقيدة العلويّة مناهضة للتزمّت والمحافظة والعسكريتاريّة، وتوّاقة للحريّة، وميّالة للديمقراطيّة والاعتدال والمجتمع المدني، سحب العلويون تأييدهم لإينونو الذي ارتكبت في زمنه الكثير من المجازر، وأيّدوا عدنان مندَرس وحزبه الديمقراطي. وحين قال مندَرس للشعب: “إذا أردتم، يمكنكم الإتيان بالشريعة أيضاً”، سحب العلويون تأييدهم له أيضاً. ولم يعودوا إلى حزب الشعب الجمهوري. بل سعوا إلى تأسيس خيارهم السياسي، مثل حزب الوحدة، وحزب العمال التركي. وحين أتى بولاند أجاويد الى السلطة، وخلق مناخ يساري، وقتئذ اتجه العلويون صوبه وصوب حزب الشعب الجمهوري. وبعد انقلاب 12 أيلول 1980، لم يكن هنالك حزب الشعب الجمهوري، بل كان هنالك الحزب الاشتراكي الشعبي SHP برئاسة أردال إينونو (نجل عصمت إينونو)، اتجه العلويون نحو هذا الحزب. وبعد أن تحالف حزب إينونو مع حزب بايكال (الشعب الجمهوري)، لم يبقَ أمام العلويين بديل آخر. لم يكن أمام العلويين إلا ثلاثة خيارات: إمّا أن يقبلوا سياسات الصهر والتذويب. أو يدعموا الإسلام الأمريكي المتمثّل في حزب العدالة والتنمية، أو أن يدعموا الحزب الكردي (العمال الكردستاني)، في كل سياساته. وبين هذه الخيارات، كان حزب الشعب الجمهوري، هو الأقل ضرراً، أو أفضل الموجود.

 

ـ ولماذا حزب الشعب الجمهوري؟ ما هو هذا السرّ الكامن فيه؟.

– في قانون الانتخابات التركيّة، هنالك حاجز العشرة بالمئة من الأصوات التي ينبغي أن يحصل عليه أيّ حزب سياسي حتّى يرسل مرشَّحيه للبرلمان. هذا الشرط متوفّر في هذا الحزب، وغير متوفّر في الأحزاب الأخرى. يعني إذا أدلى العلويون أصواتهم لحزب لا يجتاز حاجز العشرة بالمئة، يكون العلويون قد فقدوا حضورهم في البرلمان. أقلّه، لديهم عبر حزب الشعب الجمهوري حضور في البرلمان. هذا هو السبب. وإذا لم يكن هذا الحاجز، لربما كان أحد الأحزاب الموجودة خارج البرلمان هو البديل لدى العلويين من حزب الشعب الجمهوري.

 

ـ غداً صباحاً، على أيّة تركيا تريد أن تستقيظ؟.

– أريد أن استيقظ على تركيا، علمانيَّة وديمقراطيَّة حقيقيَّة وناجزة. وليس تركيا التي نتحدث عن عقدها ومشاكلها المزمنة الآن. تركيا متطوّرة على صعيد التربيَّة والتعليم والعلوم والتنميَّة.

 

ـ كم يلزم من الوقت، حتّى تصل تركيا لما تصبو إليه وتحلم به؟.

– هذا ليس بالأمر الصعب والخيالي. لا يمكنني تحديد سقف زمنيً لتحقيق ذلك. إذا أرادوا لتركيا هذا المستقبل، يمكنهم ذلك. الأرضيَّة موجودة. يمكنني وضع نوايا حزب العدالة والتنمية على المحكّ في نقطتين. الأولى: إذا كان حزب العدالة والتنمية فعلاً حزب ديمقراطي، ويسعى للاصلاح والانفتاح، لكان ألغى حاجز العشرة بالمئة من قانون الانتخابات!. والثانيَّة: إذا كان فعلاً ضد الانقلابات العسكريَّة، لماذا هنالك حتَّى اليوم، اسم الجنرال كنعان أفرين، مطلقاً على الشوارع وبعض المرافق العامّة؟!.

 

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.