الرئيسية | مقالات | عمران منصور: التغريدة الكُردية في سوريا
عمران منصور

عمران منصور: التغريدة الكُردية في سوريا

عمران منصور_ محامي كُردي_ باريس

الصدمة السياسية التي سببها القرار الأمريكي في تغريدة للرئيس الامريكي بالانسحاب من سوريا
ولَّدَت رد فعل لدى اللاعبين الاقليمين و الدوليين في المنطقة، فقد برز بشكل جلي نشوة الانتصار لدى
النظام السوري و الروسي و تخبط في السياسة التركية التي رفضت استقبال مستشار الرئيس
الأمريكي جون بولتون في ظل العلاقات التركية الأمريكية المريضة منذ رفض تركيا لاستخدام
قواعدها في قصف داعش في سوريا عام 2015 و هدوء حذر لا يران “اللاعب الرئيسي” التي ترزح
تحت وطأة ألم العقوبات الاقتصادية التي بدأت تنعكس على الداخل الإيراني، و تريث فرنسي بقرار
إبقاء قواتها ” الرمزية” على الأرض السورية بثوب اوربي رافضة ضمنيا اي انسحاب امريكي و
قلقة من أمواج تسونامي أخرى للاجئين على شواطئها، بالإضافة الى استقالة اهم الشخصيات
الأمريكية الإدارية للشرق الأوسط.
مما يعكس استراتيجية أمريكية جديدة في العالم وتوجه امريكي لشرق اسيا “عسكريا وسياسيا ” مقابل
اهمال للشرق الأوسط واعتماد تحالفات جديدة “عربية إسرائيلية ” برزت بعد اجتماع وارسو. تحمل
الأعباء عن الولايات الامريكية في مواجهة التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
هذا القرار شكل ذعراً لدى كرد سوريا و خاصة أن” تجربة عفرين و ما اصابهم من تخريب و من
تغيير ديموغرافي مازالت ماثلة أمامهم”، فإن أي فراغ عسكري سوف يملؤوه الاتراك او
الإيرانيون، “بسبب الفشل الكردي في إبرام أي اتفاق سياسي مع القوة العظمى حتى الان يضمن
حقوقهم و امنهم” ،
اما بالنسبة للدول العربية فقد شكل قرار الانسحاب الأمريكي صدمة أنهت فتور العلاقات
الدبلوماسية” البينية العربية” فتسارعت الدول العربية للملمة و احتواء التمدد الإيراني و التركي في
سوريا و خاصة ان تركيا اصطفت مع المحور (الإيراني -القطري) في ظل ما اصاب العلاقات
العربية الخليجية من تصدعات انعكست على الدول العربية جمعيها، فتسارع العرب الى دمشق بعد
إدراك “الخطأ “الذي وقعوا فيه ، فقام الرئيس السوداني بزيارة لدمشق على متن طائرة روسية و
فتحت الإمارات أبواب سفارتها في دمشق و بدأت المفاوضات لعودة نظام دمشق الى الجامعة
العربية كل ذلك ليس حباً بدمشق أو إعلاناً لانتصار الأسد في حربه الداخلية، فاحتواء ما تبقى من
سوريا من التمدد التركي و الإيراني و عودة الدور العربي الذي عاش سباتا دبلوماسيا طيلةمدة
النزاع الدائر في سوريا ما افرغ الدور العربي من هيبته القيادية في القضايا العربية و خاصة ان
صفقة القرن ستعلن قريبا .
اما اسرائيل “القوة الضاربة بحرية ” والتي تعمل بصمت و سرية و بفاعلية عالية ، فقد ضغطت
لتأجيل تنفيذ الانسحاب الى اجل غير مسمى، بحجج كثيرة حتى تتمكن من تأمين حدودها من التفشي
الإيراني في سوريا، وجاء ذلك تدريجيا فقد فسرت تغريدة الرئيس الأمريكي ان الانسحاب سيكون
خلال اربع و عشرين ساعة ثم فسر انه بعد ستين يوم ثم قصر بين ستين و تسعين و اخرها اعتراض
زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي “ميتش ماكونيل ” حول الانسحاب الكامل من
سوريا توج بتصويت رمزي فاز به ضد قرار الرئيس الأمريكي فانتقلت اسرائيل و لأول مرة الى

قصف دمشق رغم تسلم الأخيرة لمنظومة اس 300 الصاروخية في وضح النهار مهددة بالانتقال
لقصف اذرع ايران في العراق أيضا .
اختلطت الألوان على الرسام السياسي بتغريدة واحدة، وكشفت ان التواجد الامريكي هو صمام
الامان للمنطقة. بدون شك ان الانسحاب الأمريكي يساهم بقوة في بناء تحالفات علنية جديدة بين اعداء
الامس “اسرائيل و الدول العربية ” للحفاظ على توازن في القوة و بما يخدم الاستقرار المسيطر عليه
ولإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي و اختصاره بين ” اسرائيل و السلطة الفلسطينية” التي تم تقسيمها
أيضا و تدمير وحدتها من خلال نظام الإدارتين ” غزة – الضفة ” و بذلك تحققت الفوضى المسيطر
عليها بتحالفات جديدة ساهمت في تغير ما حاولت الانظمة زراعتها في شعوب المنطقة التي لا حول
لها في اختيار اغلب قيادتها، وخيرت شعوبها بين الدكتاتورية و بين الإرهاب فلهثت لتثبيط تطور
شعوبها خارج الإطار المرسوم لها.
الكرد وإعادة السيناريوهات:
التاريخ القريب يعيد صياغة جديدة للأحداث فنتذكر ما جرى بعد ان تم تشكيل تحالف دولي لإخراج
سلطة البعث من دولة الكويت في عملية درع الصحراء( Operation Desert Storm) من 2 أغسطس 1990
وحتى 17 يناير 1991 في حرب شنتها قوات التحالف المكونة من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة
الأمريكية ضد العراق و عندما تحقق الهدف “تحرير الكويت” ، عاش العراقيون بمن فيهم كرد
العراق بحلم إسقاط صدام حسين ، كان كل المراقبين يتصورون آنذاك أنه سوف يتم الإطاحة
بحكومة صدام حسين و دفع الرئيس الأمريكي بصورة غير مباشرة الى تشجيع العراقيين على القيام
بثورة ضد نظام صدام لكن الرئيس بوش الأب الذي توفي يوم الجمعة 30 نوفمبر في عام 2018أوعز
بإيقاف الزحف الى بغداد، فكانت ردة النظام همجية حيث قامت بهجوم مباشر على ما عرفت
بالانتفاضة العراقية لسنة 1991على الكرد في اقليم كردستان والذي انتج (الهجرة مليونيه) فحُوصر
الكرد بعد ان اغلقت تركيا حدودها في وجههم وقتذاك مما دفع بفرنسا للتدخل لدى مجلس الأمن في
إصدار القرار رقم 688 في 5 أبريل/نيسان 1991 و أوقف القصف العراقي على كرد العراق و بدأت
حملة إسقاط المساعدات الغذائية عبر السماء لإنقاذ ما يمكن انقاذه من الكرد . ثم وجدنا تدخل الولايات
المتحدة، وأقامتها منطقة حظر للطيران لحماية المدنيين العراقيين في منطقة الشمال والجنوب وهذه
المنطقة كانت العامل الرئيسي في اقامة اقليم كردستان في شمال العراق لاحقا.
و ما اشبه اليوم بالأمس ، فالتحالف موجود ضد ارهاب الدولة الاسلامية و تم تحقيق الأهداف بإسقاط
عاصمتهم الرقة و طردهم منها و قرر الرئيس الأمريكي الانسحاب من سوريا فنشطت ذاكرة كرد
سوريا و خاصة مع التهديد التركي بالزحف لملأ الفراغ الأمريكي و الذي ينذرَ بكارثة إنسانية تشبه
ما حصل لكرد العراق ، فالكل يترقب تدخل دولي لإنشاء منطقة محظورة للطيران بقرار من مجلس
الأمن و خاصة ان فرنسا أعلنت بقائها عسكريا في سوريا رغم الانسحاب الأمريكي الذي يتأرجح و
خاصة بعد العملية الإرهابية في منبج ضد قواتها ،
فتكلل الرعب الكردي بتغريدة للرئيس الأمريكي يطلب انشاء منطقة امنة بعمق 32 كم تفصل بين
الدولة التركية والقوات ال PYD التي تؤكد تركيا انها قوات إرهابية تابعة لحزب ال pkk الذي يعلو
أعضائه البارزين قائمة الارهابين المطلوبين لدى الإدارة الامريكية وبمكافئة مالية كبيرة.
فالكرد كانوا وقود الحرب ضد داعش و ترَّكهم دون حماية او ايجاد وضع قانوني جديد لهم في سوريا
سيكون كارثياً، فالكل السوري سواء المعارضة أو النظام بانتظار إطفاء اَي شمعة تنير للكرد وضعاً
يزيل عنهم الظلم و الممارسات الشوفينية و يثبت حقوقهم دستورياً في سوريا.

المنطقة الامنة لكرد سوريا
بدا موقف المعارضة متجانساً مع رؤية النظام للقضية الكردية في سوريا، فلا اعتراف دستوري
بالكرد في سوريا وإنكار تام على الصعيد الرسمي لأي اتفاق أو تفاهم حول خصوصية الشعب
الكردي وحقوقه الدستورية في سوريا، بل على العكس انطلقت تصريحات نارية ومتجانسة من
النظام السوري والمعارضة في انكار الوجود الكردي في سوريا.
و بدا الفشل الكردي اكثر وضوحا متمثلا بأطرافه الرئيسية في المجلس الوطني الكردي الذي يعتبر
جزء من الائتلاف المعارض و حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يجد نفسه في الخط الثالث من الازمة
السورية، هذه الانعكاسات السلبية أثرت سلبا على الشعب الكردي وافقدته الثقة بالحركة السياسية
الكردية و خاصة بعد بروز و تفشي الحزبية الضيقة و الفساد الذي ينخر جسد الحركة الكردية التي
قدمت الاف من الشهداء.
لذلك لقيت تغريدة الرئيس الأمريكي في انشاء منطقة آمنة ترحيبا كبيرا وارتياح لدى أربع
ونصف مليون كردي يعيشون في كردستان سوريا على مساحة تقدر ب 24 كم2
في ظل انتهاء العملية العسكرية في اخر معاقل داعش تبدو الأمور اكثر تعقيدا من التجارب
السابقة في انشاء المناطق الآمنة، فالخلاقات التي تنخر العلاقات الامريكية الاوربية ” السياسية و
الاقتصادية “تهدد التوافق على اصدار أي قرار من مجلس الامن يدعم انشاء المنطقة فالأوربيون
لا زالوا يحاولون الالتفاف على العقوبات الامريكية على ايران عن طريق إيجاد الية للاستمرار
التجاري مع ايران اغضب القيادة الامريكية التي تلقت ردا أمريكيا بتغريدة تطالب أوربا “باستلام
800 داعشي من جنسيات اوربية او يطلق سراحهم” وهذا يومئ بصعوبة اصدار قرار دولي من
مجلس الامن أو أقلها اتفاق دولي لإيجاد هذه المنطقة في ظل اعتراض روسي وشروط تركية
بعيدة عن التصورات الأمريكية لهذه المنطقة.
الجميع يدرك ان المنطقة الامنة تحتاج الى الالاف من العسكرين وأجهزة مراقبة تنتشر على
حدود طولها اكثر من 500 كم من عين ديوار شمال شرق سوريا الى جرابلس، ثم إن الصراع
على النفوذ الجيوسياسي سيولد خلافات اكبر لتحديد جنسيات الجنود الذين سيديرون المنطقة و
التحدي الأكبر هو تحديد عمق المنطقة “فعمق 32 كم “لن يحقق الامن بل يقسم كردستان سوريا
الى ادارتين فتركيا لا تقبل إدارة حزب الاتحاد الديمقراطي في المنطقة الآمنة من جهة و من
جهة أخرى لن تقبل دول التحالف إضافة لتركيا عودة نظام الأسد و تمدد ايران في المنطقة، اما
روسيا فتغرد خارج هذه التوجهات فهي رافضة لفكرة المنطقة و تطالب بعودة سلطة دمشق .
لم تذكر أي جهة مدة للمنطقة الآمنة، فهي حل مؤقت وتأجيل للحلول الجذرية في المنطقة برمتها
وإذا قبلت بها تركيا خالية من حزب الاتحاد الديمقراطي فمن سيدير ما خلف المنطقة الآمنة؟
وإذا قبل بها الكرد فمن سيديرها؟ واين ستكون مدينة الحسكة 80 كم في خارطة الحل؟ ام سنكون
امام مناطق متنازع عليها في حال تم تشكيل إقليم لكرد سوريا؟ وأخيرا ما مصير القوة العسكرية
التي شاركت التحالف في تصفية داعش؟ وهل سيستغني التحالف عن القوة الوحيدة التي أظهرت
الوفاء لهم؟ اسالة كثيرة حاول الكرد إيجاد أجوبة لها من خلال زيارات لموسكو وواشنطن
وباريس إضافة لدمشق ولكن بقي الغموض يتحكم في مناقشات تحتاج الى توافقات دولية اشبه
بالمستحيلة.
الصراعات الكردية

يساهم الصراع الكردي في تشتيت و تمزيق ما تبقى من كرد سوريا، رغم الإيجابية الوحيد
التي تمثلت في تجنب الاقتتال الاخوي “الكردي – الكردي ” لكن القرار الأمريكي افرز افكار
جديدة دفعت نحو البحث عن ايجاد تفاهمات كردية في سوريا بضغوط غربية لتشكيل إدارة جديدة
تدفع بهما لانتخاب برلمان كردي يفضي الى انتخاب هيئة كردية تفاوض سلطة دمشق في حقوق
كرد سوريا لتثبيتها دستورياً و بذلك تحدد مسار جديدا للكرد وتحمي تواجد الأقليات الدينية في
الإقليم الكردي ، حينها تستطيع القوى الغربية ان تتفاوض على قاعدة سياسة صلبة ومستقرة ذلكم
يحتاج الى تنازلات كردية وتوحيد القوة الكردية في مواجهة الداخل السوري الذي يتناغم و
يتناسق مع التركي ، فبشكل او بآخر تحرض المعارضة و توجه قواتها ضد كرد سوريا التي اخطأ ت
باختصارها القضية الكردية في سوريا في حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ينادي بأخوة الشعوب
كبديل لكل المنطقة حسب زعمه، فتسريبات تركيا الى إمكانية التعامل مع نظام الأسد قُوبِل بتجاهل
احتلال تركيا لعفرين و ادلب و ريف حلب ورغم مطالب تركيا با نشاء منطقة آمنة حسب مقاساتها ،
لكن لم تتحرك دمشق ضد الاطماع و الاحتلال التركي و تبادل الأدوار مع روسيا “لم تتقدم دمشق
بمذكرة احتجاج لمجلس الأمن الدولي تطالبه بإخراج تركيا من ارضيها ” بل اكتفت بتسريبات
إعلامية من مصادر مجهولة , و تحاول تركيا اكمال دورها في التدخل لدى دمشق لمنع اي اتفاق
بحكم ذاتي لكرد سوريا . في ظل الضغوط التي تخضع لها دمشق.
2019/02/17

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هوشنك أوسي: كردستان العراق: البلاد الناهضة من تحت الأنقاض – 2

هوشنك أوسي _ كاتب وباحث كُردي عندما كانت الطائرة تحلّق فوق هولير – (أربيل)؛ عاصمة ...