الرئيسية | مقالات | إبراهيم الجبين: لماذا القضية الكوردية ضرورة للعرب؟

إبراهيم الجبين: لماذا القضية الكوردية ضرورة للعرب؟

إبراهيم الجبين_كاتب وإعلامي وروائي سوري

 

الكثير من الكلام يمكن أن يقال عن تمركز اهتمام الشعوب من حول قضايا محدّدة تجمعهم. وكثيراً ما صنعت قضايا بعينها، من أجل جمع شمل شعوب لا أكثر، بغض النظر عن مصداقيّة تلك القضايا أو دقّتها تاريخيّاً وسياسيّاً.

وبعد أن كانت القضية الأساسية التي تجمع العرب مقتصرة على الإسلام، بدءاً من القرن السابع الميلادي، وانتقال الدين الجديد من الحجاز الذي هو امتداد حقيقي وطبيعي للشام، وانتشاره شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، لم يلبث هذا كلّه أن تحوّل، إلى فكرة الدولة المدنيّة الأقلّ تديّناً والتي مثّلتها الدولة العربية الفعلية الأولى، وهي دولة معاوية وحكم الأمويين.

كان تناقض تلك الدولة مع المشروع الديني الذي مثّله عليّ بن أبي طالب، كفيلاً بصقلها، لتتجمّع حول أفكار مختلفة، عن تلك التي حملها مشروع عليّ، فهو المشروع الإسلامي بحكم وراثة العلم عن النبي محمد، وهو مشروع العرق العربي بحكم وراثة الزعامة عن ابن العم العربي العدناني. بينما ذهبت دولة معاوية إلى النقائض، فاختارت التعدّد الديني بوجود آل منصور المسيحيين على رأس هياكل الدولة والوزارات، وبوجود الأعراق الأخرى التي شاركت في الدولة من سريان وروم وبيزنطيين.

لكن ذلك المشروع لم يعش طويلاً، إذ سرعان ما دمّره العقل الثأري المتجسّد في الغزو العباسي الذي حمل مجموعة كبيرة من الثارات، كلها كانت تتركز في الوراثة الدينيّة (النبويّة الإسلاميّة) والعرقيّة (العربيّة). على أن خطرها كان في استعمالها للداخلين الجدد في الإسلام من أعراق وشعوب مثل الفرس والكورد وغيرهم، فوظّفوا إخلاص تلك الشعوب في الانتماء الجديد، وعراقة الثقافات التي جاءوا منها، ليحوّلوا هذا إلى ثأر ضد الحكم المدني المتعدّد الذي كانت قد مثلته دمشق الأمويّة.

وغابت شمس الدولة العربية في المشرق، منذ ذلك الحين، لتستبدل دمشق بقرطبة، ويتواصل مشروع كبير سيساهم بشكل كبير في نقل التنوير من المشرق إلى أوروبا. وكانت تلك الجزيرة العربية حينها، أيضاً، تقوم على التعدد الديني والعرقي، فكان أشهر أكرادها كما يقول الدكتور أحمد الخليل، الموسيقار المجدد زرياب. ويضيف الخليل “عاش زرياب بين عامي (160 – 2300 هـ)، والمؤسف أن الأخبار عن بدايات زرياب قليلة. وذاك القليل نفسه لا يخلو من غموض. ومعظم الذين كتبوا عنه اعتمدوا ما ذكره المقّري في كتابه (نفح الطيب). ولا يتطرّق المقّري إلى أصل زرياب، وإنما يكتفي بذكر أنه مولى أمير المؤمنين المهدي (والد هارون الرشيد)، وأن اسمه أبو الحسن علي بن نافـع، ثم ينقل تلك الرواية التي تربط بين لونه ولقبه، فيقول: زرياب لقبٌ غلب عليه ببلاده من أجل سواد لونه، مع فصاحة لسانه، وحلاوة شمائله، شُبِهّ بطائر أسود غَرِد عندهم. لكن المقّري لا يذكر اسم بلاد زرياب. وبناء على هذا الخبر جاء أحد الفنانين ورسم لزرياب صورة جعله فيها إفريقي السحنة. وينقل الدكتور حسن إبراهيم حسن في كتابه (تاريخ الإسلام: العصر العباسي الأول) ما رواه المقّري، ويضيف أن زرياب فارسيّ الأصل؛ والمعروف أن كثيرين من المؤرخين القدامى عدّوا الكورد فرساً تارة وعجماً تارة أخرى. وعلى سبيل المثال يتحدّث الجغرافي ابن رُسْته في كتابه (الأعلاق النفيسة) عن مدينة (حُلوان) فيقول: وأهلها أخلاط من العرب والعجم من الفرس والكورد. ويقول ابن رُسته عن مدينة (قرماسين/ كرمنشاه): أكثر أهلها العجم من الفرس والكورد.
وينقل الزركلي في كتابه (الأعلام) عن المستشرق بروفنسال أن زرياب ولد في الجزيرة. ويستبعد الزركلي الرواية التي تربط بين لون زرياب واسمه، ويذكر أن (زرآب) في الفارسي معناه ماء الذهب، وعرّبوه بكسر الزاي وإبدال الألف ياء، ويرى أن هذا التفسير هو الصحيح. والفارسي المذكور هنا هو الكوردي بالطبع؛ لأن اللفظة كوردية جملة وتفصيلاً. على أن الباحثة الألمانية زيغريد هونكه حسمت الأمر في كتابها الشهير (شمس العرب تسطع على الغرب )، فنصّت بوضوح أن زرياب فتى كوردي”.

ولكن الأندلس زالت، كما زالت دمشق من قبلها، ولم يستيقظ المشروع الخاص بتأسيس دولة عربية مرة أخرى إلا بعد قرون طويلة، من بين غبار معارك الحرب العالمية الأولى، ومن دمشق من جديد.

وبدأ معها مشوار الانتداب والاستعمار وحروب التحرر والانقلابات والحكم الاستعماري بالوكالة، وعاشت وهمية طويلاً، حتى الربيع العربي في العام 2011 لتعود من جديد إلى الحياة المطالبات بنشوئها على أسس من العدالة والحرية والمساواة والديمقراطية والتعددية، كما هتف لهذا شباب وشابات المظاهرات في شوارع كل من تونس ودمشق والقاهرة وصنعاء وبني غازي وغيرها.

وقبل تفجر انتفاضات الربيع العربي، كان يجمع عواطف وإرادة العرب ما سمّوه “قضية مركزية” وكانت متمثلة في القضية الفلسطينية، التي نشأت بسبب منح البريطانيين وعداً لبعض المتطرفين اليهود بتأسيس دولة في جزء من سوريا. وقرار فرنسا احتلال سوريا وتدمير الدولى الناشئة فيه، رغم اتفاق وتفاهم وقعا رسمياً ما بين البروفيسور حاييم وايزمان رئيس الحركة الصهيونية وملك سوريا فيصل بن الحسين على العيش المشترك في الفضاء المشرقي.

وبقيت القضية الفلسطينية بلا حل، تتقاذفها أطوار ابتزاز القوى الكبرى والمتوسطة في العالم لبعضها البعض، على حساب شعوب الشرق الأوسط عرباً وغير عرب.

في الوقت ذاته، كانت قضية أخرى يجري سحقها والتعمية عليها، من العرب الضحايا أنفسهم، بدلاً من استثمارها من جديد لتكون قضية تحرر تجمعهم، وتبرهن على مشروعهم المتعدد الأول. وبدلاً من أن يتذكر العرب أن صلاح الدين الأيوبي، الذي يغنون له والذي لا يخلو أي بيت عربي من صورته، سواء في كتاب مدرسي لطفل أو معلمة أو في لوحة أو موسوعة أو سجادة مطرزة، إنما كان قائداً كوردياً، أخذوا يصنعون عدواً جديداً، من رحم ثقافتهم.

وكما احتاج العرب للقضية الفلسطينية ليتجمعوا حول هوية مأزومة غير متشكلة بصورة صحيحة، هم بحاجة اليوم كما أرى، للقضية الكوردية، لإعادة صقل هوية عربية متآكلة وإعادتها للمسار الطبيعي الذي انحرفت عنه طويلاً بسبب التطرف الديني والفكر المشوه الذي جلبه العائدون من البعثات مثل ميشيل عفلق والعسكر، مثل جمال عبدالناصر وحافظ الأسد وصدام حسين، الذين لم يقرأوا ما يكفي ليقودوا حركة عروبية ترى الآخر وتغتني به وتكبر، لا لتنقضّ عليه وتسحقه وتصغر هي وهو.

وكي يتيقن العرب بما هم عليه من رابطة غير عرقية، تجمها الثقافة، من أن مستقبلهم سيشمل قضايا عادلة قائمة على  الحق بتقرير المصير والحرية والكرامة والقيم العالمية التي أنتجتها البشرية واستقرت عليها، يجب أن يرعوا على الدوام نمو وتطور قضايا تحرر تقوم على المبادئ ذاتها، لتسير مع قضيتهم الجوهرية وهي وجودهم ذاته وليس نزاعات على الحدود واحتلال أراضٍ وتهجير سكان، الأمر أبعد من ذلك بكثير. ويتطلب إعادة تكوين فكري شامل يندر وجوده اليوم مع الأسف، فالجميع مشغولون بالثارات الطائفية والعرقية وسائر الهمجيات.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إيان بلاك_الأسد أو نحرق البلد لـ سام داغر

إيان بلاك ترجمة: مصطفى إسماعيل في صيف 2012، انتشرتْ أخبار مفادها أن مناف طلاس- وهو ...