الرئيسية | دراسات | رياض علي _محاكم الميدان العسكرية في سوريا: بين الأحكام والإجرام

رياض علي _محاكم الميدان العسكرية في سوريا: بين الأحكام والإجرام

رياض علي: كاتب وباحث

 

ان الغاية الاساسية من القوانين الوضعية هي تنظيم العلاقات الاجتماعية المعقدة والمتشابكة المتمثلة بالحريات والمصالح المتداخلة والمتعارضة في كثير من الاحيان. وبالتالي يساعد القانون في حفظ لحمة المجتمع والحفاظ على استقراره وتماسكه عن طريق توفير الامن والعدالة والحرية. إلا أنه أصبحت القوانين في الدول الخاضعة للحكم الدكتاتوري الشمولي أداةً لقمع الحريات وترهيب الشعوب، والتخلص من الخصوم السياسيين للسلطة الحاكمة. وليس نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بعيداً عن هذا التوصيف، بل يمكن القول: بأنه مهندس بارع يتقن هذه الاستراتيجية ويحسن اللعب عليها. اذ تمكّن من استغلال سلطته في سَنّ القوانين وتعديلها، وبمسميات مختلفة. واستطاع ان يجعل من القوانين عصا طيِّعة بيده يضرب بها كل من تسول له نفسه الخروج عن طاعة السلطة الحاكمة.

ومن بين القوانين القمعية السيئة الصيت لدى السوريين منذ عقود هو المرسوم التشريعي رقم 109 لعام 1968، والذي صدر في اعقاب هزيمة حزيران عام 1967 ونص على إحداث المحكمة الميدانية العسكرية، وكانت الغاية منها محاكمة الجنود الفارين من الخدمة، او الذين التحقوا بصفوف العدو أثناء العمليات العسكرية. وكان اختصاصها يقتصر على الجرائم التي تقع ضمن صلاحيات القضاء العسكري فقط، وبشرط ان تتم الاحالة الى المحكمة من قبل وزير الدفاع وفق سلطته التقديرية، وعلى ان يصدر مرسوم لاحق يحدد وقت بدء الاعمال العسكرية وموعد انتهائها، الا ان هذا المرسوم لم يصدر حتى اللحظة.

وستحاول هذه الورقة الخوض في طبيعة هذه المحكمة وخروجها عن سياقها الأساسي وتناول أحكامها القضائيّة، وهل يمكن اعتبار هذه الأحكام جرائم أم لا؟. بهدف حثّ المهتمين بالملفّ القانوني السوري، ولا سيما ملف العدالة الانتقالية على جمع الادلة والملفات المتعلقة بالمحكمة الميدانية العسكرية، بغرض محاسبة كل من تورط في قتل السوريين عمدا ووضَعَهم في غياهب السجون دون وجه حق، عبر محاكمات صورية من قبل اشخاص لا يتقنون شيئاً سوى الطاعة العمياء للسلطة الحاكمة.

صارت المحكمة الميدانية العسكرية أداة لكم الافواه ومصادرة الحريات عبر اصدار قرارات سرية لم تنشر حتى هذه اللحظة. وهذه السرية الغريبة تدلّ على انها ليست أحكاماً بالمعنى القانوني، بل قرارات تصفية واغتيالات سياسية، إن جاز التعبير. ولم يكتفِ حافظ الاسد بذلك، بل ونتيجة صراعه مع جماعة “الاخوان المسلمين” وسَّعَ من دائرة اختصاصها بموجب المرسوم التشريعي رقم 32 تاريخ 1/7/1980. اذ تمت اضافة عبارة (او عند حدوث الاضطرابات الداخلية)([1])، وبذلك صار اختصاص المحكمة الزماني يشمل اوقات السلم والحرب. كما أن اختصاصها الشخصي صار يشمل العسكري والمدني، مع ان العبارة المذكورة لا تمنح المحكمة الميدانية حق مقاضاة المدنيين أيّاً كانت التهم المسندة اليهم. وكانت هذه العبارة المضافة، مع محكمة الميدان العسكرية بتراثها الدموي الثقيل، ومع ترسانة القوانين القمعية الرهيبة المكبلة للحريات العامة جزءاً مهماً من التركة التي ورِثها الأسد الإبن عن والده والتي استخدمها طوال فترة حكمه. ومنذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة  للنظام في سورية آذار عام 2011  تمت إحالة عشرات الآلاف إلى هذه المحكمة من مدنيين وعسكريين، من قبل الأجهزة الأمنية مباشرة. ونظراً لاكتظاظ سجن عدرا المدني وسجن صيدنايا العسكري بالمعتقلين أمنياً والموقوفين قضائياً، فإنه تمّ إيداع الأشخاص المحالين لتلك المحكمة في الفروع الأمنية نفسها، حيث تتم محاكمتهم  ويقضون عقوبتهم فيها، ولأول مرة منذ تاريخ إنشاء هذه المحكمة تم محاكمة نساء وفتيات أمامها. وهناك عدد من الفتيات والنساء مودعين في سجن عدرا لصالح المحكمة الميدانية([2])

المحكمة الميدانية العسكرية المذكورة ليست محكمة بالمعنى القانوني الصحيح. وإن كنّا استخدمنا عبارة المحكمة او المقاضاة او الاختصاص، فذلك لضرورة السرد وعدم تكرار عبارات الحشو كالشكلية او الهزلية او الصورية او غيرها من العبارات الدالة على عدم مصداقية المحكمة وعدم مشروعيتها، وسنوضح ذلك.

تشكيل المحكمة:

بموجب المادة 3 من المرسوم 109 تؤلف المحكمة بقرار من وزير الدفاع، وتشكل من رئيس وعضوين، ولا تقل رتبة الرئيس عن رائد كما لا تقل رتبة كل من العضوين عن نقيب. وكون المرسوم لم ينص على أية شروط للتعيين بمنصب القاضي سوى الرتبة العسكرية، فهذا يعني عدم اشتراط الحصول على الاجازة في الحقوق، وبالتالي افتقاره الى المعرفة القانونية التي تمكنه من تطبيق القانون بالشكل الأمثل، ثم ان تعيين قاض من قبل زير الدفاع يُعَد عيباً كبيراً في طريقة تشكيل المحكمة، لانه من غير المقبول قانوناً أن يقوم احد العسكر وهو من مرتكزات السلطة التنفيذية (وزير الدفاع) بالتدخل في صلب شؤون السلطة القضائية وتسمية كوادرها وعزلهم أيضاً. فمن يملك حق التعيين يملك حق العزل، بل ويمارس سلطة محاكم الدرجة الثانية او الاخيرة من حيث التصديق على قرارات المحكمة.

ووفقا لما ذكر، فان تشكيل المحكمة الميدانية يخالف ابسط القواعد القانونية فيما يتعلق بتشكيل المحكمة، كما ويخالف المادة 67 من قانون السلطة القضائية في سورية، اذ نصّت على ان السلطة المختصة بتعيين القضاة هو مجلس القضاء الاعلى لا وزير الدفاع([3])

اجراءات المحاكمة وإصدار الحكم:

يتوجب قانوناً ان تكون اجراءات المحاكمة واضحة ومتاح للجميع الاطلاع عليها. ولا يمكن بحال من الاحوال تصور وجود محكمة بمعنى المحكمة بدون اجراءات واضحة للتقاضي، لان الغاية من قوانين الاصول أو الاجراءات هو بيان الخطوات والاجراءات الواجب على الخصوم والمحكمة اتباعها لضمان حسن سير الدعوى وضمان صدور حكم عادل فيها بعيد عن المحاباة والتحيُّز، كما ويتوجب قانوناً ان تصدر الاحكام بصورة علنية، وهذا ما نص عليه قانون اصول المحاكمات السوري([4])، وكذلك العهود والمواثيق الدولية كالاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 ([5])، علماً ان سورية قد صادقت على هذه المواثيق والعهود([6])

لذلك فان ما نصت عليه المادة الخامسة من مرسوم انشاء المحكمة الميدانية بمنح المحكمة الحق بعدم التقيد بالقواعد والاجراءات الواردة في القوانين والتشريعات النافذة،  يعد خرقا صارخاً لحقوق المتهم امام تلك المحكمة ومخالفة صريحة لكافة القواعد والأعراف القانونية. وبالنسبة لاجراءات احالة المتهمين الى المحكمة فلا يوجد معيار واضح، أو آليه محددة للأشخاص الذين تتم إحالتهم للمحاكمة أمامها، بل أن الأمر كيفي، متروك برمته  لوزير الدفاع  وحده الذي يحق له تقرير محاكمة من يشاء أمام محاكم الميدان سواء كان عسكرياً أم مدنيا وسواء كان سوريا أم أجنبياً، رجلاً ام امراة، بالغاً سن الرشد أم لا،  وغالباً ما تتم إحالة المتهمين إليها وفقاً لرأي الأجهزة الأمنية([7])

كما ان النص بان النيابة العامة لدى المحكمة الميدانية العسكرية تتمتع بجميع الصلاحيات والسلطات الممنوحة للنائب العام ولقاضي التحقيق العسكري، وتعتبر قراراتها قطعية لا تقبل أي طريق من طرق الطعن([8]) يشكل انتهاكاً واضحا لابسط القواعد المتبعة في قوانين الاجراءات الجزائية. فقانون السلطة القضائية السوري رقم 98 لعام 1961 فرّق بشكل واضح بين النيابة العامة وقضاة التحقيق، وأوكل لكل منهما صلاحيات ومهام تختلف عن الآخر([9]). كما ان قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري رقم 112  لعام 1950 كرَّسَ هذا التفريق بين مؤسستي النيابة والتحقيق.

بل ان المرسوم 109 لم يميز بين الاحداث والبالغين حيث ان المحكمة الميدانية تحاكم الحدث والبالغ دون تمييز بينهما، ففي عام 2012 اصدرت حكما لمدة 12 سنة بحق الطفل محمد فياض العزب من مدينة داريا (16 عاماً)، بتهمة الانتماء لمنظمة ارهابية وتم وضعه في سجن صيدنايا العسكري مع البالغين([10])

مخالفة مبدأ عدم رجعية القوانين:

يعتبر هذا المبدأ ايضا من المبادئ الاساسية المعمول بها في كل دول العالم، ومنصوص عليه في المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، ومنصوص عليه ايضا بالمادة /52/ من الدستور السوري والمادة الاولى من قانون العقوبات السوري.  ولانه من غير المنطق محاسبة شخص عن سلوك معين دون ان يكون ثمة قانون يجرم هذا السلوك وينص على اعتباره جريمة ويحدد العقوبة المناسبة لهذا السلوك، أَما أن يكون السلوك مباحاً في وقت ما، وبعد ان يقدم الشخص على ارتكابه نأتي لنقول له: “إننا سنحاسبك على فعل اقترفته سابقا لانه قد اصبح فعلا مجرَّماً بقانون حديث صدر بعد ارتكابك للفعل”، فهذا يخالف العدالة والمنطق الطبيعي للاشياء،  وقد اكد الله سبحانه وتعالى عدم مشروعية الاثر الرجعي للقانون بقوله في سورة الاسراء الآية 15: “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”.

لكل ما ذكر، فإن النص في المادة /1 / من مرسوم احداث المحكمة بان اختصاص المحكمة يسري اعتبارا من 5/6/1967، أي عن الفترة السابقة على احداث المحكمة لمدة تزيد عن السنة، يخالف كل القوانين الدولية والداخلية، وينزع المشروعية عن المحكمة موضوع البحث.

مخالفة مبدأ قدسية حق الدفاع:

يعتبر حق الدفاع من الحقوق التي تحظى باهتمام فائق لتطويره وحمايته نظراً لخطورة القضايا المتعلقة به. كما ويشكّل ركيزة اساسية للمحاكمة المنصفة، التي يشكّل نظامها المتكامل بما يتضمن من قواعد وضوابط لحماية حقوق المتقاضين، المعيار الاساسي لدولة القانون. ويعتبر هذا الحق من الحقوق الطبيعية “حق أصيل” يحتل مكان الصدارة بين الحقوق الفردية العامة، ولم يتقرر لمصلحة الفرد فحسب بل لمصلحة المجتمع في تحقيق العدالة ايضاً.

وبالتالي يُعتبر حق الدفاع من الحقوق المقدسة للمتهم ولا يجوز انتهاكه من قبل السلطة المختصة او من قبل المحكمة، كما ولا يجوز التنازل عن هذا الحق من قبل المتهم نفسه. ويحق للمتهم الدفاع بنفسه او توكيل محام او اكثر. ونص الدستور السوري على هذا المبدأ ([11])، وكذلك تم النص عليه في المادة / 11/ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان([12]) والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . اذ يحق لكل متهم أن يستعين بوكيل أو محامٍ للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة، وللمتهم أو وكيله، ومحاميه أن يحضر إجراءات التحقيق. ولا يعزل المتهم عن وكيله أو محاميه أثناء التحقيق([13])

والحقيقة ان ما درجت عليه محاكم الميدان العسكرية من عدم السماح للموقوف بتوكيل محام وعدم السماح للمحامي بالحضور، فهي بدعة من المحكمة ذاتها المكونة من بعض العسكر الذين لا يجيدون سوى كلمة نعم لرؤسائهم من الجيش والامن،. وعلى الاغلب السبب في ذلك هو عدم اطلاع المحامين ورجال القانون على ما يجري داخل تلك المحاكم، ومنعهم  من اخذ صور فوتوغرافية او معلومات عن القضايا المنظورة امامها. وذكرت منظمة العفو الدولية في تقريرها المنشور بعنوان المسلخ البشري “اشارة لسجن صيدنايا”: ان مسؤولاً سابقاً في سجن صيدنايا أكَّدَ أن المحاكمة أمام محكمة الميدان تستغرق عادة ما بين دقيقة واحدة أودقيقتين، واصفاً المحكمة بأنها كذبة.([14])

ومن القواعد الاساسية الناجمة عن حق الدفاع هو حق المتهم بالطعن في القرار القضائي الذي قضى بادانته، فالطعن هو وسيلة يسمح المشرع من خلالها للمتهم بطلب مراجعة الحكم القضائي الصادر بحقه واعادة النظر فيه، من حيث الوقائع والموضوع وتطبيق القانون، لأن القاضي هو بشر قد يخطئ أو يصيب. وقد ينجم عن خطأ القاضي ازهاق روح انسان او حرمانه من حريته لفترة ما، ربما تصل الى مدى الحياة. لذلك كان لابد من منح المتهم الذي يرى ان المحكمة أخطأت بحقه، الحق في الاعتراض على ذلك القرار امام محكمة أعلى درجة من المحكمة التي اصدرت الحكم. وتم تكريس هذا الحق في الكثير من العهود والمواثيق الدولية ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ([15])1966. كما تم النص عليه في الغالبية العظمى من دساتير العالم ومنها الدستور السوري حيث اكدت المادة /51/ منه بان حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والمراجعة والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون، ولا يجوز تحصين أي عمل او قرار اداري من رقابة القضاء.

وبذلك فان حرمان المتهم من الطعن في حكم محكمة الميدان العسكرية واعتباره مبرماً لا يقبل أي طريق من طرق الطعن او المراجعة ([16])، يعتبر مناقضاً لجميع المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تضمن للمتهم حق الطعن في القرار القضائي، ويعتبر مناقضاً ايضا للدستور السوري نفسه. ووفقاً لقاعدة تدرج القوانين يأتي الدستور في قمة هرم القوانين ولا يجوز مخالفته أو اصدار قوانين او مراسيم او أنظمة تناقض المبادئ المنصوص عليها في الدستور.

مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات:

لعل أهم ما يشوب عمل المحكمة الميدانية وينزع عنها صفة الشرعية هو اسناد مهامها من بابها لمحرابها الى السلطة التنفيذية لا القضائية. فتسمية قضاة المحكمة وإحالة الدعوى اليها تتم من قبل وزير الدفاع، وهو من رجالات السلطة التنفيذية. كما ان اجراءات تحريك الدعوى، وتوجيه الاتهام والنظر فيها، واصدار الحكم وحفظ الدعوى كلها تتم من قبل ضباط يتبعون لوزارة الدفاع (السلطة التنفيذية) ولا يمتلكون أي مؤهلات قانونية. زد على ذلك، فان الحكم الصادر عن هؤلاء يتم التصديق عليه من قبل رئيس الجمهورية او وزير الدفاع، أي من قبل السلطة التنفيذية([17]) ناهيك عن ان وزير الدفاع يملك حق حفظ الدعوى وحجب الحق عن النيابة في تحريك الدعوى، اذا ما ارتأى هو ذلك، دون أن يكون قراره معللاً، لا بل يحق لرئيس الدولة او وزير الدفاع كل بحسب اختصاصه ان يخفف العقوبة أو يستبدل بها عقوبة اخرى أو يلغيها كلها (م 8 من المرسوم 109).

وهنا نتسائل هل بقي “للمحكمة” أي دور يذكر؟.

المذكور آنفاً، يخالف ما نصّ عليه في البند الاول من المبادئ الاساسية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة لعام 1985 بموجب القرارين 40/32 و 40/146.  كما ويخالف المبادئ الدستورية والقانونية المنصوص عليها في الغالبية العظمى من دساتير العالم ومنها الدستور السوري الذي نص على مبدأ فصل السلطات.

مخالفة مبدأ عدم جواز المحاكمة عن ذات الفعل مرتين:

نصت المادة الثامنة من المرسوم 109 بانه “يجوز لرئيس الجمهورية او وزير الدفاع أن يأمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة ميدان عسكرية أخرى. ويجب أن يصدر القرار في هذه الحالة معللاً. فإذا صدر الحكم في المحاكمة الثانية بالبراءة وجب التصديق عليه في جميع الأحوال، وينفذ فوراً “.  وهذا النص يخالف أبسط المبادئ القانونية الدولية والمحلية، فقد نصت المادة 181 من قانون العقوبات السوري بانه” لا يلاحق الفعل الواحد الا مرة واحدة”. كما ان الفقرة 7 من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 نصت بانه “لا يجوز تعريض أحد مجددا للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي و وفقا للقانون وللإجراءات الجنائية في كل بلد”.

إن منح هذه الصلاحيات اللامشروعة للسلطة التنفيذية لا يمكن تفسيره إلا بأن سورية لم تكن الا شركة تحتكرها بعض القوى التي لا تحترم مبدأ سيادة القانون وسموّه، بل وتمعن في انتهاك القوانين بشكل فاضح دون وازع. ذلك أن مسالة إعادة المحاكمة منصوص عليها في قوانين اصول المحاكمات السورية([18]) وهو طريق غير عادي من طرق الطعن، وله شروط واجراءات ومدد محددة. وطريق الطعن هذا مقرر فقط لأطراف الدعوى، لا لشخص ليس طرفا في الدعوى (رئيس الجمهورية أو وزير الدفاع). ثم ان المادة 8 من المرسوم 109 لم يحدد مدة محددة لطلب اعادة المحاكمة بل أتى النص مطلقاً غير مقيد بأي قيد، وبالتالي، يمكن أن يأتي طلب اعادة المحاكمة بعد يومين من صدور الحكم او بعد عشرين عام، فالمدة مفتوحة، لأن رئيس الجمهورية  ووزير الدفاع هما خارج الزمن وفوق كل دستور او قانون. ويبدو ان الدستور السوري عندما أكد على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، لم يكن يقصد المذكورَين آنفاً.

ثمة سؤال يطرح نفسه: أليس من المنطق، إن كان هناك مبرر لاعادة المحاكمة، أن تتم الاعادة امام ذات المحكمة التي اصدرت الحكم، لا أمام محكمة اخرى؟. وهذا ماتم النص عليه في قانون اصول المحاكمات السوري([19]) والمنطق يقول: ذلك ايضا لان المحكمة التي اصدرت الحكم هي الأكثر قدرةً على تقدير الادلة والوقائع الجديدة التي يمكن أن تقودها إلى إعادة المحاكمة. ولكن كما ذكرنا: إن مرسوم أحداث المحاكم الميدانية العسكرية هو خارج المنطق وبعيد عن مبادئ العدل والانصاف.

خلاصة:

من خلال ما تم سرده اعلاه لا يمكن القول: بان ما تم احداثه بموجب المرسوم 109 يعتبر محكمة بالمعنى القانوني، لا من حيث تشكيلها ولا من حيث الاجراءات المتبعة لديها، سواء في تحريك الدعوى أو المحاكمة أو اصدار الحكم أو الطعن فيه او تنفيذه. وبالتالي فأن الجسم المحدث بموجب المرسوم المذكور والذي سمي تجاوزاً بالمحكمة، ليس الا جهاز أمني دموي غايته تصفية الخصوم السياسيين للنظام الحاكم، وأداة لتقييد الحريات العامة. وعبر هذا الجهاز أنهى نظام الأسد حياة آلاف السوريين المعارضين له بتهم واهية دون محاكمة عادلة، بعيداً عن أنظار العالم. وبالتالي تعتبر القرارات الصادرة عنه بحكم المعدومة، كونه لا تتوفر فيه الشروط والمعايير الدنيا للمحاكمة العادلة. ويشكل انتهاكا للحريات الأساسية التي ضمنها الدستور السوري والمصانة بموجب الإتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها سورية. ناهيكم عن أن إحداث المحاكم الاستثنائية محظور بموجب البند الخامس من المبادئ الاساسية لاستقلال السلطة القضائية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1985 التي نصت على انه “لا يجوز إنشاء هيئات قضائية، لا تطبق الإجراءات القانونية المقررة حسب الأصول والخاصة بالتدابير القضائية، لتنتزع الولاية القضائية التي تتمتع بها المحاكم العادية أو الهيئات القضائية”.

وحسب “السورية.نت” التي اعتمدت على شهادة مصدر مضطلع على تفاصيل عمل هذه المحكمة اعتماداً على معلوماته الموثوقة حولها ومعرفته عن قرب بأسرارها، فان رئيس المحكمة الميدانية حتى نهاية العام 2014 العقيد محمد كنجو، وذلك قبل أن تتم ترقيته من النظام لرتبة لواء، وتعيينه كمدير لإدارة القضاء العسكري، كان قد أصدر خلال فترة ترأسه للمحكمة أكثر من 5 آلاف حكم إعدام([20]) وتثبت هذه المحكمة وآلية عملها بما لا يدع مجالاً للشك مسؤولية رأس النظام حافظ الاسد سابقاً وبشار الأسد حالياً عن إعدام السوريين، سيما وأن أي حكم بالإعدام لا يمكن أن ينفذ دون أن يصادق عليه الأسد بنفسه، دون ان يعفي ذلك “القضاة” الذين اصدروا الاحكام غير المشروعة من المسؤولية.

وإن كانت الوفاة تسقط دعوى الحق العام والحق الشخصي عن الاسد الاب فأن مسؤولية الاسد الابن تبقى قائمة. وحسب تقرير للجنة الدولية للصليب الاحمر الدولي وحسب القوانين والاعراف الدولية فان ما يحدث في سورية منذ عام 2012 يعتبر نزاع مسلح غير ذو طابع دولي([21])  وذكرت المادة الثامنة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 بانه تعتبر جريمة حرب “تنفيذ احكام الاعدام دون وجود احكام قضائية صادرة عن محاكم مشكلة تشكيلاً نظامياً تكفل جميع الضمانات القضائية المعترف عموماً بأنه لا غنى عنها”.  وذكرنا اعلاه وبالادلة القانونية ان ما سمي بالمحكمة الميدانية هي ليست محكمة بالمعنى القانوني وتشكيلها ليس نظامياً. وهذا يعطي السوريين الحق بمقاضاة الاسد وشركائه باصدار وتنفيذ الاحكام المذكورة وفق احكام المادة الثامنة من نظام روما.

اما بخصوص الفترة السابقة الممتدة بين عام 2001 (فترة تولي بشار الاسد السلطة) وحتى عام 2012، فهي فترة سلم وفق احكام القانون الدولي([22]) وان كانت هناك فترة من الاضطرابات الداخلية، فإن ذلك لا ينزع السلمية عنها، واحكام الاعدام التي صدرت عن تلك “المحكمة” لا تصنف الا ضمن خانة القتل العمد المنفذ بشكل ممنهج وواسع النطاق. أي انها تعتبر جريمة ضد الانسانية وفقا لنظام روما([23])

أما بالنسبة للأحكام التي تضمنت الحرمان من الحرية فهي عبارة عن اختفاء قسري للمحكومين. وذلك لان المادة السابعة من نظام روما قد عرفت الاختفاء القسري للاشخاص “بانه إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية وعدم اعطاء معلومات عن مصيرهم او اماكن تواجدهم”. وذكرنا بان المعتقل امام المحكمة المذكورة كان مجهول المصير، ومحروماً من رؤية ذويه، ومن توكيل محام للدفاع عنه. ونظراً لان الاحكام المتضمنة الحرمان من الحرية كانت تصادق من قبل وزير الدفاع، فأن الأخير يجب مقاضاته بتهمة ارتكاب جرائم حرب بالنسبة للاحكام التي صادق عليها بعد عام 2012، وما قبل هذا التاريخ يحاكم بتهمة ارتكاب الجرائم ضد الانسانية المنصوص عنها بالمادة السابعة من نظام روما.

إن طريق اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية شبه مسدود بسبب الفيتو الروسي، ولأن الحكومة السورية لم تصادق على نظام روما. لكن ذلك لا يحرم المحكمة من حق النظر في الجرائم التي ارتكبت قبل تاريخ انضمام سورية لنظام روما، في حال اعلنت الحكومة السورية القادمة قبولها باختصاص المحكمة الجنائية الدولية للجرائم التي تقع ضمن صلاحياتها والمرتكبة قبل تاريخ الانضمام (المواد 11و12 من نظام روما). دون ان ننسى بان الجرائم التي تقع ضمن اختصاص هذه المحكمة لا تسقط بالتقادم([24])

وبحسب المنظمة السورية لحقوق الإنسان؛ بلغ عدد المعتقلين المحالين لمحاكم الميدان العسكرية لما يزيد عن سبعين ألف معتقل منذ بداية الثورة السورية و حتى عام 2014.([25])

زد على ذلك بانه يحق للحكومة السورية القادمة ان تطالب بانشاء محكمة جنائية دولية خاصة بسورية بموجب قرار يصدر عن مجلس الامن الدولي على غرار يوغسلافيا السابقة ورواندا. مع العلم أن المحاكم الوطنية هي صاحبة الاختصاص الاصيل في محاكمة كل من اشترك باصدار أو تنفيذ أحكام المحكمة الميدانية العسكرية، وذلك بموجب قانون العقوبات السوري الذي يجرِّم القتل وحجز الحرية بدون مسوغ قانوني([26]) .

                                                      

مراجع البحث:

  1. الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948
  2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966
  3. المبادئ الاساسية لاستقلال السلطة القضائية الصادرة عن الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1985
  4. نظام روما لمحكمة الجنايات الدولية لعام 1998
  5. الدستور السوري لعام 2012.
  6. قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري الصادر بالمرسوم رقم 112 تاريخ 13/3/1950.
  7. قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم رقم 148 تاريخ 22/6/1949.
  8. قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961.
  9. المرسوم رقم 109 لعام 1968 المتضمن احداث محاكم الميدان العسكرية.
  10. المرسوم التشريعي رقم 32 تاريخ 1/7/1980 المتضمن تعديل اختصاص محاكم الميدان العسكرية.
  11. مقال للمحامي ميشيل شماس بعنوان معاناة السوريين في محاكم الميدان العسكرية، منشور بموقع طلعنا ع الحرية بتاريخ 4/8/2016.
  12. مقال للكاتب عاصم الزعبي بعنوان المحكمة الميدانية العسكرية شهادة حية، منشور في موقع جيرون الاعلامي على الرابط http://www.geroun.net/archives/67203
  13. بيان صادر عن المنظمة السورية لحقوق الانسان سواسية بعنوان المذابح القضائية في سورية بتاريخ 28/3/2014.
  14. بحث بعنوان المسلخ البشري صدر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 7/2/2017 بالوثيقة رقم MDE 24/5415/2017 منشور الكترونيا على الرابط التالي https://www.amnesty.org/ar/documents/mde24/5415/2017/ar/
  15. موقع اللجنة السورية لحقوق الانسان http://www.shrc.org/?p=186
  16. تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الاحمر بتاريخ 15/7/2012 بخصوص الحرب في سورية منشور على الرابط التالي : http://www.bbc.com/news/world-middle-east-18849362 .

______________________________________________________________________________

[1] _ موقع اللجنة السورية لحقوق الانسان. http://www.shrc.org/?p=18608

[2] مقال للمحامي ميشيل شماس بعنوان معاناة السوريين في محاكم الميدان العسكرية منشور بموقع مجلة طلعنا ع الحرية على الرابط التالي https://www.freedomraise.net/%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%86%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3/

[3] نصت المادة 67 من قانون السلطة القضائية السوري رقم 98 لعام 1961 ( يمارس مجلس القضاء الاعلى السلطات التالية: أ _ اعطاء القرار بتعيين القضاة وترفيعهم وتاديبهم ……..)

[4] _ نصت المادة 197 من قانون اصول المحاكمات السوري على (ينطق بالحكم علناً بتلاوة منطوقه مع أسبابه).

[5] المواد 10 و11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 والمادة 14 من العهد الدولي الخص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 196666.

[6] صادقت سورية على الاعلان العالمي لحقوق الانسان في 21 نيسان 1969 وبطبيعة الحال فان الاعلان العالمي لحقوق الانسان صدر عن الجمعية العامة للامم المتحدة وسورية دولة عضو في الجمعية العامة للامم المتحدة.

[7] _ مقال للمحامي ميشيل شماس بعنوان (معاناة السوريين في محاكم الميدان العسكرية) مرجع سبق ذكره.

[8] _ المادة 4 من المرسوم 109 لعام 1968 القاضي باحداث محاكم الميدان العسكرية.

[9] _ المواد 57و58و59و60 من قانون السلطة القضائية السوري.

[10] _ الموقع الالكتروني للجنة السورية لحقوق الانسان على الرابط التالي http://www.shrc.org/?p=18608

[11] _ نصت المادة 51 من الدستور السوري على ان (…..3.       حق التقاضي وسلوك سبل الطعن والمراجعة والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون).

[12] نصت المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على (كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه)

[13] انظر المواد 69 و70 من قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري .

[14] بحث بعنوان المسلخ البشري صدر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 7/2/2017 بالوثيقة رقم MDE 24/5415/2017 منشور الكترونيا على الرابط التالي https://www.amnesty.org/ar/documents/mde24/5415/2017/ar/

[15]  نصت الفقرة الخامسة من المادة 14 على انه (….لكل شخص أدين بجريمة حق اللجوء، وفقا للقانون، إلى محكمة أعلى كيما تعيد النظر في قرار إدانته وفى العقاب الذي حكم به عليه).

[16] نصت المادة السادسة من المرسوم 109 على انه (تطبق المحكمة العقوبات المقررة قانوناً ولا تقبل الأحكام التي تصدرها أي طريق من طرق الطعن).

[17] نصت المادة 83 من الدستور السوري على (يُمارس رئيس الجمهورية ومجلـس الـوزراء السلطة التنفيذية نيابة عن الشعب ضمن الحدود المنصوص عليهـا في الدستـور).

[18]  المادة 367 من قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري.

[19] المادة 371 من قانون اصول المحاكمات الجزائية السوري.

[20] مقال للكاتب عاصم الزعبي بعنوان المحكمة الميدانية العسكرية شهادة حية منشور في موقع جيرون الاعلامي على الرابط http://www.geroun.net/archives/67203

[21] تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الاحمر بتاريخ 15/7/2012 بخصوص الحرب في سورية منشور على الرابط التالي : http://www.bbc.com/news/world-middle-east-18849362 .

[22] اتفاقيات جنيف الاربع لعام 1949 والبروتوكولين الاضافيين لعام 1977.

[23] المادة السابعة من نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

[24] نصت المادة 29 من نظام روما على انه (لا تسقط الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة بالتقادم أيا كانت أحكامه).

[25] تقرير صادر عن المنظمة السورية لحقوق الانسان سواسية بتاريخ 28 اذار لعام 2014 بعنوان المذابح القضائية في سورية على الرابط التالي : http://swasia-syria.org/?p=716

[26] المواد 533و 543 و535 و 555 و 556 من قانون العقوبات السوري.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محسن سيدا:حركات الاحتجاج القبلي في عهد ‹التنظيمات› العثمانية (1)

محسن سيدا: كاتب وباحث كُردي   حركات الاحتجاج القبلي في عهد ‹التنظيمات› العثمانية      ...