الرئيسية | مقالات | في ظاهرتي “العسكرة” و”الجيش الحرّ”

في ظاهرتي “العسكرة” و”الجيش الحرّ”

غسّان المفلح _ كاتب سوري

 

18 آذار 2017 هي الذكرى السادسة للثورة السورية. ثورة حرية وكرامة بلا منازع بلا لعثمة. ست سنوات مرّت على الشعب السوري في ثورته التي لم يكن أحداً منًا جميعاً، يدرك في أي جوّ إقليمي ودولي قامت الثورة السورية. ثورات الربيع العربي التي اسقطت أنظمتها، لم يخرج في تظاهراتها 10% من سكان تلك الدول. تونس ومصر وليبيا واليمن. لا بل انه في تونس ومصر التظاهرات التي خرجت لا تتجاوز نسبة 3% من عدد السكان على ابعد تقدير. في سورية خرج اكثر من 50% من الشعب السوري في تظاهرات عارمة على مدار سنتين متواصلتين. ظاهرة لم تحدث في التاريخ. سنتان كاملتان تظاهرات أسبوعية وشبه يومية أحياناً. رغم القمع والقتل والتدمير. لم يواصل شعب تظاهراته السلمية أقل بكثير من هذه المدّة. مع ذلك بقي الشعب السوري سنتين يخرج تظاهراته بمن تبقى من بشر لم يقتلوا او يعتقلوا او يشردوا. سفراء الدول الكبرى ما عدا روسيا المجرمة والصين الأقل اجراماً، شاهدوا بأمّ اعينهم تظاهرات بمئات الألوف في المدن السورية، لمدة ثلاثة اشهر قبل ان يغادروا دمشق، محملين بوصايا لحكوماتهم تختلف من سفير لاخر. وصايا أقّلها، التواطؤ مع القاتل، كما أوصتهم حكوماتهم بذلك!!. انشقّ أكثر من نصف الجيش بشكل افراد ومجموعات. لم تجد من يسلّحها ويساعدها على تنظيم نفسها رغم تشكل “الجيش السوري الحر”، بل تواطأت الدول والمعارضة الإسلامية- الاخوان المسلمون وغيرهم- من أجل الاجهاز على أي امل بنشوء مؤسسة قوية “للجيش الحر”.

بهذه المناسبة، أود مناقشة نقطة تحتاج لبحث مطوّل أو ربما لبحوث بالوقائع والأرقام والأسماء، لتبيان حجم العمل التي قامت به هذه الدول والمعارضة الإسلامية، من أجل رمي هؤلاء الضباط في لجّة اللجوء والمخيمات. مؤسسة قوية “للجيش الحر” تقودها المعارضة السياسية كانت كفيلة، بالحد من صوملة المجتمع طائفياً واثنياً ودينياً على الأقل. في قراءة للصديق اكرم البني عن ظاهرة العسكرة والجيش الحر- على موقع “الجزيرة.نت”- عام 2012 يقسم اكرم عناصر هذه الظاهرة والمنضوين فيها او تحت شعارها الى اربع اقسام:

أولها، وهي الأهم، وتضمّ الكثير من الضباط والجنود الذين انشقوا عن جيش النظام لرفضهم إطلاق الرصاص على أهلهم “اللافت أنه حيث تكون الكتلة الأعظم من خلفيات عسكرية ينجح الجيش الحر في الحفاظ على الأمن وتخفيف التجاوزات، وهو ما شهدناه في إدلب ودرعا وأرياف حلب وحمص وحماة”. ثاني المجموعات من مكوّنات “الجيش الحر”، وتضمّ المتطوّعين من المدنيين الذين أكرهوا على حمل السلاح دفاعاً عن أهلهم وممتلكاتهم أو هرباً من اعتقال وتعذيب، وعناصرها هم من كانوا يشكلون الكتلة الرئيسة للتظاهرات السلمية. ثالثها، هي عناصر من السلفيين والجهاديين الذين وجدوا في مناخات الثورة وانكشاف الصراع الطائفي فرصة لزج أنفسهم في المعركة. وهؤلاء، مع الاعتراف بشدة بأسهم وإخلاصهم لمبادئهم واستعدادهم العالي للتضحية والشهادة، هم الأبعد سياسياً عن شعارات الحرية والديمقراطية. وهم كذلك الأكثر استسهالاً للتجاوزات والأعمال الانتقامية ضد النظام. وما يزيد الأمر تعقيداً زيادة أعداد المقاتلين الوافدين من الخارج لنصرة الإسلام في بلاد الشام. وتدخّل المال السياسي في تمويل بعضها وخاصة الأكثر تطرفاً. رابع المجموعات يمكن اعتبارها عصابات جنائية تشكّلت من السجناء وأصحاب السوابق ممن أفرج النظام عنهم مع بداية الثورة، فوجدوا في الظروف الأمنية القائمة فرصة ثمينة لممارسة نشاطاتهم من تهريب وسرقة وخطف وابتزاز، وانضم إليهم بعض ضعاف النفوس والباحثين عن إثراء سريع، وهؤلاء لا علاقة لهم بالثورة وأهدافها، بل باتوا يشكلون عبئاً ثقيلاً عليها، خاصة عندما يطلق بعضهم لحاه ويتمكن من قيادة جماعة من المتطوعين تحت عنوان الدفاع عن الإسلام مسوغاً لنفسه ما يحلوا له من تجاوزات. إذا كان اكرم يناقش الظاهرة انطلاقاً من ثنائية العسكرة والسلمية، إلا أننا نريد التمييز بين ظاهرة “الجيش الحر” وتعامل العالم معها، وبين ظاهرة عسكرة الثورة!! كما باتت تعرف عند السلميين. كان النظام يسعى بكل ما يملك من قوّة إلى تحطيم القاعدة الشعبية للتظاهر رمزياً ومكانياً. محاصرتها وتقطيعها بالحواجز والدبابات، واختراع معارك من اجل قصف بعضها. ظاهرة “الجيش الحر” منتج داخلي سوري بامتياز. اما العسكرة فهي منتج خارجي بامتياز أيضاً. عندما ظهرت الراية السوداء في منتصف عام 2012 كانت لا تزال ظاهرة “الجيش الحر” تتطور، وتتمأسس إلى جانب التنسيقيات في الداخل من جهة، ومحاولة المعارضة مأسسة “المجلس الوطني السوري”. ظهور الراية السوداء ترافق مع واقعتين: تقطيع شديد للمدن وحملة

تصفيات الأسد للتنسيقيات، ساهمت فيها بعض اطراف المعارضة الخارجية والداخلية، من جهة، ومحاولة أمريكية لشرذمة التمثيل السياسي للثورة، عبر مبادرة تأسيس الائتلاف، تحت شعار وحدة المعارضة وحماية الأقليات وتمثيلها.. الخ، من جهة أخرى. تلك المعزوفات التي كان يقودها ويطلقها السفير الأمريكي روبرت فورد، وتقليص الدعم عن “الجيش الحر”، والسماح لظاهرة العسكرة بالدخول على الخط من خلال التمويل الخارجي بكل شيء، تحت الراية السوداء وعلى مرأى ومسمع الأمريكي ومعرفته بشبكات القنوات التمويلية من الفها إلى باءها.

لقد دفع السوريون طويلاً ثمن خلط الأوراق من قبل العالم. فلا هو تعاطى معها كثورة شعب محقة تُقابل بوحشية منقطعة النظير، بل جرى خلطها عمداً مع قضية الإرهاب لتحويل الأنظار عن مشروعيتها. أيضاً، كان الحديث عن حرب أهلية سورية مجرد ذريعة لإثارة موضوع “حماية الأقليات”. فلم تنعقد النيّة أبداً لإيقاف “الحرب الأهلية” وحماية جميع أطرافها، أو تهديد مرتكبي جرائمها بمحاكمة دولية.

كما كتب الصديق عمر قدور. اول المقاتلين تحت الراية السوداء وقادتها، كانوا غير سوريين ودخلوا تحت مسمى امارة العراق الإسلامية. دخلوا من معبر باب باب الهوى قادمين من العراق. هذه الامارة التي تشكلت منها داعش لاحقا. راية “الجيش الحر” كانت علم الاستقلال السوري، والذي توافق عليه السوريين انه علم الثورة، اصبح لدى هؤلاء تهمة. رافق ذلك مجموعة تصفيات واضحة لقادة “الجيش الحر”، وعدم دعم المجلس العسكري “للجيش الحر” أيضا كان قراراً دولياً إقليمياً.

دعونا نكاشف بعضنا قليلا: الاخوان المسلمون وبعض شخصيات المعارضة لم يكن لهم، دور في ظاهرة “الجيش الحر”، خاصة قيادياً، مما حدا بهم للتواطؤ على تصفية الظاهرة، ومحاولة ازالة أي رمز سوري عن الكتائب التي تشكلت من خارج اطار “الجيش الحر”. الأسماء والرايات بداية كان تدخلا بين رايتين بين علم الثورة وراية كل فصيل!!، ليتم تكنيس الراية السورية لاحقاً. محاولة الاخوان أتت للقبض على الملف العسكري. هذه المحاولة تحتاج أيضاً لملف لوحدها، لما ساهمت به في شرذمة المجلس العسكري “للجيش الحر”. استبعاد الاف من ضباط وصف ضباط المنشقين عن الأسد، تقييد حركتهم في كل من تركيا والأردن. كانت خطوات مدروسة، وافق عليها “الائتلاف”. إضافة إلى طريقة اختيار المجلس العسكري “للجيش الحر”. والاهم من ذلك، لمن كان يتم تسليم بعض السلاح الآتي من خارج سورية؟. العسكرة لاحتواء الثورة، بينما “الجيش

الحر” وتسليحه كانت ظاهرة بنت الثورة. رموز العسكرة في غالبيتهم أتوا مع أموالهم وسلاحهم من الخارج تحت شعار” لا الله إلا الله ومحمد رسول الله” على قماش اسود. سواء من اتى من العراق او من اليمن او من الأردن. يمكننا تصنيف عبد الله المحيسني احد اهم رموز العسكرة. اما خلط الحابل بالنابل تحت عنوان عسكرة الثوار، لاجل مساواة عبد الله المحيسني او قادة “داعش” بحسين هرموش او أبو الفرات يوسف الجادر. العسكرة كما شرحتها هنا وتعاطي منتقديها وجهان لعملة واحدة. “الجيش الحر” كجزء من الثورة كان ظاهرة حقيقية ضد العسكرة. لهذا تم انهائه على عجل. بدون “الجيش الحر” ستبقى العسكرة طرفاً برانياً، يلحق الضرر بالثورة حتى اكثر مما الحقه بالسابق. النقطة الثانية التي اود مناقشتها سريعاً هي موضوع الأقليات والثورة. هذه تحتاج لمقال آخر، لكن ملاحظة سريعة ربما تكون خاتمة هنا ومقدمة هناك. عندما كانت الناس تطالب الأقليات بالتحرّك، وتحرّك بعضها، ليس الموضوع المطروح عددياً مطلقاً. بل المطروح ان الوضع الدولي والإقليمي المعقّد و”الاسلاوفوبيا” وعوامل أخرى، كان مطلوب من فاعلي الأقليات بغالبيتهم على الأقل او أكثريتهم، رفع الغطاء السياسي عن الأسدية. هذا لم يحصل. ما حصل هو العكس تماماً. فاعلي الديانة المسيحية والطائفية لدى الدروز- رغم خروج تظاهرات في بعض القرى والبلدات الدرزية- والعلوية وقوات الـ”PKK” الكردية كانت اذرع سياسية ودينية وطائفية واثنية ضد الثورة، ضد إعطائها أي غطاء تحرري من هؤلاء. وسيكون لنا عودة.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إيان بلاك_الأسد أو نحرق البلد لـ سام داغر

إيان بلاك ترجمة: مصطفى إسماعيل في صيف 2012، انتشرتْ أخبار مفادها أن مناف طلاس- وهو ...