الرئيسية | دراسات | كردستان سورية أم مناطق كردية في سورية

كردستان سورية أم مناطق كردية في سورية

عبدالباسط سيدا_كاتب وباحث كردي سوري

لا يقتصر الاختلاف على توصيف الوجود الجغرافي الكردي في سوريا بين الذين يتناولون الشأن الكردي السوري، بين الأخوة العرب، بل يتعدّى إلى الأخوة الكرد السوريين أيضاً. ذلك أنه يترتّب على تحديد توصيف الوجود القومي والجغرافي الكردي في سوريا استحقاقات سياسية وطنية وقومية من المفترض ان تترجم وتعبّر عن نفسها دستوريّاً. وتندرج هذه الورقة البحثية في إطار الإجابة على السؤال المطروح أعلاه: أيهما الأقرب للصواب والدقّة والحقيقة التاريخيّة والجغرافيّة والديموغرافيّة الموضوعيّة: كردستان سورية؟ أم المناطق الكرديّة في سورية؟. علماً أن ثمّة من الأخوة العرب السوريين من يرفضون كلتا التسميتين، في مسعى نفيهم للوجود الكردي التاريخي والجغرافي في سوريا.

ضبط المفهوم:

إن مفهوم كردستان في واقعه اللغوي مركّب من كلمتين، تشكّلان في اتحادهما مصطلحاً يدل على موطن أو بلاد الكرد. وهو بهذا المعنى حيادي على الصعيد الإيديولوجي، يكتفي بوصف الوضعية القائمة. إلا أن هذا المفهوم – المصطلح خضع مع الوقت، منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، لحملة مركّزة اشتدت وتيرتها بعد الحرب العالمية الثانية من قبل دول المنطقة، استهدفت محاربته والعمل على إلغائه نهائياً من الكتب والمواثيق، بل وحتى الأدمغة إن أمكن ذلك، في إطار السعي الحثيث من أجل إلغاء الوجود الكردي القومي. وخضعت شعوب هذه الدول للتأثيرات الدعائية التي تبثّها حكوماتها باستمرار، لدرجة أن الكثير من أبنائها كانوا –وربما ما زالوا- يربطون بين اسم كردستان وبين واحدة أو أكثر من الكلمات التالية: مؤامرة، عدو، انفصال، إمبريالية، إرهاب، قتل، تخلف، قطاع طرق…الخ .وهكذا، غدا الاسم مصطلحاً مشحوناً بجملة من المواقف المسبقة، والانفعالات المتشنجة. الأمر الذي مهّد الطريق لمحاسبة كل من تسوّل له نفسه مجرّد تلفّظ هذا المفهوم أو المصطلح، ناهيك عن الدعوة إلى الحق والوطن الكرديين. ويبدو أن الكثير من الأحزاب والمنظمات الكردية قد سلّمت بتبعات هذا التوجّه، وفضّلت الاكتفاء بعبارة الشعب الكردي في سورية، من دون الإلحاف على الحيز المكاني لهذا الشعب. وتجلّت هذه الرؤية بصورة خاصة لدى الأحزاب الكردية في سورية بعد عمليات الاعتقال والقمع التي تعرض لها أعضاء وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية في الستينات [1]. ومنذ ذلك الحين حتى بداية الثمانينات، لم نعد نعثر في أدبيات الأحزاب الكردية السورية، إلا بصورة عابرة، ما يوحي بالربط بين الشعب الكردي وأرضه التاريخية. وكأنّ غالبية هذه الأحزاب خضعت للتقسيمات الإدارية التي اعتمدت بعد استقلال سورية، لمطابقتها مع الموقف الرسمي غير المعترف أصلاً بوجود الكرد في سورية، فما بالك بالحديث عن وطن للكرد يحتضن الشعب “غير الموجود دستورياً”.

وفي العديد من المناسبات كانت المناقشات تمتد بين الأحزاب الكردية في سياق تناولها لطبيعة الوجود الكردي في سورية، إلى الحديث عن الأرض الكردية في سورية السياسية اليوم، لأنه من دون الإقرار بوجود هذه الأرض لا يمكن الحديث عن شعب متكامل المقومات. وكان هذا الإقرار يأتي في إطار السرد التاريخي لعمليات تقسيم كردستان.

الاتجاه العام السائد لدى معظم الأحزاب الكردية كان الانطلاق من واقع وجود أربعة أجزاء كردستانية، مع تحاشي ذكر الجزء السوري بصريح العبارة، درءاً لمخاطر الاصطدام المباشر مع السياسة الرسمية المعتمدة نحو الشعب الكردي في سورية. ولكن بعد حسم مناقشات حول؛ الشعب والأقلية لصالح المصطلح الأول، واتفاق جميع الأحزاب الكردية والأوساط الكردية المستقلة على أن الكرد في سورية يمثلون شعباً، يمتلك خصوصية تميّزه عن الشعب العربي في سورية، وإن كان يرتبط معه ضمن إطار سياسي يتجسّد في الدولة السورية  الحاضنة التي تضمّ العرب والكرد والأقليات القومية الأخرى بعد إنجاز هذه المهمة؛ انتقلت هذه المناقشات إلى مستوى آخر في بداية الثمانينات، وتمحورت حول ضرورة التأكيد الصريح على وجود ارض كردية في سورية، عبر تجاوز شبح الخوف من إثارة غضب السلطات. خاصة بعد اتخاذ هذه الأخيرة جملة تدابير كانت بمثابة خطوات متكاملة في إطار توجّه مبرمج، الغاية منه إلغاء الوجود القومي الكردي في سورية من خلال فرض التعريب الشمولي. وتوزّعت المناقشات في تلك المرحلة بين ما إذا كان ضرورياً استخدام مصطلح كردستان سورية أم أن مصطلح المناطق الكردية في سورية يؤدي الغرض، ويغطي اللوحة إلى حد ما. وهذه المناقشات ما زالت مستمرة حتى الآن، ليس ضمن الأحزاب الكردية فحسب، بل بين مجموعة من المثقفين والمهتمين الكرد خارج نطاق الأحزاب المعنية. وهؤلاء يمثلون رقماً هاماً في واقع الشعب الكردي في سورية لا يمكن تحاشيه. وبالتالي لا يجوز إهمال ما يقدّمونه من آراء جديرة بالتأمل في معظم الأحيان.

ومن متابعة المناقشات، نرى أن الأحزاب الكردية مالت بصورة عامة إلى الأخذ بعبارة: المناطق الكردية في سورية، رغبة منها في عدم إثارة حنق السلطة التي أضفت على مصطلح كردستان الوصفي غير الإيديولوجي في حقيقته، دلالةً سياسية تُفسّر بالنزوع الانفصالي الذي ينشد دولة كردستان المستقلة الموحدة. وذلك على الرغم من إدراك السلطة المعنية التام بعدم وجود المقدمات الممهدة لأمر كهذا، وعلى الرغم من تيقنها من مصداقية الأهداف الكردية المعلنة في إطار الدولة السورية. لكنها بتهويلها لحجم الأخطار الآتية المزعومة، إنما ترمي إلى قطع الطريق أمام جميع الحقوق الديمقراطية الكردية. تلك الحقوق التي لا تتجاوز نطاق المطالبة بالمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين في إطار الدولة السورية. والمساواة هذه، لن تتحقق إلا في ظل احترام واقع تمايزية الخصوصية القومية بتمظهراتها المتباينة، خاصة الثقافية منها.

استهداف الوجود القومي الكردي:

ولكن في السنوات الأخيرة، وبالتناغم مع التوجّه الرسمي الهادف إلى إلغاء الوجود القومي الكردي في سورية، برزت مزاعم متشنّجة، هنا وهناك، ، سواء من قبل مثقفي الاتجاه الشوفيني، إذا جاز لنا استخدام هذا التعبير، أو من قبل بعض الأحزاب الكردية في الأجزاء الأخرى، ممن يفضّلون الحسابات الآنية الخاصة على المصالح العامة. وتتمحور هذه المزاعم حول التنكر لوجود أرض تاريخية كردية في إطار الدولة السورية المعاصرة. وهذا مؤداه عدم الإقرار بوجود كردستان أو حتى مناطق كردية في سورية. والشعب الكردي في منظور هؤلاء ما هو إلا مجموعة من المهاجرين الذين لاذوا بسورية هرباً من الطغيان التركي، بعد فشل ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925. وسننتقل إلى التساؤل الرئيسي والمشروع وخلاصته: هل يوجد جزء من كردستان في سورية أم لا؟. وقبل أن نشرع في الإجابة، لا بدّ من الإقرار بأن المتشددين من كلا الطرفين يذهبان إلى عدم صوابية طرح هذا التساؤل. فهو في منظورهم زائف لن يؤدي إلى أي جديد. فالمجموعة الأولى التي تضم المتشددين العرب، ترى أن هذا التساؤل يرمي إلى البحث عن شيء غير موجود في الأصل. بينما تؤكد المجموعة الثانية التي تضم المتشددين الكرد بأن التساؤل المعني ربما كان مقدمة للتشكيك في واقعية أمر موجود لا يطاله الشك.

لكننا سنحاول قدر الإمكان العودة إلى معطيات تاريخية، تشمل الوثائق الدولية الخاصة بالمنطقة في القرنين التاسع عشر والعشرين، بالإضافة إلى شهادات الرحالة الذي جابوا المنطقة خلال هذه الفترة وربما قبلها. وسنعتمد بعض الكتابات الرسمية نفسها وذكريات المسنين، آملين أن تكون الصورة واضحة بالنسبة للجميع، ومقبولة إلى حد ما. أما الدخول في ثنايا التاريخ القديم الذي يعود إلى العهد الحوري ومن ثم الميتاني، والحثي، والهجرات السامية من شبه الجزيرة العربية إلى سورية، ومن الحكم الإسلامي، فهذه أمور أخرى سندعها، على الرغم من أهميتها، إلى مناسبات أخرى.

إن عدم التمييز بين مفهومين متباينين في الأصل هو الذي أوقع ويوقع الكثير من المؤرخين والباحثين في العديد من الأخطاء على صعيد مسألة وجود أو عدم وجود جزء من كردستان في سورية المعاصرة. وهذان المفهومان هما: مفهوم سورية الطبيعية، وسورية الدولة المعاصرة حالياً. فالبعد الشمولي للمفهوم الأول ( سورية الطبيعية) هو أوسع من دون شك من المفهوم الثاني. في حين أن هذا الأخير يتضمن مناطق لا يغطيها المفهوم الأول. وهكذا، فإن الخلاف بين المفهومين هو على مستوى الشمول والتضمّن في الوقت عينه، إذا جاز لنا أن نستخدم هذه التعابير المنطقية هنا.

شهادات ومصادر:

إن التخوم التي تحدد المساحة المكانية لمفهوم سورية الطبيعية هي عينها التي كانت تتحدد بها ولاية سورية الرومانية. وحول هذا الموضوع يقول فيليب حتي ما يلي: (ولاية سورية الرومانية كانت تمتد من الفرات إلى مصر. وكانت هذه حدود سورية كما وصفها الجغرافيون العرب. وظلت تعتبر كذلك حتى نهاية الدور العثماني.) [2]. وما يدعم وجهة النظر هذه، ما ذهب إليه الدبلوماسي قسطنطين بازيلي الذي مثّل روسيا في المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكتب بحثاً تضمّن ملاحظاته ووصفه لمجريات الأمور في كل من سورية ولبنان وفلسطين. ويقول حول الموضوع ذاته: (كانت سورية منقسمة إلى ثلاثة باشالكات :1-باشالك حلب الذي يضم إمارتي الصليبيين الرها وإنطاكية، وساحل اسكندرونة الجزء الذي تختبئ بقربه قرية السويدية الفقيرة المجهولة عند مصب العاصي وكأنها شاهدة على قبر سلوفيا المشهورة قديماً. 2- باشالك طرابلس ، امتداد الساحل من اللاذقية (لاوديقية قديماً) إلى حدود إمارة لبنان.  3-باشالك دمشق ،وكانت تخضع له كل البلدان الجنوبية الشرقية الممتدة إلى الفرات وإلى برزخ السويس. وكانت فلسطين الداخلة في قوام باشالك دمشق، تشكل سنجقاً خاصاً تحت إدارة باشا ببنجقين. وفيما بعد دخلت منطقتها الساحلية في قوام باشالك صيدا، الذي أنشئ في العقد اللاحق من المناطق الساحلية الممتدة من صيدا إلى الحدود المصرية. أما مدينة القدس، باعتبارها إحدى أهم المدن المقدسة الأربع عند الإسلام، فبقيت تحت إدارة باشا دمشق.)[3]

وفي ضوء هذين التأكيدين ممن يعتدّ برأيهما، نصل إلى استنتاج فحواه أن منطقة الجزيرة بأكملها (الجزيرة العليا والجزيرة السفلى) لم تكن داخلة ضمن حدود سورية الطبيعية، بل كانت تابعة لولاية الموصل. وقد أكد هذا الأمر الباحث الروسي لوتسكي في كتابه تاريخ الأقطار العربية الحديث حيث يقول: (كان القسم الشرقي من سورية الحالية – أي قضاء دير الزور وقضاء الجزيرة – تابعين لولاية الموصل “العراق حاليا”.)[4]. أما الدولة السورية المعاصرة بحدودها الحالية، فهي تلك التي تشكلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بعد انتصار الحلفاء على تركيا. وقد كان من المفروض أن تضم هذه الدولة بالإضافة إلى المناطق التي تضمها حالياً، الموصل وجزءاً كبيراً من كردستان الجنوبية، وذلك بموجب اتفاقية سايكس بيكو 1916 بين كل من بريطانيا وفرنسا. إلا أن هذه الخطوة لم تتم نتيجة الإصرار البريطاني على التمسك بولاية الموصل، نظراً لتوجهاتها الخاصة بالنسبة لمستقبل المنطقة، ورغبتها في استغلال نفطها الذي كانت رائحته تفوح في ذلك الحين. أما بالنسبة إلى المنطقتين الكرديتين الباقيتين، الداخليتين في حدود دولة سورية المعاصرة، ونعني بهما كوباني وعفرين، فالوجود الكردي فيهما قديم قدم العصور التاريخية، يمتد بجذوره إلى المرحلة الحورية ومن ثم الميتانية. ولكن ما يهمنا هنا بالنسبة إلى المرحلة المعاصرة، تلك الشهادة التي يذكرها مينورسكي في كتابه “الأكراد: ملاحظات وانطباعات”، حيث يقول: (إن عدد الأكراد في ولاية حلب اقل من العرب (وهذا الأمر لا اعتراض عليه من قبل جميع الكرد)، فالمعلومات الجديدة التي قدمها القنصل (تسميرمان ) تؤكد على انه من مجموع 125000 نسمة من الولاية هناك للأكراد 1000 قرية)[5].

كلام مينورسكي هذا يعود حسب تاريخ نشره إلى عام 1915، وهو دبلوماسي وأكاديمي في الوقت ذاته، عمل في منطقة الشرق الأوسط وعرف الكرد عن قرب. وكان عضواً في لجنة تنسيق الحدود بين الدولتين العثمانية والإيرانية في سنة 1913، ثم مستشاراً خاصاً للسفارة الروسية في طهران. وعمل أستاذاً في المدرسة الشرقية في لندن عام 1932. ثم اختير رئيساً للقسم الإيراني في سنة 1937. وما يستنتج من كل هذا؛ أن المعلومات التي يقدمها الرجل تستند إلى خبرة الدبلوماسي، وعلم الباحث وقد التقيا في شخصه. إلى جانب هذه الشهادة، هناك شهادة أخرى يقدّمها أحمد وصفي زكريا في كتابه: “جولة أثرية في بعض البلاد الشامية”، حيث يقول: (الأكراد يكثر وجودهم في شمال بلاد الشام، على مقربة من الحدود التركية الحالية، كالذين في شمال نهر عفرين في الجبل المسمى جبل الكرد، والذين في كفرجنة شمال العمق، وفي أقضية إعزاز، والباب، وجرابلس، والأقضية التي في شمال شرقي لواء الجزيرة الفراتية، وكل هؤلاء أكراد أقحاح لم تتصل إليهم العربية بشيء)[6].

إن ما يقرّه هذا الباحث ينسجم تماماً مع مسار الأحداث التي رافقت تشكل الدولة السورية المعاصرة. فهذه المناطق كانت جزءاً من كردستان الجنوبية الغربية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، واقتطعت وألحقت بمنطقة الانتداب الفرنسي بموجب المعاهدة الفرنسية – التركية  المشار إليه فيما سبق. لذلك كان من الطبيعي أن يكون سكان تلك المناطق “أكراداً اقحاحاً” على حد تعبير أحمد وصفي زكريا. لأنهم وجدوا هناك من الأساس، ولم يهاجروا إلى مجتمع عربي يحيط بهم من كل الجهات. الأمر الذي كان من الممكن في حال حدوثه أن يؤثر فيهم بأشكال مختلفة وعلى مستويات عدة مثل: اللغة والثقافة والعادات والتقاليد…الخ كما حصل لكرد دمشق الأيوبيين على سبيل المثال. ومما تجدر الإشارة إليه هنا، إن الكثير من السكان الكرد في منطقة عفرين انتقلوا بعد التقسيم إلى الجانب الآخر من الحدود (الجانب التركي) لإدراكهم بأن التقسيم سيفصل مستقبلاً بينهم وبين ذويهم في الجانب الأخر. وربما فضّل بعضهم الحكم التركي الإسلامي على الحكم الفرنسي المسيحي حسب اعتقادهم آنذاك.

أما الشهادة الثالثة بخصوص قِدم التواجد الكردي في منطقة الجزيرة على وجه التحديد، فهي تلك التي أدلى بها من أعلن نفسه خصماً للشعب الكردي من دون أية مسوغات مقنعة، ونعني به محمد طلب هلال الذي م ازالت آراؤه تمثّل الخلفية التي ينطلق منها أصحاب الاتجاه المتعصب من المسؤولين في تعاملهم مع القضية الكردية بصورة عامة في سورية. هذه الشهادة تأتي في كتابه – التقرير الذي يحمل عنوان: “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية الاجتماعية السياسية”، كتبه بقصد التأثير في السلطات آنذاك ودفعها نحو اتخاذ مجموعة من التدابير العاجلة “الرادعة التي من شأنها” المحافظة على “عروبة الجزيرة” وإبعادها عن “المخاطر الشعوبية” على حد تعبيره. ولكن ربّ ضارة نافعة، كما يقال، فقد اعترف الرجل ربما من دون أن يدري بكردية المنطقة، وقِدم الوجود الكردي فيها، مقابل حداثة التواجد العربي الذي اتخذ شكل قبائل رحل كانت تنتقل من مكان إلى آخر هاجرت إلى المنطقة في أوقات ليست ببعيدة نسبياً، وذلك وفق ما يقوله محمد طلب هلال نفسه في تقريره المشار إليه: (يتجمع الأكراد على طول الشريط الشمالي محاذياً للحدود التركية في محافظة الجزيرة بعمق نحو الجنوب يتراوح بين 15-35 كيلو متر تقريباً، ومن منطقة رأس العين غرباً حتى حدود منطقة المالكية شرقاً {لعله من الجدير بالملاحظة أن أبعاد المنطقة التي شملها مشروع الحزام العربي في منطقة الجزيرة عام 1973 هي تقريباً التي عينها يذكرها هنا. في حين أن الوجود الكردي في منطقة الجزيرة يتجاوز بكثير الأبعاد الجغرافية التي يحددها هلال.} حيث يتكاثف التجمع هذا في الأمكنة الخصبة بحيث يستعصي عليك إيجاد جيب عربي صغير في بعض المناطق وخصوصاً في منطقة المالكية (ديريك ) وقبور البيض (تربه سبيي ) والقامشلي وعاموده …).

ثم يتابع: (هذا ويقابل هذا الشريط الشمالي المأهول بالأكراد شريط مثله في تركيا أيضاً مأهول بالأكراد الأتراك. فهم أقارب حتى في الدم حيث نجد العشيرة الكردية منقسمة وموزعة بين سورية وتركيا ومثلها أيضاً في العراق ، فهم أخوة وأبناء عمومة موزعين في تلك المنطقة..)[7]. يقرّ هلال من حيث لا يدري بالأمر الواقع. فالكرد كانوا على الدوام في المنطقة، والدليل استقرارهم، واعتمادهم نمط الإنتاج الزراعي، إلى جانب تربية الحيوانات خاصة الأغنام. فقد كانوا يعيشون بصورة دائمة في قراهم وبلداتهم طوال السنة ما عدا فصل الربيع، إذ كانوا ينتقلون فيه مع حيواناتهم إلى المناطق الجنوبية التي كانت تمثل مجالهم الرعوي الحيوي. وغالباً ما كانوا يصلون إلى منطقة جبل عبد العزيز التي يبدو أنها كانت صالحة للرعي في ذلك الحين. بينما كانت المناطق الأبعد برية خالية تنتقل عبرها القبائل العربية التي كانت تجوب المنطقة الواقعة بين البادية السورية والعراقية، والصحراء السعودية. وقد فوجئ الكرد بالتقسيم الذي طال أرضهم وعانوا منه، من خلال توزّع القبيلة أو العشيرة الواحدة بين جانبي الحدود، بل إن هذا التقسيم امتد ليشمل حتى الأسرة الواحدة.

أما بالنسبة للعشائر العربية المتواجدة في منطقة الجزيرة، فيبين هلال أنها قد وفدت إلى المنطقة، ولم تعرف بعد – حتى وقت كتابته لتقريره – حياة الاستقرار بصورة دائمة. والعشائر التي يذكرها هي:

1- عشيرة شمر التي يقول عنها أنها (وفدت إلى الجزيرة من الحجاز – منطقة نجد-  منذ أكثر من 300 سنة تقريباً، حيث استوطنت في المنطقة الممتدة من بغداد إلى الرقة)[8].

2- عشيرة طي. ويقول هلال أن (أساس هذه العشيرة من اليمن نزحت عدة مرات إلى نجد في الحجاز منذ حوالي 500 سنة تقريباً حيث أقامت ما يقارب القرن والنصف القرن، تركت نجد بعدها ( بعد ما سمي بحرب القبائل ) حيث وفدت إلى العراق وأقامت ما يقارب الخمسين سنة)[9].

3- عشيرة الجبور. (يقال بان هذه العشيرة وفدت من اليمن حيث مرت عبرها تسيارها بجبل العرب في حوران ومنها إلى حلب. فالجزيرة حيث استوطنت على ضفاف الخابور بحوالي 20 كم جنوبي مدينة الحسكة وقسم منها استوطن في العراق.)[10].

4- عشيرة البكارة. ويبيّن هلال بأنها انحدرت من بكاره الزور التي تنزل على ضفاف نهر الفرات في منطقة دير الزور، حيث تمركزت في سفوح جبل عبد العزيز الشمالية، في الجزيرة. ومنذ فترة ليست بالقصيرة أخذت بفلاحة الأرض وزراعتها في الجزيرة )[11].

ويتابع هلال قائلاً: (هذا ولا تعدم الجزيرة عشائر غير العشائر المذكورة، كعشيرة “حرب” وغيرها من العشائر الصغيرة. وغالباً ما تكون هذه العشائر ملحقة بعشائر كبيرة أو تدور في فلكها في كل ما تريده العشيرة الأم)[12].

ومن الاقتراحات التي يقدمها هلال “للمحافظة على عروبة الجزيرة” أي تعريبها بكلام أدق، نورد ما يلي:

1-تثبيت من لم يثبت في الأرض وتحضيره بالسرعة القصوى.

2-توزيع أملاك الدولة توزيعاً سليماً على العناصر العربية.

3-توزيع أراضي الإصلاح الزراعي المستولى عليها على العناصر العربية.

4-استجلاب عناصر عربية من الداخل وإسكانها بالجزيرة بشروط معقولة)[13].

شهادة أخرى هامة، تتمثل فيما يقوله السيد جميل كنه مدير ناحية القرمانية عام 1929، والقرمانية – كما هو معروف – كانت مركز الناحية في المنطقة قبل أن ينتقل هذا المركز إلى الدرباسية، وتصبح القرمانية مجرّد قرية كبيرة تابعة للدرباسية. يقول السيد كنه في هذا المجال بأنه: (كان يقطع المسافة من الناحية وحتى الحسكة في طريق برية خالية من العمران)[14]. وقد أشرنا قبل قليل كيف أن هذه البرية كانت تمثل المجال الرعوي الحيوي للعشائر الكردية التي كانت قد استقرت وتمارس الزراعة، لكنها في الوقت ذاته كانت تربّي الأغنام، وتخرج بها إلى هذه البرية في فصل الربيع، لتعود إلى قراها وبلداتها صيفاً أيام الحصاد. وفي العديد من الأحيان كانت هذه البرية موضوع خلافات وصدامات بين هذه العشائر وتلك العربية القادمة من  الجنوب التي كانت تعيش حياة البداوة المتنقلة، وتعتمد أسلوب تهديد سكان المناطق الزراعية الذين كانوا يعيشون حياة الاستقرار. ولعل الصدام الذي وقع بين عشيرة الدقورة القاطنة في منطقة عاموده وعشيرة شمّر، وراح ضحيتها أربعة عشر شخصاً من أبناء عامودة يعد مثالاً في هذا المجال. بالإضافة إلى صدامات عشائر الكيكية الكردية والبكارة العربية في منطقة الدرباسية.

وفي السياق ذاته يقول جميل كنه البحري في الكتاب المشار إليه: (عينت مديراً لناحية القرمانية –  قرية تابعة للدرباسية الآن – وفي 29 حزيران عام 1929 توجّهت إلى رأس العين ومنها إلى الحسكة ثم قصدنا مركز الناحية. وكان عدد السكان فيها لا يزيد عن مائتي دار، بعضها يسكنها أصحابها الأكراد وبعضها الآخر الكائن في القسم الجنوبي الخلفي يشغله اللاجئون من السريان والأرمن)[15].

إن هذا الكلام لا يحتاج إلى أي تعليق. والمعطيات التي يذكرها هي بدهية بالنسبة لأبناء المنطقة. لكننا نود أن نشير من باب التذكير إلى بعض ما يورده كنه؛ فالناحية كانت موجودة على الأقل في التاريخ الذي يذكره –عام1929- وسكانها كانوا من الكرد الذين كانوا قد استضافوا اللاجئين السريان والأرمن الهاربين من الظلم التركي. هذا في حين انه لا توجد أية إشارة إلى اللاجئين الكرد الذين أوحى بهم سهيل زكار[16] زاعماً ان المخابرات الفرنسية والألمانية هي التي كانت تشجع الكرد وتخطط لهم- متناسياًً مدى تشعب علاقات لورنس ” العرب ” – أو أن الكرد كانوا يضغطون على السريان في منطقة الجزيرة.

وأود أن أشير إلى ما يذكره لازاريف في كتابه “المسألة الكردية” بخصوص مقاومة الكرد للاستعمار الفرنسي في سورية، إذ يقول على سبيل المثال: (قامت أول حركة للأكراد السوريين ضد الفرنسيين بالقرب من تل كلخ في كانون الأول عام 1919 بقيادة الأخوين نجيب واحمد اغا برازي. وشارك الأكراد في العام الثاني 1920 اكبر مشاركة فعالة في نضال الشعب العام ضد المحتلين الفرنسيين. كما شاركوا في المعارك التي جرت بمحاذاة خط بغداد الحديدي . ومنذ عام 1920 أصبحت المفارز الكردية بقيادة إبراهيم هنانو في مركز الثورة الفلاحية التي شملت منطقة شاسعة في شمال غرب سورية تمتد من حلب وحتى الاسكندرونة واستمرت حتى أواسط عام 1923)[17].

بقي لنا أن نقدم شهادة الشخصية الجاجانية المعروفة عزت سليم بك التي نشرها صبحي عبد الرحمن في كتيبه “كاليفورنيا الشرق – الجزيرة” عام 1954. في هذه الشهادة يصف سليم بك جانباً من واقع الجزيرة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حيث يقول: (كانت ماردين ونصيبين مركزي حكومة “بقصد الحكومة العثمانية”. ولا يخفى أن بعد المسافة بين ماردين ودير الزور كان حوالي مائتي كيلو متر والمواصلات كانت على بعير وفرس وحمار، ولم يكن إذ ذاك ما بين ماردين ودير الزور إلا بضع قرى للأكراد في سهل ماردين الجنوبي في أطراف عاموده ونصيبين و الدرباسية القديمة “الواقعة ضمن الحدود التركية حالياً ” وقليلاً من الأعراب “الشوايا” مبعثرين على ضفاف الخابور جنوب الحسكة وضفاف الفرات)[18].

الخلاصة:

هذه الشهادات التي تلقي الأضواء من جوانب مختلفة على واقع منطقة الجزيرة باعتبارها الموضوع الأكثر إثارة للجدل من بين المناطق الكردية الثلاث التي تشكل قوام كردستان سوريا، يتبيّن أن مصطلح كردستان سوريا هو الأكثر انسجاماً مع حقائق التاريخ والجغرافيا وديموغرافيّة المنطقة. وبناء عليه، في الوجود الكردي في سوريا تاريخي وجغرافي. وهذا يفضي إلى أن المكوّن الكردي هو شعب عريق من شعوب المنطقة وجزء رئيس وتاريخي من النسيج الاجتماعي السوري. وليس وجوداً طارئاً أو محدثاً أو تشكّل تحت تأثير قوة خارجيّة. على العكس من ذلك هذا الوجود كان أحد ضحايا القوى الخارجية وتحالفاتها وصفقاتها ومساوماتها. وبمتابعة تفصيلات المباحثات والمداولات الإقليمية والدولية التي كانت بين فرنسا وبريطانيا من ناحية، والدولة التركية من ناحية ثانية، قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، وما تمخّضت عنها من معاهدات واتفاقيات رسمت معالم المنطقة، وقضت بتجزئة كردستان مرة ثانية، نرى كيف تم تقسيم الوجود القومي والجغرافي الكردي وأقصد كردستان، بين أربع دول هي: تركيا، وإيران، والعراق، وسورية. بعد أن كان مجزّءً بين إيران، وتركيا. وهذه الاتفاقيات هي التي أظهرت إلى الوجود الدولة السورية المعاصرة – التي تستمد اسمها من سورية الطبيعية – بحدودها الحالية، بعد أن اقتطعت أجزاء منها “لبنان، فلسطين” كانت تدخل في عداد سورية الطبيعية، وألحقت بها أجزاء أخرى لم تكن تضمها هذه الأخيرة. والأجزاء الملحقة المعنية هنا هي المناطق الكردية التي تشكل قوام كردستان – سورية.

_____________________________________________________________

[1] تأسس هذا الحزب في 14 حزيران 1957 ،وكان اسمه حينئذ الحزب الديمقراطي الكردستاني ،إلى أن غيّر اسمه فيما بعد ليصبح الديمقراطي الكردي في سورية . وذلك تحاشياً لإثارة المزيد من النقمة.

[2] فيليب حتي : تاريخ سورية ولبنان وفلسطين ،دار الثقافة ،بيروت 1958

[3] قسطنطين بازيلي : سورية ولبنان وفلسطين تحت الحكم العثماني ،ترجمة طارق معصراني ،دار التقدم ، موسكو 1989 ،ص 32 .

[4] لوتسكي :تاريخ الأقطار العربية الحديث ،الجزء الأول ،دار التقدم موسكو 1957، ص 97

[5] ف .ف . مينورسكي: الأكراد ،ملاحظات وانطباعات ،ترجمة معروف خزنة دار ،بغداد 1968 ص 18 .

[6] احمد وصفي زكريا :جولة أثرية في بعض البلاد الشامية ، دمشق 1934

[7] محمد طلب هلال :دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية ،الحسكة 1963 ص 26

[8] المصدر نفسه ، ص 111

[9] المصدر نفسه ، ص114

[10] المصدر نفسه ص 117

[11] المصدر نفسه ص 120

[12] المصدر السابق ص 121

[13] المصدر السابق ص 134

[14] نقلاً عن عبد الحميد درويش:لمحة تاريخية عن أكراد الجزيرة، كانون الثاني 1996 ص 13.

[15] جميل كنه البحري :نبذة عن المظالم الافرنسية في الجزيرة والفرات ،ص 82 ، نقلا عن درويش  المرجع نفسه ، ص30 .

[16] المقصود هنا هو ما تضمنته محاضرة سهيل زكار التي ألقاها في المركز العربي للدراسات الاستراتيجية بدمشق ونشرت لاحقاً في جريدة المستقلة ، العدد 73تاريخ 2/10/1995 .

[17] م.س. لازاريف : المسألة الكردية 1917-1923 ،ترجمة عبدي حاجي، دار الرازي بيروت 1991 . ص 252-253.

[18] صبحي عبد الرحمن :كاليفورنيا الشرق ،الجزيرة ، 1954 ص 49 نقلاً عن درويش، المرجع نفسه ، ص28-29. 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

د. مسلم عبد طالاس:بعض الأفكار حول إعادة إعمار سوريا اقتصادياً

د. مسلم عبد طالاس   منطقياً مسألة معالجة نتائج حدث ما سواءا كان كبيرا أو ...