الرئيسية | مقالات | متى يتحاور السوريون بعيداً عن منافسة المظلوميات؟

متى يتحاور السوريون بعيداً عن منافسة المظلوميات؟

سلام كواكبي: كاتب وباحث سوري

 

 

منذ عدة سنوات، وفي ملتقى دولي واسع المواضيع والمشاركة، كنت أمارس ما هو الأكثر نفعاً في مثل هذه اللقاءات غير العلمية، وهو التشبيك. وهذه الممارسة تجري عموماً في أروقة المؤتمر أو حول وقعات الطعام لتوسيع دائرة المعارف في الاختصاصات القريبة مما يهم باحث في العلوم السياسية مثلي. وإذ بصديق من كورد العراق يخرج مسرعاً من إحدى القاعات باحثاً عني بحماس. وعندما وجدني أمامه، دعاني للدخول فورا الى الورشة التي كان يشارك بها حول حقوق الكورد في العراق وفي سوريا. وكنت متحمساً لتلبية الدعوة دون أي تردد، ولكنه أردف قائلاً، بأنه قال للمشاركين بأن ممثل لأحد “أشهر” العائلات الكوردية وحفيد ابرز رموزها موجود في جنباتنا، وبالتالي فقد توجه لي على أنني ذاك السليل والحفيد. فشكرته على تكريمي بهذا النسب، إلا أنني أكدت له بأن معلوماته يشوبها بعض اللغط حيث أنني، وللأسف، لست كوردياً.

إثر هذا القول، عتب الصديق على “تملصي” من هذا الأصل الكريم، وذكر لي، كتعزيز لظنّه، بأن هذه الاشارة الى كوردية عائلتي قد وردت في كتاب البيرت حوراني حول تاريخ الفكر العربي المعاصر في معرض استعراضه لسيرة عبد الرحمن الكواكبي (1855 ـ 1902). فأثنيت على عمل حوراني الموسوعي، ولكنني أردفت بأنه لم يكن موفقاً في نسب الأسرة الكواكبية، لعوامل عدة لا مجال لاستعراضها. وحتى لا يشعر صديقي بالعجز أمام عنادي حول الانتساب الى شعب أكنّ له كل التقدير والاحترام كما لشعوب العالم قاطبة، أضفت قائلاً بأن حديثي عن القضية الكوردية السورية والعسف الذي حاق بالشعب الكوردي في سوريا سيكون أكبر وقعاً وأشد موضوعية إن هو أتى من باحثٍ ليس فرداً من هذا الشعب.

هذه الحكاية ما فتئت تدغدغ ذاكرتي في معالجتي للقضية الكوردية في سوريا والتي أميل غالباً الى تمييزها سياسياً عن مجمل المسألة الكوردية في منطقة بلاد الرافدين، دونما تمييزها انسانياً ولا تاريخياً بالطبع. فالكورد السوريون، كما مجمل مكونات هذا البلد المركّب وغير مكتمل التكوين، وحيث ما زالت مسألة الهوية غير محسومة لمجمل ساكنيه، عانوا وما زالوا يعانون من استبداد لا ينقطع الا لماماً. وزد على ذلك، فإضافة الى استبداد السلطات الحاكمة المتعاقبة على هذا البلد منذ قرون، يأتي نكران وقوعه ورفض ادانته من قبل بعض ضحايا الاستبداد من غير الكورد بشيء من الانفصام الحقوقي قد عانت منه الحركات المطالبية في المنطقة العربية عموماً، وفي موضوعة دفاع المضطهدين عن حقوق من خالفهم بالانتماء السياسي او الديني او الاثني من مضطهدين مختلفين.

فكم من اسلامي مُضطّهد لا يعترف بمعاناة غيره من المضطهدين العلمانيين، وكم من علماني مضطهد يرفض الاعتراف بالظلم الواقع بحق الاسلاميين. ويمتد هذا التضامن الانتقائي الى بعضٍ من المعارضين السوريين الذين يستنكفون عن رؤية ومقاربة المسألة الكوردية بتجرّد وموضوعية. فكثيراً ما تكتب الاقلام، في وسائل الإعلام وفي وسائل التواصل، نصوصاً تمييزية بحق الكورد السوريين تستعيد الخطاب القوم(ج)ي الذي غزته قراءات خاطئة للتاريخ وللجغرافيا. وفي غالب هذه الكتابات تتم الاشارة الى “مصدرٍ” خارجي لهذا الشعب مُحيلةً اساساً على أسطورة روجتها انظمة وعقليات مستبدة تُشير إلى أن جُلّه هاجر من شمال الحدود. ولكن هل تقتصر هذه الاساطير على جانب دون سواه؟

لقد اتاحت وسائل التواصل الاجتماعية “مرتعاً” للكثير من الاساطير وسمحت بتطبيع ممارسة النكران. وتميّزت كتابات عديدة بممارسة وبالتالي، لا يمكن استثناء ما تنشره بعض الأقلام من الجانب الكوردي والتي تحمل أيضاً جرعات عالية من الاساطير ومن رفض الآخر أو تعنيفه على أنه المسؤول عن مجمل الظلم التاريخي. أو عن الاشارات الجغرافية والتاريخية غير الدقيقة، والتي تعتبر مشتركة الاقتراف بين مختلف المكونات، وخصوصاً في الخطاب التعبوي غير المستند على عقلانية أو على بحثٍ جادٍ.

مظلوميات تتواجه دائماً لدى العامة، وتجد نادراً من يتجاوزها للغوص في عمق المسألة لدى النخبة. يعود سبب هذا “الاستنكاف” عن التعرّض بوضوح للمسألة الكوردية عائداً أساساً إلى الحذر من الوقوع في مرمى الانتقادات التي يصل بعضها الى القاسي والجارح من الكلام.

ومن المؤسف أن المواطنة بمعناها الحداثي لم تترسّخ في سوريا بعد الاستقلال حيث فشلت مجمل الانظمة السياسية على بناء الدولة / الأمة كما على ترسيخ مفهوم الانتماء المواطني لكُلٍ جغرافي. وقد ساعد في افشال مشروع المواطنة السورية أكثر من سواه، سيطرة زمرٌ انقلابية همّها الأول السلطة والمحافظة عليها مهما كانت الأثمان المحلية والتنازلات الخارجية. وقد لجأت السلطات الى تقمّص دور المستعمر الذي طالما استعمل قاعدة “فرٌّق تَسُد” لتعزيز سطوته على مختلف مكونات المجتمع. فقد صارت الانتسابات اثنية او دينية او مذهبية او مناطقية او قبلية ـ او عدد منها مجتمعة ـ  لتمحو أي انتماء وطني مشترك يُزيل الفوارق بين اعضاء المجتمع.

وفي هذا المناخ غير الصافي، تم تخصيص المسألة الكوردية بمعاملة “متميّزة” من حيث تعزيز التمييز بحق الكورد السوريون وأُمعِنَ في تطبيق سياسة الحزام العربي مشؤومة الذكر ومُنع التعبير الثقافي بكافة أشكاله. وقد ساعد في ذلك انقسام الحركة الوطنية الكوردية بين من لهم ارتباطات “خارج” الحدود وبالتالي تُسيطر عليهم، بمعزل عن الحالة السورية ومآلاتها، مجموعة من القيادات الكوردية في تركيا او في جبال قنديل في كوردستان العراقية. انها تخضع بالتالي إلى أمر اليوم من قبل حزب العمال الكردستاني مع اختلاف المسميات التي تصبوا الى ذرّ الرماد في العيون والتمايز عن صاحب القرار.

لقد كان الربيع الكردي سنة 2004 هو المؤشّر الأول لتململ واضح في المجتمع السوري بكافة مكوناته من فشل الانفتاح السياسي الموعود. وقد تم قمع الاحتجاجات حينها بعنف حريٍ بتقاليد حكام دمشق. وجاءت الاحتجاجات الشعبية السلمية في بدايتها سنة 2011 حاملة معها مشاركة كوردية مكثّفة كان رائدها الشهيد مشعل تمو وكانت مطالبها أوسع من مجرد المطالبة بحقوق اضطهدت طوال عقود، بل أنها اعتبرت نفسها جزءاً لا يتجزأ من الحَراك السوري الشامل. وقد تنبهت السلطات الى خطر مشاركة الكورد في الانتفاضة الى جانب مختلف مكونات السوريين، مما أدى بها إلى أن غضّ النظر عن عودة حزب العمال الكردستاني عبر تسميات متعددة للسيطرة بالقوة على المشهد الكوردي وتكميم افواه من يسعى الى المشاركة في المطالبة السلمية الملتحقة بالحراك الشعبي العام.

المسألة الكوردية تتطلب من السوريين حواراً مفتوحاً وصريحاً يُستبعد منه أصحاب الرؤوس الحامية من الطرفين. وكما يجدر بمقارعيه الابتعاد عن منافسة المظلوميات لأن هذه الممارسة لن تؤدي إلى أي نتيجة وسيتوسع قطر الحلقة المفرغة التي يدور فيها الحوار حول المسألة الكوردية في جنبات المعارضة السورية منذ فترة لا بأس بها.

العقلانية في الطرح كما في المعالجة هي السبيل الوحيد لمقاربة ناجحة تكسر الحلقة المفرغة وتناقش مختلف السيناريوهات دون التفاف ومواربة. وتبقى اللامركزية السياسية والادارية الحقيقة في مستقبلٍ يُنشد للبلاد هي ما يمكن ان تكون الحل الأنسب للجميع على أن لا تتم شيطنة العبارات بل تحليل الخطوات والمآلات.

جميع السوريين ضحايا للاستبداد بمختلف تلاوينه السياسية والدينية والتمييزية. جميع السوريين أقليّة سياسية واجتماعية وتعبيرية في بلد سادت فيه ثقافة الخوف. جميع السوريين أُبعدوا عن المجال العام وعن التعبير مما أدى الى نمو ثقافة الريبة والتشكيك بعضهم بالآخر. جميع السوريين مدعوون لمناقشة الملفات الأساسية بانفتاح كامل على مختلف الاحتمالات التي لن تأت بأسوأ مما كان. وجميع السوريون مناشدون أيضاً بالاعتراف بما اقترفوه ببعضهم بعضا تحت تأثير السلطة او الإغراء أو الترهيب. حينها، وحينها فقط، يمكن للحوار السوري حول المسألة الكوردية السورية ان يؤدي إلى نتيجة.

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمران منصور

عمران منصور: التغريدة الكُردية في سوريا

عمران منصور_ محامي كُردي_ باريس الصدمة السياسية التي سببها القرار الأمريكي في تغريدة للرئيس الامريكي ...