الرئيسية | دراسات | شيار عيسى _في إشكالية العلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية: هل الديمقراطية هي النظام الأجدى اقتصاديا في سوريا؟! (1)

شيار عيسى _في إشكالية العلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية: هل الديمقراطية هي النظام الأجدى اقتصاديا في سوريا؟! (1)

شيار عيسى: كاتب وباحث كردي سوري

 

تُعتبر الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، والعلاقة بينهما من الإشكاليات التي أصبحت الشغل الشاغل للمواطنين، وكذلك الباحثين وسياسييّ الدول في الغرب، وفي غالبية دول العالم؛ لما لهذين المفهومين من تأثير مباشر على تطوّر ورخاء تلك الدول.

الحديث عن العلاقة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، أمرٌ مفروغٌ منه في مجال البحث العلمي، لكنّ الاختلافَ يكمنُ في شكل تلك العلاقة ومدى تأثيرها، وكان الحديث عن شكل تلك العلاقة منذ قرون، فالمفكّر الإنكليزي توماس هوبز[1] يؤمنُ بأنّ الحاكم في النظام الملكي يحرصُ على الحفاظ على الاستقرار السياسي الذي يُعدّ المحرّك الأساسيّ للتنمية الاقتصادية، بينما كان لا ينفكُّ عن إبداءِ مخاوفه من أنّ يؤدّي النظام الديمقراطي إلى إثارة نظرية فكرة السوق الحرة – رأيٌ ينطلقُ من أنّ النظام الديمقراطي مهمٌّ  للحفاظ على الملكية الفردية، التي تُعد عماد النظام الاقتصادي،[2] من جهة أخرى فإنّ العديد من المدارس تتحدّث عن اتجاه معاكس للعلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية، عمادها أنّ التنمية الاقتصادية تؤدّي بشكل تدريجي إلى دمقرطة النظام السياسي، حيث يعدّ سيمور مارتين ليبست من أهمّ رواد تلك النظرية، كما أنّه أحد أهم رواد نظرية التحديث أيضا.[3]

تحاول هذه الورقة الإجابة على التساؤل المطروح أعلاه، في سياق رصد وتحليل إشكاليّة العلاقة بين النظام الديمقراطي والعملية الاقتصادية وتنمية المجتمعات.

 

توطئة:

برزت منذ سنوات عدة، وخاصة مع بدء الحراك الشعبيّ في سوريا، مطالبات عدة بدمقرطة النظام السياسيّ، للنهوض بالاقتصاد السوريّ، وبدأ الحديث عن ملفّات الفساد في مختلف القطاعات الخدمية، التجارية، والصناعية، ومنها على سبيل المثال ملفّ شركات الموبايل التي تعود ملكيتها لرامي مخلوف؛ وهو من أقارب الدرجة الأولى للرئيس السوريّ. واعتقل النائبان في البرلمان “محمد مأمون الحمصي ورياض سيف” سنة 2007 على خلفية فتحهما لذلك الملف.

على اعتبار أنّ الهدف من هذا البحث؛ تناول العلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية، للوصول إلى مُخرجات قد تكون سبيلا لإزالة بعضِ الغموض حول إشكالية تلك العلاقة، ودراسة تأثيرات تلك العلاقة على الوضع السوريّ الراهن، لتوظيف تلك النتائج لصالح وضع تصوّرات للشكل الأمثل لنظام الحكم في سوريا المستقبل، سبيلا للازدهار الاقتصادي، لذلك سيتم تقديم شرح عام ومختصر لنظرية التحديث، التي تتبنّى مقولة أنّ الاقتصاد المزدهر يؤدي إلى دمقرطة النظام السياسي. آخذا بالاعتبار أنّ النظام الاقتصادي في سوريا لم يكن جيدا، وانهار بشكل كامل أثناء الثورة (يتم استخدام عدة مصطلحات للحديث عن الحركة المناهضة للنظام في سوريا؛ كالحراك السلمي، الثورة، الأزمة، حرب طائفية أو حرب أهلية. قد تكون تلك الحركة الاحتجاجية مرّت بكل تلك المراحل عبر تطورها خلال السنوات الماضية، لكن تحديد ذلك يحتاج إلى بحث منفصل قائم بذاته، لذلك سيتم استخدام مصطلح الثورة دون أن يحمل ذلك مدلولا سياسياً، بل يكتسب سمة دلالية للإشارة إلى تلك الحركات الاحتجاجية)، وبالتالي فإنّ إمكانية تحقّق تلك النظرية في سوريا تبدو معدومة.

يقول الأستاذ خورشيد نجاة عليكا في معرض شرحه لواقع الاقتصاد السوري في ظلّ حكم حزب البعث لسوريا: “مرّ الاقتصاد السوري بأطول كارثة إدارية (اقتصادية – سياسية – اجتماعية) استمرّت خمسة عقود منذ عام 1963، منذ وصول حزب البعث إلى سدّة الحكم، وسيطرته على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية، وشلّ الحياة المدنية، حيث أدخلَ إهمال وفساد الإدارة إلى الحياة العامة، وكبّل تلك الحياة بقوانين أمنية وعسكرية صارمة، وروّع وأرهب الملايين من السوريين، إلى المرور في أزمات بنيوية طالت المجتمع في جميع نواحيه، وبات الاقتصاد السوري – والحياة المدنية عموماً – تحت رحمة سياسات إسعافية غير مدروسة، وعرضة لتطبيقات مجتزئة لسياسات، قسمٌ منها مستورد يتمّ تشويهه، وقسم تمّ تصنيعه محلياً من رحم الفساد والإهمال الإداريين. وهذه الإدارة المتأزمة للاقتصاد السياسيّ السوريّ شوّه البنية الاجتماعية – قبل الاقتصادية – للاقتصاد السوري”.[4] حتى معدّلات التنمية التي كانت الحكومة السورية تتباهى بها قبل الثورة كانت غير مجدية، لأنّ نسبة التضخم كانت عالية. ففي العام 2007 كانت نسبة النمو بحسب المصادر السورية الرسمية 6 %، وهي نسبة عالية، لكنّ نسبة التضخم كانت 7 %. أي أنّ النمو كان تضخّميا وسلبيا.[5] ما يعني أنّ شكلَ نظام الحُكم هو الذي يؤثّر في الاقتصاد؛ أي المقولات التي تتبنّى الديمقراطية كفعلٍ مُثبّط، أو التي تتبنّى الديمقراطية كفعل مُنشّط لعمليّة التنمية الاقتصادية. والهدف من التركيز على هذه الجزئية، هو تبيان ما إذا كان الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي له جدوى اقتصادية، أم أنّه سيؤدّي إلى الانحدار اقتصادياً.

 

 

التنمية الاقتصادية ودمقرطة النظام السياسي؟:

من أهمّ الذين تبنّوا مقولة “إنّ التنمية الاقتصادية تؤدّي إلى دمقرطة النظام السياسي”، هم أتباع ما يسمى بنظريّة التحديث، التي تمّ تداولها في نهاية خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات. تعتمد النظرية على مبدأ أنّ الدول التي مرّت بمراحل من التحديث الاقتصادي والاجتماعي متمثّلة بمعدّلاتَ مُرتفعة لمستوى التعليم، وزيادة في دخل الفرد والتطوّر التكنولوجي، تكون في الغالب ديمقراطية. أحدُ أهمّ روّاد نظرية التحديث هو الباحث سيمور مارتين ليبست[6] الذي يعتمد في نظريته على أنّ التطوّر الصناعي يؤدي إلى مجموعة من المتغيّرات التي تؤدي بدورها إلى دمقرطة نظام الحكم.

الازدهار الاقتصادي بحسب نظرية ليبست يؤدّي إلى نموّ الطبقة الوسطى، وبذلك يختلّ النظام الطبقي في المجتمع؛ لأنّه كان يتألف من شريحة واسعة من المواطنين من الطبقات الفقيرة، والتي تتقلّص لصالح نمو الطبقة الوسطى في حالة النمو الاقتصادي. ولأنّ نمو الطبقة الوسطى يؤدّي إلى الحدّ من النزاعات، وكذلك تحجيم المجموعات المتطرفة في المجتمع[7].

التغيّر الثاني الذي يتحدّث عنه ليبست والذي يُرافق النمو الاقتصادي، هو تحسّن مستوى التعليم[8]. فمع تحسّن الوضع الاقتصادي، تتحسّن البنية التحتية كالطرق، ووسائل النقل التي تؤثّر على سهولة تنقل الطلاب، وبالتالي رغبة المزيد منهم في التعلّم، وعلى بناء المزيد من المدارس، وتحسين ما يتعلّق بمستلزمات التعليم، كتوفير كتب، مخابر، أدوات تعليمية حديثة وزيادة رواتب المعلمين، وهي كلّها أمور تستطيع أن تؤدي إلى زيادة نسبة المتعلمين من خلال تشجيع الطلاب على إكمال تحصيلهم العلمي، وزيادة المتعلمين بدوره يؤدّي إلى إشاعة قيم التسامح، وإلى الحدّ من القوى التي تقف في التضاد من قيم الديمقراطية والحرية.

التغيير الثالث، بحسب ليبست؛ إنّ تحسّن الوضع الاقتصادي يؤدّي إلى تنشيط وتقوية منظمات المجتمع المدني،[9] حيث تقوم هذه المنظمات بدور الرقيب على عمل الحكومة، وتُحافظ على القيم الديمقراطية في المجتمع.

 

أمثلة عملية

1 –  كوريا الجنوبية:
بعد 35 سنة من الاحتلال الياباني لكوريا، تقاسمت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي النفوذ في كوريا، فدعمت الأخيرة الجزء الشمالي، بينما دعمت الولايات المتحدة الجزء الجنوبي، وتبعت ذلك عدة خلافات بين الكوريتين أفضت إلى حرب بينهما عام 1950 دامت ثلاثة أعوام[10]. بعد الاستقلال عن اليابان عام 1948 استلم الحكم الرئيس رهي[11] الذي تم انتخابه لثلاثة دورات انتخابية متتالية، كنتيجة للتعديلات التي أدخلها على الدستور، والتي هيأت الأجواء لإعادة انتخابه، وزادت من صلاحياته. في أبريل من عام 1960 نُظّمت تظاهرات طلابية ضخمة في العاصمة، طالبت بتنحي الرئيس، وهو ما تحقق فعلا في العام ذاته[12]. ترافق ذلك مع انتقادات كانت الإدارة الأمريكية قد دأبت على توجيهها للرئيس الكوري الجنوبي في السنوات الأخيرة من الخمسينيات، بعد أن كانت حليفة له قبل ذلك[13]. تم تسمية النظام الذي تلى رهي بالجمهورية الثانية. وتتالت الإصلاحات في مختلف المجالات، فتوزّعت السلطات بين البرلمان، وبين الرئيس ورئيس الوزراء؛ المنصب الذي تم استحداثه في عهد الجمهورية الثانية. كما أتيح المجال لحرية الصحافة والتعبير[14]. لكن النظام السياسي في كوريا الجنوبية لم يرقَ إلى مستوى التطلعات من جهة عدم توفير مناخ سياسي مستقر، وكذلك سيطرة قطاعي الزراعة والمناجم على الاقتصاد في البلاد[15].

دامت الجمهورية الثانية 11 شهراً، وازدادت الاستقطابات السياسية والاجتماعية خلال تلك الفترة بين الجماعات السياسية، الأمر الذي نتج عنه انقلاب عسكري بقيادة بارك جونغ- هي[16]. لكنّه لم يلق مقاومة كبيرة، وانتخب رئيسا للبلاد[17]. اغتيل بارك عام 1979 فتولى الرئاسة الجنرال جونغ دو- هوان[18]، بعد أن قاد انقلابا عسكريا أتبعه بعنف تجاه المختلفين سياسياً، وحدّ من حرية الصحافة، وغيرها من الإجراءات التعسّفية التي أدّت إلى تظاهرات عديدة تم قمعها جميعا[19].

اضطر جونغ في النهاية للرضوخ للاحتجاجات التي كان ينظّمها الطلاب وأفراد الطبقة الوسطة. فقام بتنظيم انتخابات عام 1987 وكان ذلك توقيتاً كانت فيه أحزاب المعارضة مشتتة، ففاز فيها رفيقه في الحزب روه تاي – وو[20] الذي قام بعدّة إصلاحات كانت الخطوة الأولى في الطريق نحو التحوّل الديمقراطي.

وفي الانتخابات البرلمانية، نجحت المعارضة لأوّل مرّة في الحصول على مقاعد أكثر من مقاعد الحكومة[21] الأمر الذي أدى مع عوامل أخرى كالدستور الجديد، إلى تغييرات كبيرة في عدة مجالات، منها مثلا محاولة تحسين علاقات كوريا مع عدة دول مثل الصين وكوريا الشمالية. وفي انتخابات الرئاسة عام 1992 قام كيم يونغ- سام[22] المعارض السابق، بالتقدم للانتخابات الرئاسية كمرشح للحزب الحاكم، وفاز في الانتخابات ليصبح أول رئيس غير عسكري للبلاد منذ عام 1961. كما سجلت انتخابات عام 1997 سابقة في كوريا الجنوبية؛ حيث فاز لأوّل مرّة معارض للسلطة في الانتخابات هو كيم داي يونغ[23].

 

تطور الوضع الاقتصادي:
قامت الحكومة في عهد الرئيس بارك جونغ-هي بتقديم حزمة إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي، وإلى تغيير جذري في عدة نواحي. كانت الخطة الجديدة تقضي بمنح قروض بفائدة يسيرة للشركات المصدّرة[24]، وبرفع الضرائب عنها، وتطبيق نظام السوق الحرة بالنسبة للبضائع التي كانت تستخدم لتصنيع المواد التي يتم تصديرها.[25] وأعلنت أمريكا عن برنامج مساعدت لكوريا الجنوبية شكّل أكثر من نصف ميزانية الدولة، فقام الجنرال بارك بإلغاء اللجنة العسكرية التي شاركت في الإنقلاب، وتنظيم انتخابات عام 1963 فاز فيها الجنرال بارك مرة أخرى، لتستمر سيطرة العسكر على الحياة السياسية في الثلاثين سنة اللاحقة[26]. شهدت السنوات اللاحقة تزايداً كبيراً في معدلات التنمية الاقتصادية، حتى تم تصنيف كوريا الجنوبية كإحدى دول النمور الآسيوية. في المقابل، كانت الحريات العامة تشهد انتكاسة، من تضييق على المجموعات المعارضة والنقابات بالإضافة إلى سجن الصحفيين، مستمداً شرعيته من الصراع مع كوريا الشمالية[27]، ومن معدلات التنمية الكبيرة[28].
كانت حكومة جونغ تُعتَبر الحكومة الأخيرة قبل عملية التحوّل الديمقراطي. وفي عهدها تمّ تخفيض المساعدات الحكومية للقطاع الخاص. وكردّة فعل على الأزمة الاقتصادية قام بتخفيض القروض وحماية السوق الداخلية. حيث أنّ الإنتاج في كوريا الجنوبية كان كبيراً، فظهرت الحاجة للكفاءات أكثر من أي وقت مضى[29].
قطاع التعليم:
عندما نمت القدرة الإنتاجية في كوريا الجنوبية، وتزايدت معدلات النمو الاقتصادية حتى أصبحت من دول النمور الآسيوية، تزايد الطلب على بضائعها حول العالم، وازدادت بذلك الحاجة إلى تنمية القدرات العلمية للعمل [30]، وتعزز المنحى الذي كان سائداً من قبل، حيث أنّ التعليم كان أولوية للدولة والعوائل الكورية في تلك الفترة.

 

مستوى الحريات:
تصنّف كوريا الجنوبية في التقارير التي تنشرها منظمة “فريدوم هاوس/ الدول الحرة”، وتحصل منذ عام 1987 على الدرجة رقم واحد؛ حيث توزّع الدول على جدول مرقم من 1 إلى 7 حيث أنّ الرقم واحد يرمز إلى أقصى درجات الحرية، والرقم 7 هو أدنى درجة في سُلّم الحريات، والمعيار في ذلك هو حرية الإعلام، الانتخابات الحرة، الدستور الديمقراطي، العمل على محاربة الفساد والحريات السياسية في البلاد. مقابل ذلك تحتل كوريا الرقم 2 في مجال الحريات الدينية، حيث أنّ الأقليات تتعرض لبعض التمييز فيها[31].
نخلص مما تقدّم، أنه في البداية كانت كوريا دولة لا تتوافر فيها معايير الديمقراطية، لكنّها قامت بإصلاحات اقتصادية أدت إلى نمو الحاجة إلى للكفاءات العلمية، وازدياد نسبة المتعلّمين، ونمو الطبقة الوسطى، وأدّت في السنوات اللاحقة إلى انفتاح في مجال الحريات توسّع شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت كوريا في مصافي الدول الديمقراطية. الأمر الذي يؤكد صحة نظرية التحديث للوهلة الأولى.
وبالتمعّن في الأحداث التي جرت في كوريا، فإنه لا يمكن الجزم بأنّ الانفتاح الاقتصادي هو الذي أدّى لوحده – بمعزل عن أي عامل آخر – إلى الانفتاح السياسي، فيمكن أن تكون هنالك عوامل أخرى أدت إلى الانفتاح السياسي، كالمساعدات الكبيرة التي كانت الولايات المتحدة تُقدّمها للحكومة التي قدّمت بموجبها تنازلات في مجال الحريات. كما يمكن أن يكون التهديد الدائم الذي كانت تشكله الجارة كوريا الشمالية، سببا لعدم التصعيد والانصياع لحركة الاحتجاجات؛ أي أنّ نظرية التحديث قد أثبتت فعلا صحتها في التجربة الكورية، دون إغفال تأثير العوامل الخارجية.

 

2 – التجربة الصينية:
استلم الحزب الشيوعي الصيني الحكم عام 1949 بقيادة ماو تسي تونغ[32] الحالم ببناء مجتمع اشتراكي، وقام بعدة إصلاحات بدى فيها وبشكل طاغ سعيه نحو استنساخ تجربة الاتحاد السوفيتي[33] . بعد موت ماو عام 1976 تولى الحكم دنغ سياوبينغ[34] الذي لم يُفضّل أن يمارس السياسة بذلك الزخم الأيديولوجي الذي مارسه سلفه، فسمح للفلاحين ببيع الفائض من الإنتاج بسعر السوق، الأمر الذي ساعد في زيادة الإنتاج، وسمح للشركات بالعمل[35]. أما القانون الأهم فكان السماح للشركات الأجنبية بالدخول إلى مناطق معينة في الصين، والاستثمار فيها ما أدى إلى نمو حركة الاستثمارات الأجنبية بمعدل 13،3 % سنوياً، منذ عام 1978 وحتى عام 1989[36]. تتالت بعدها حركة الإصلاحات، حتى أصبحت الصين عضو في منظمة التجارة العالمية[37]، وبلغ معدّل النمو بشكل وسطي 9،8 % كل سنة منذ عام 1979 وحتى عام 2005 [38].

 

التعليم ودور منظمات المجتمع المدني

التعليم: في عهد ماو ركّز التعليم على الجانب الأيديولوجي والتمارين الجسدية، وعندما استلم دنغ سياوبينغ، قام بعدة إصلاحات في مجال التعليم؛ لتزويد السوق بخبرات علمية. وقام بتخفيف الصبغة الأيديولوجية في المناهج، وألغى الاهتمام بالتربية الجسدية، وقام بالتركيز على العلوم التطبيقية كالرياضيات، العلوم وكذلك اللغة [39]. أثّرت تلك المحاولات على معدلات الأمية، فبعد أن كانت 35 % عام 1982 أصبحت 10 % عام 2000 و تقريبا 6 % عام 2008 وكانت نسبة الأمية بين من هم بين عمر 15- 24 سنة في العام ذاته أقل من 1 % [40]. بدأ سياوبينغ بدعم بعض المدارس التي حصلت على دعم حكومي، وكانت نتائج الطلاب فيها عالية، ما جعلها رافداً أساسياً للجامعات. وفي المقابل، فإنّ التعليم كان أسوأ بالنسبة للريف، فالحركة الاقتصادية كانت ضعيفة. وبالتالي فإنّ الوضع المادي لم يكن جيداً للكثير من العائلات التي لم تكن تملك أقساط الدراسة، ما أدى إلى ترك الكثير من الأطفال للدراسة والانتقال إلى سوق العمل، الأمر الذي أثر على التعليم ونسبة الأمية في الريف [41]. وبهدف تخطي معضلة سوء العملية التعليمية جرى في العام 1986 إجراء إصلاح نصّ على جعل المدارس لامركزية، حيث أنّ كلّ بلدية كانت مختصة في توفير فرص تعليمية أفضل لطلابها[42]. وتخذ قرار بإلغاء أقساط الطلاب في مرحلة التعليم الأساسي في الريف، وتوفير كتب مجانية لهم عام 2007، لكن كلّ تلك الإجراءت لا تعني أنّ تلك المشاكل قد انتهت في الصين[43].

منظمات المجتمع المدني: إحدى التغيرات الملحوظة في الصين هي ازدياد عدد منظمات المجتمع المدني بشكل مضطرد، من عدد قليل من المنظمات إلى 142 ألف منظمة مسجّلة. لكن لا يجب المقارنة بين تلك المنظمات والمنظمات في الدول الأوربية المتقدّمة، فمعظمها منظمات مرتبطة بالحكومة، والقطاعات التي نمت فيها المنظمات هي المجالات التي سمحت بها الحكومة كالمجالات الطبية [44]. هنالك عدد قليل جداً من المنظمات المستقلّة، لا بل على العكس تسعى الكثير من المنظمات إلى إقامة شراكات مع الحكومة؛ لتحصل على الشرعية. وبالطبع، فإنه لا يمكن لأية منظمة أن تدرج دمقرطة نطام الحكم في الصين على سلّم أولوياتها، كما أنّ عدد المنظمات التي تجاهر في رغبتها بنظام مماثل للنُظم الديمقراطية قليل جداً، لذا فإنّ بعض العلماء يعتبرون أنّ المجتمع المدني في الصين شبه غائب، ويصعب الحديث عنه كقوة دافعة نحو دمقرطة المجتمع[45]. ورغم التحول الكبير في عدد منظمات المجتمع المدني، إلا أنّ الباحث جان فيليب بيجا[46] لا يجد جدوى كبيرة في تلك المنظمات؛ على اعتبارها تتبع الحكومة بطريقة غير مباشرة، وأنّ الحكومة تستخدم تلك المنظمات للتنفيس عن الاحتقان في الشارع – إن وجد، حيث يعمل بها الناشطون تحت مراقبة الحكومة، كما أنّ تواجد تلك المنظمات بكثرة في المدن الكبيرة فقط، فإنّ تأثيرها أيضا يقتصر على فئات محددة [47].

بالعودة إلى نظرية التحديث، ومدى إمكانية تطبيقها في الصين، فإنّه في السنوات التي شهدت فيها الصين ازدهاراً اقتصادياً تقلّصت نسبة الأمية بشكل مضطرد وكبير، وشهد التعليم تحسّناً جزئياً، لكنه ليس بالكبير؛ إذ أنّ المناطق الريفية والمدن الصغيرة ما تزال متخلّفة عن ركب التطور. كما أنّ تلك المدارس يتم إدارتها من قبل الدولة التي يحتكرها الحزب الشيوعي. أما المنظمات المدنية فعلى الرغم من ازدياد عددها فإنها أيضاً غير مستقلة عن سلطة الدولة، والقليل المستقل منها ليس له تأثير يذكر في كل البلاد.

أما في مجال الحريات والديمقراطية، فإنّه لا توجد انتخابات بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ حيث أنّ الحزب الحاكم سيطر على كل مفاصل الدولة، وبذلك لا يتحقق الشرط الأساسي للديمقراطية، ألا وهو إقامة انتخابات دورية عادلة.

بذلك فإنّ نظرية التحديث لم تتحقق بعد، ولم تُفضِ الازدهار الاقتصادي إلى تقدّم في مجال الحريات، وإيقاف احتكار الحزب الحاكم للحياة السياسية. وأعتقد أنّ أحد تبعات الازدهار الاقتصادي في الصين هي بقاء الحزب الحاكم فترة أطول في الحكم؛ لأنّه يستمد شرعيته من الإمبراطورية الاقتصادية التي قام ببنائها على حساب الحريات العامة.

 

جوانب وعوامل أخرى:

بعد أن قام ليبست بطرح نظريته – التي شغلت العالم ولاتزال – أجرى العديد من العلماء أبحاثاً للتحقّق في ما إذا كان ليبست محقاً في آرائه التي تقول: إنّ النمو الاقتصادي يؤدي إلى تحسين مستوى التعليم، ونمو الطبقة الوسطى، وتقوية منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي يؤدي إلى نشر قيم الديمقراطية، والتسامح، والحدّ من القيم اللاديمقراطية. كانت تلك الأبحاث في تقييمها لتحسّن الوضع الاقتصادي، تعتمدُ في الغالب على ارتفاع مستوى إجماليّ الناتج المحلي كمقياس للنموّ الاقتصادي[48]، وتعتمد على عدد من المعايير لتقييم ديمقراطية أي بلد، كالمعايير التي وضعها روبرت دال. وعلى الرغم من أنّ تلك الأبحاث أثبتت أنّ النمو الاقتصادي في بعض الدول كالهند تبعه تقدّم ملحوظٌ في ملف حقوق الإنسان والديمقراطية، إلا أنّه ثمّة أيضاً العديد من الدول كالصين، وروسيا، لم يؤد النموّ الاقتصادي فيها إلى تعزيز قيم التسامح، أو دمقرطة النظام السياسي. ففي دراسة تمّ الوصول إلى نتيجة تقولُ إنّ قيم التسامح نحو الأقليات كالمهاجرين والمثليين جنسياً لم تتأصّل بعدُ في المجتمعين الصيني والروسي، رغم التقدّم الصناعي في البلدين[49]. هذه النتائجُ حملت قسماً كبيرا من الباحثين على نفي وجود أيّة علاقة طردية بين النمو الاقتصادي ودمقرطة الدولة، والوصول إلى نتيجة مفادها؛ أنّ نظرية ليبست ليس لها إثباتات عملية. لكنّي أختلفُ مع تلك الاستنتاجات لأسباب عدة سألخّصها في نقطتين أساسيتين:

1- أعتقد أنّ نفي نظرية ليبست مردّه بشكل أساسي هو الفهم المجتزأ لها. فهو يؤكّد بشكل قطعيّ أنّ الشرط الأساسي لفرضيته ليس فقط في ارتفاع مستوى الناتج الإجمالي المحلي، بل أيضاً التوزيع العادل للثروات. فارتفاع الناتج المحلي الإجمالي، لا يعني بالضرورة ارتفاع دخل أغلبية المواطنين؛ فمن الممكن أن تكون هنالك فوارق طبقية، بحيث تكون طبقة صغيرة من السكان مُسيطرة على غالبية موارد الدولة، وهو أمر شائع في الكثير من الدول. وبالتالي فإنّ التنمية وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، لن يكون لهما تأثير كبير على تحسّن مستوى الأفراد؛ لأنّ استثمار موارد الدولة لا يكون في صالح المواطنين، بل يتمّ حسب مصلحة الطبقة المقربة من نظام الحكم.

تتبعُ الكثير من الأنظمة الدكتاتورية طريقة محددة في الحفاظ على سلطتها، عبر الاعتماد على الأقليات، سواء أكانت عرقية، أو دينية، أو اقتصادية، وتمنحها امتيازات سياسية واقتصادية على حساب الأغلبية، التي تشعر بالغبن، والتعرّض للاضطهاد. هذه الحالة تولّد شعوراً لدى الغالبية بأنّ الأقلية المتمتعة بالامتيازات شريكةٌ في الاضطهاد، وتخلقُ لدى الأقلية شعوراً بأنّ الصراع على الحكم هو معركتها، وليست معركة النظام الحاكم وحده، لأنّها ستفقد كل امتيازاتها إذا ما تغيّر النظام الحاكم، متخوّفةً من انتقام الأغلبية. ولأجل ذلك تُدافع هذه الأقلية عن النظام باستماتة. هذه الطريقة استخدمت بشكل واضح من قِبل نظام الحكم في سوريا؛ الذي أعطى الكثير من الامتيازات للأقليات، بحيث سيطرت على موارد الدولة، وعلى وجه الخصوص طبقة من الطائفة العلوية، التي كانت تتحكّم في الأجهزة الأمنية والجيش، وكذلك أهمّ مفاصل الدولة، وأقليةٌ طبقيةٌ أخرى كانت مستفيدة بشكل كبير، وهي طبقة التجّار والبرجوازيين في المدن الكبيرة، وخاصة دمشق وحلب. فعامل تقديم الامتيازات للأقليات وإلى جانب عدة عوامل أخرى – لستُ بصددِ ذكرها الآن، لأنّها لا تدخلُ في صلب موضوع البحث – حملتهم إلى الاستماتة في سبيله، وأنّ صراع الذي يخوضه النظام هو صراع وجود بالنسبة إليهم.

من جهة أخرى فإنّه وفي ظلّ هكذا ظروف، فإنّه لن يكون لتزايد معدّلات التنمية الاقتصادية في سوريا، تأثيرات كبيرة في مجال تحسين الظروف المعيشية للمواطنين؛ لأنّ سيطرة طبقات معينة على موارد الدولة الاقتصادية لن يسمح بتوزيع عادل للثروة. وبالتالي، فإنّ ارتفاع معدلات النمو الاقتصادية لن يعني بالضرورة ازدياد دخل الأفراد.

2- النموّ الاقتصادي شرطٌ مساعد لدمقرطة نظام الحكم، لكنّه ليس كافياً؛ أي أنّه فيما لو توفّرت ظروفٌ ملائمة، فإنَّ النموّ الاقتصادي يمكنُ أن يؤدّي مع غيره من الأسباب إلى تشكيل أرضية ملائمة للدمقرطة.

هنالك الكثير من العوامل الأخرى التي قد تتداخل وتساهم في دمقرطة، أو إثباط تلك العملية الديمقراطية ومنها:

الموروث الثقافي: بحسب الباحثين لاني وأريكسون [50] فإنّ الثقافة هي مجموع كلّ الأفكار والعواطف والعادات[51] ولذلك يمكن اعتبارُ الموروث الثقافي بأنّه مجموعة الأفكار، والعواطف، والعادات المتوارثة. وباعتقادي أنّ لمجموعة الآراء، والأفكار، والعواطف المتوارثة تأثيراً مباشراً على دمقرطة الدول على عدة مستويات:

أ – مستوى الأفراد: عندما يكون هنالك تاريخ ديمقراطي للدولة، أو المجموعة العرقية التي تتمّ دراستها، سواء على مستوى النظام السياسيّ، متمثلا في وجود إرث ديمقراطي في سُلطات منتخَبة بآليات محدّدة كالبرلمان، أو حكومات كانت تتّخذ أشكالاً ديمقراطية تبعاً للمرحلة التاريخية التي وجِدت فيها. فمن المحتمل أن يؤثّر ذلك في الأفراد في فترات لاحقة من تاريخ تلك المجموعة، أو تلك الدولة، لأنّ النظامَ السياسيّ يؤثّر بشكل مباشر على تصرفات الأفراد، وينتقل ذلك التأثير بدوره من جيل إلى آخر. وبالتالي فمن الممكن أن تكون لدى الأفراد أفكارٌ تستطيع التأقلم بشكل أفضل مع المفاهيم الديمقراطية الحديثة.

ب – المستوى الجمعي: للموروث الثقافي تأثيرٌ في المستوى الجمعي أيضا، فهو يؤثّر في تصرفات المجموعات، سواءٌ أكانت سياسية أو ثقافية أو دينية. ففي دولة مثل السويد، تؤثّر حقيقةُ كون السويد لم تدخل في أيّ حرب مباشرة منذ مئتي عام على تصرفات المجموعات السياسية، والثقافة التي تسعى دائماً إلى تجنّب الدخول في النزاعات. وهي ما تسمّى في السويد بعقلية التوافق، التي تُسيطر على عقلية الأفراد، والمجموعات، وتؤثّر بذلك في التوصّل بشكل دائم إلى توافقات، أدّت تاريخياً إلى دمقرطة النظام السياسي.

ثمّة مثال آخر عن تأثير الموروث الثقافي في دمقرطة الدولة، وهو مبدأ المساواة الذي يطغى على الحياة السياسية، وعلى عقلية الأفراد، والمجموعات في السويد، وكان من نتيجة دراسة أسبابها الوصول إلى نتيجة مفادها، أنّ مبدأ المساواة موروثٌ ثقافي؛ حيث أنّ البرلمان السويدي وقبل عدة قرون، بدأ يأخذ منحى ديمقراطياً، ويسمحُ لطبقة الفلاحين بالتمثيل في البرلمان. كما أنّ الإصلاحات التي تمّت في القرن الثامن عشر كانت سببا لهذا المنحى الديمقراطي، فقد تمّ توزيع الأراضي على الفلاحين بشكل متساوٍ، وبذلك تناقصت الفوارق الطبقية[52]، وسيطر مفهوم المساواة بين جميع المواطنين، الأمرُ الذي تحوّل إلى عُرف متجذّر في العقلية السويدية، حتى الوقت الراهن، وهو ما أثّر في دمقرطة الدولة، فثمّة في السويد نظامٌ من الرخاء الاقتصادي، الذي يضمن للفرد مستوى مُعيّن من الدخل، حيث أن الدولة تتكفّل بتأمين ذلك المستوى الأدنى من الدخل، حتى لو لم ينجح الفرد في الحصول على عمل، أو في حالة فقدان العمل، أو المرض، أو الدراسة. ذلكَ كلّه أدى إلى دمقرطة الدولة، من حيث توفير حياة متساوية لجميع المواطنين اقتصادياً، ومن نواحٍ أخرى أيضاً، كالمساواة في حالة المثول أمام القانون، وغيرها من النواح السياسية.

ج – الثقافة السياسية: هذا المصطلح تعريفا؛ يعني أنّها نموذجٌ لمواقف ووجهات نظر الأفراد وتصرفاتهم تجاه السياسة[53]. تنشأ الثقافة السياسية جرّاء تضافر عدة عوامل من أهمّها الموروث الثقافي الذي يؤثّر بشكل مُباشر في مواقف الأشخاص، ووجهات نظرهم تجاه السياسة، وكذلك التاريخ السياسي للدولة، والذي يؤثّر أيضا في الموروثين الثقافي، والسياسي، وفي نشأتهما، بالإضافة إلى الظروف السياسية الراهنة، التي تُعدّ مؤثرا مهمّا في الثقافة السياسية.

انتشار موروث ثقافي، وسياسيٍّ مُساهم في خلق أجواء من عدم الثقة بين المواطن والسلطة الحاكمة وتعزّز تلك النظرة من خلال عدم رضى المواطنين عن النخبة السياسية – جرّاء تعاقب حكومات مستبدة مثلا – هذه الأجواء كان من شأنها أن تولّد حالة لا يمكن من خلالها النهوض بالحالة الديمقراطية؛ لأنّ أجواء عدم الثقة قد تؤدي إلى عزوف المواطنين عن العمل السياسي. وبالتالي تضاؤل فرص القيام بإصلاحات حقيقية.

د – الأزمات الاقتصادية: يكون للأزمات الاقتصادية دورٌ سلبيٌ في دمقرطة نظام الحكم، فقد أثبتت التجاربُ التاريخية، أنّ الأزمات الاقتصادية قد تؤدّي إلى انتشار قيم تحدّ من قيم التسامح وتقبّل الآخر، وتدفع بالكثيرين نحو التطرّف. فقد نشأت بعد الأزمة الاقتصادية في أوروبا – تسعينيات القرن المنصرم – حركاتٌ عنصرية تُعادي المهاجرين في أوربا بشكل علني، فطالبت بالحدّ من الهجرة، والتضييق على المهاجرين. تضاءلَ دور تلك الأحزاب بعد استقرار الوضع الاقتصادي، لكنّها عادت بقوة بعد الأزمة الاقتصادية الأخيرة، ونجحت في حصد نسب قياسية من الأصوات في برلمانات تلك الدول، ومن تلك الأحزاب “حزب الديمقراطيين السويديين” الذي حصل على نسبة 12،86 من الأصوات في انتخابات البرلمان السويدي[54].

تصف الصحفية والمختصّة في مجال إدارة الدول “آن كاترين يونغار”  [55] تلك الأحزاب بأنّها (عائلة متنافرة من القومجيين، النازيين، المحافظين المتطرفين ومسطحي المبادئ)، ومن الأحزاب الأوربية المتطرفة التي حصلت على نسب عالية من الأصوات في انتخابات الاتحاد الأوربي الأخيرة عام 2014، حصل حزب الجبهة القومية الفرنسية على أكثر من 30 % من الأصوات التي كانت كفيلة بأن تتصدّر الأحزاب الفرنسية، كما تصدّر حزب المملكة المتحدة المستقلّ، قائمة الأحزاب البريطانية، وحصل على 23 مقعداً، بالإضافة إلى أحزاب أخرى في كلّ القارة الأوربية تقريباً [56].

يجدر بالذكر هنا، أنّ الأزمات الاقتصادية ليس بالضرورة أن تبدأ في أي بلد كي تُساهم في تدهور الاقتصاد، وتعطيل الحياة الديمقراطية – وإن بشكلٍ جزئي – وإنّما يمكن أن تؤدي أزمات اقتصادية في بلدان معينة إلى إصابة دول أخرى بالعدوى، نتيجة العلاقة الاقتصادية بين تلك البلدان. فعلى سبيل المثال لو افترضنا أنّ لسوريا علاقات اقتصادية جيّدة مع الأردن، واجتاحت الأردنَ أزمةٌ اقتصادية، فإنّ ذلك يؤثّر بشكل مباشر في سوريا، وإن أدّت الأزمة الاقتصادية إلى انخفاض في سعر صرف العملة الأردنية مقابل الليرة السورية، فهذا يعني أنّ الأردن لن يستطيع استيراد البضائع السورية، وستتضرّر السوق الأردنية أكثر، وسيُصاب قطّاع الإنتاج السوري بالشلل جرّاء تخفيض الإنتاج، بعد عزوف التجّار الأردنيين عن شراء البضائع السورية نتيجة غلائها، كلّ ذلك سيؤدي إلى تسريحِ الكثير من العمال في المصانع السورية، وتضاؤل ربح تلك المعامل، الأمر الذي سيحدّ من القوة الشرائية للمواطن السوري، وإلى تضرّر باقي القطاعات من تلك الأزمة.

 

سؤال الديمقراطية وزيادة معدلات التنمية:

في النقاش الدائر حول تأثير الديمقراطية في التنمية الاقتصادية يبرُز محوران أساسيان، متناقضان تماماً. في المحور الأوّل، ثمّة الفرضية التي تنطلق من مبدأ؛ أنّ الديمقراطية تؤدي إلى عرقلة النظام الاقتصادي. وفي المحور الثاني؛ إنّ الديمقراطية هي المحرّك الأساسيّ للتنمية الاقتصادية.

الديمقراطية كمعرقِل للتنمية: بدأ النقاش حول مفهوم الديمقراطية كمعرقِل لعملية التنمية منذ عدة قرون. فكان الفيلسوف توماس هوبز يعتقدُ أنّ النظام الملكي يتفوّق على النظام الديمقراطي، من حيث تأثيره على الوضع الاقتصادي، حيث أنّ الحاكم في النظام الملكي يحرص على الحفاظ على الاستقرار السياسي، الذي يُعدّ المحرّك الأساسَ في التنمية الاقتصادية. في الحين الذي توجد فيه هواجسُ من أن يؤدّي النظام الديمقراطي إلى إثارة القلاقل، وعدم الاستقرار، ما يؤّثر سلباً على التنمية الاقتصادية [57].

الفرضيات الحديثة التي تؤمن بمبدأ الديمقراطية كمُعرقل لعملية التنمية، تأخذ مناحٍ متعددة، يمكن أن تُختصر في أنّ الديمقراطية تؤدي إلى زيادة الاستهلاك لدى الفرد، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى تناقصِ الاستثمارات، وعرقلة التنمية الاقتصادية. عندما تزداد نسبة الادّخار في الدولة، يؤدي ذلك إلى إمكانية أكبر للاستثمار في مشاريع جديدة، وشراء آلات جديدة، وبناء مصانع حديثة، فيزداد الإنتاج والنموّ الاقتصادي. إنّ العنصر الأساسيّ في عملية تحديد كميّة الادّخار، هو كمية الاستهلاك لكلّ فرد، فكلّ فرد يقوم بالتصرّف بما يمتلكُ من نقود بطريقتين؛ فإمّا أن يدّخر أو يستهلك. أما عملية الاستهلاك فهي أيضاً مرتبطة بشكل عضويّ بمستوى دخل الفرد. ففي حال كان دخل الفرد متدنّياً فإنّه يقوم باستهلاك جزء كبير من دخله أو كلّه، بينما يستطيع الفرد أن يدّخر جزءاً كبيراً من دخله، حينَ يكون ذلك الدخل كبيراً. بذلك يكون تفاوتُ مستوى الدخل عاملاً مشجعاً لعملية التنمية. فالتفاوتُ في مستوى الدخل والتوزيع غير العادل للثروات يكونُ عادة في الدول الدكتاتورية. وبذلك نصل إلى النتيجة التي تقول: إنّ الديمقراطية تؤدي إلى توزيع أكثر عدالة للثروات، وزيادة رواتب العمّال، فتتناقص بذلك فوائد رأس المال، الأمر الذي يؤدّي إلى تناقص القدرة على الاستثمار لدى التجّار[58].

ينطلق علماء الاقتصاد في مقارباتهم تلك، من مبدأ أنّ الحكّام في الدول الديمقراطية يجب أن يُصغوا إلى المواطنين، ليتمّ انتخابهم مجدّدا، ما يدفعهم إلى توفير ظروف تؤدي إلى زيادة استهلاك الفرد، وتقليص حجم الادّخار، والاستثمار، وكذلك عرقلة التنمية الاقتصادية.

تشكّل الصين إحدى الأمثلة على آلية تسريع عجلة التنمية الاقتصادية في ظلّ نظام لاديمقراطي؛ حيث أنّ التنمية الاقتصادية في الصين التي ازدادت في الثلاثين سنة الأخيرة، ترافقت مع انخفاض لأجور العمال، في مقابل تزايد أرباح رؤوس الأموال، الأمر الذي أدّى بدوره إلى زيادة الادخار، والاستثمارات. أمّا في ظلّ نظام حكم ديمقراطي، فقد كانت المطالبات بتحسين شروط العمل، وزيادة أجور العمال، ستلقى آذاناً صاغية، وكانت أرباحُ أرباب العمل ستتناقص، وسيؤدي بدوره إلى تناقص الادّخار، وتناقص القدرة على الاستثمار، وعدم تحقيق مستويات جيّدة من التنمية.

على الرغم من أنّ النظام اللاديمقراطي في الصين – بحكم ظروف متعددة – استطاع أن يحقّق مستويات عالية من التنمية الاقتصادية، إلا أنّي أشكُّ في إمكانية محافظة النظام السياسي في الصين على هذا المستوى من التنمية الاقتصادية بالطريقة المعتمدة حالياً، والتي تعود بالفائدة على أرباب العمل، على حساب العمّال، كما تعتمد على أرباب العمل الذين يمتلكون فائضاً من المدّخرات لاستثمارها في مشاريع جديدة؛ لأنّ زيادة الاستثمار في مصانع وآلات جيدة لن يزيد من الأرباح بشكل كبير.

من خلال مثال الصين – الذي يمكن أن يطبّق في دولة أخرى تشبه في حالتها الحالة الصينية، كبقية الدول الآسيوية التي حققت مستويات عالية من التنمية الاقتصادية – يُمكن استنتاج أنّ النظام اللاديمقراطي قد يؤدي إلى تحقيق مستويات عالية من التنمية الاقتصادية، لكن لا يمكن المحافظة على تلك المستويات في المدى البعيد، كما أنّ لكلّ دولة ظروفاً عدة، قد تؤثّر في التنمية الاقتصادية، وقد لا يكون شكل نظام الحكم المؤثّر الوحيد في التنمية الاقتصادية.

============

تتمة البحث في الجزء الثاني الذي ينشر لاحقاً

 

[1] Thomas Hobbes

[2] Smith, A. 1976. An inquiry into the nature and causes of the wealth of the nations. Chicago: University of Chicago Press

[3]Lipset, S, 1959, Some social requisites of democracy: Economic development and political legitimacy, American political science review, 53, 69-105

[4] مقابلة خاصة أجريتها مع الباحث الأكاديمي، وعضو جمعية الاقتصاديين الكرد- سوريا، الأستاذ خورشيد نجاة عليكا، 25/12/2014.

[5] مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاسترايجية- المملكة المتحدة- لندن. البرجوازي الجديدة في سوريا- نداء سوريا 05/06/2010.

[6]Seymour Martin Lipset

[7]Lipset, S, 1959

[8] المصدر السابق.

[9]Lipset, S, 1959

[10] Cha, Myung Soo, 2010, The economic history of Korea, article
http://eh.net/encyclopedia/article/cha.korea.

[11] Rhee

[12] Dongsoo, Kim, 2010. “The Struggle between Security and Democracy: An Alternative Explanation of the Democratization of South Korea”, Pacific Focus, XXV:1

[13] Dongsoo, kim, 2010

[14] المصدر السابق.

[15] Westphal, Larry E., 1990, Industrial policy in an export-propelled economy: Lessons from South Korea’s experience”, Journial of Econiomic Perspectives, 4:3

[16] Park Jung-hee

[17] Shelley, Becky, 2005, Democratic development in East Asia. London: RoutledgeCurzon.

[18] Chung Doo-hwan

[19] Dongsoo, Kim, 2010

[20] Roh Tae-woo

[21] Chung, Chien-peng, 2003, Democratization in South Korea and inter-Korean relations”, Pacific affairs. 76:1

[22] Kim Toung- sam

[23] Kim Dae-jung

[24] Cha, Myung Soo, 2010

[25] Westphal, Larry E, 1990

[26] Shelley, 2005:23

[27] Dongsoo, Kim, 2010

[28] Shelley, Becky, 2005

[29] Bellin, Eva Rana, 2002, Stalled democracy: Capital, Labor, and the paradox of state-sponsored development. Ithaca: Cornell University Press.

[30] Blomstrand, Erik, 2008, Utbildning och ekonomisk tillväxt i Sydkorea 1960-1990, Lund: Nationalekonomiska institutionen, Lunds Universitet.

[31] Freedom House, 2010

[32] Mao Zedong

[33] Sørensen, G, 2004, The transformation of the state, New York: Palgrave Macmillan.

[34] Deng Xiaoping

[35] Sørensen, G, 2004

[36] Weiss, L, 2003, States in the Global Economy. New York: Cambridge University Press.

[37] World Trade Organization (WTO)

[38] Keping, Y, 2010, Democracy and the rule of law in China. Leiden: Brill.

[39] Dreyer, J. T. 1993, China´s political system. London: The Macmillian Press LTD.

[40] UNESCO, 2011, Maj,  UNESCO Institute for Statistics. From www.uis.unesco.org

[41] Dreyer, J. T. 1993, China´s political system. London: The Macmillian Press LTD.

[42] United Nations development Programe, 2008

[43] United Nations development Programe, 2008

[44] Morton, K. ,2005, December 4, The emergence of NGOs in China and their transnational linkages: implications for domestic reform. Australian Journal of International Affairs , 25

[45] White, G. Howell, J. & Shang, X, 1996, In search of civil society: Market reform and social change in contemporary China, Oxford, Clarendom

[46] Jean-Philippe Béja

[47] Béja, Jean-Philippe, 2006, The changing aspects of civil society in China. Social Research, 73

[48]Jackman, R, 1973, Democracy and economic development: Modernization theory revisited, Comparative Politics, 21, 21-36

[49]Widmalm, S. & Oskarsson, S, 2008, Tolerance and democracy in liberal and authoritarian market economics, Stockholm: Glasshouse Forum

[50] Jan-Erik Lane & Svante Ersson

[51] Lane, Jan-Erik & Ersson, Svante, 1998,” Culture and politics. A comparative approach”, MPG Books Ltd, Bodmin, Cornwall, Britain

[52]Björkman, Li Bennich & Blomqvist, Paula, 2008,  i ” Mellan folkhem och Europa: Svensk politik i brytningstid” 1 upplagan, Korotan Ljubljana, Slovenien

 

[53] Denk, Thomas, 2009 ”Politisk kultur”, 11 upplagan, Sahara Printing, Egypten

 

[54].المفوضية العليا للانتخابات في السويد http://www.val.se/val/val2014/slutresultat/R/rike/index.html

[55] Ann-Cathrin Jungar

[56] Nyvalda hogerextrema I Europa, Max Bystrom, 23 december 2014, SvD.se
http://www.svd.se/nyheter/valet2014/nyvalda-hogerextrema-partier-i-europa_3603352.svd

[57]Kurzman, Werum & Burkhart, 2002

[58]Huntington, S. & Dominguez, J. 1975, Political development I F, Greenstein & W, Nelson, Macropolitical theory, Reading: Addison-Wesley

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي رضا اسدي: اللغة الکردیة الفيلية (الكردية الايلامية)

  علي رضا اسدي :الـمُحاضر أستاذ جامعي  الملف بصيغة pdf اللغة الکردیة الفیلیة (1) الملخص ...