الرئيسية | دراسات | محسن حسن :مستقبل النفوذ الإيراني خارج الحدود في ظل إدارة ترامب نفوذ إيران في سوريا نموذجاً

محسن حسن :مستقبل النفوذ الإيراني خارج الحدود في ظل إدارة ترامب نفوذ إيران في سوريا نموذجاً

محسن حسن_باحث وكاتب صحفي مصري 

صورة الباحث _ محسن حسن

مقدمة

على مدى سنوات طويلة ، جمعت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، علاقات شائكة ، وسجالات سياسية واستراتيجية عديدة ، حاول كل طرف فيها أن يحقق أهدافه الخاصة والعامة ؛ فحرصت إيران على توظيف كافة الوسائل والأسباب ، لتحقيق طموحها السياسي والدولي ، في أن تصبح قوة نووية[1] رادعة تحتل مكانها بين الكبار . بينما كانت الولايات المتحدة ، عبر إداراتها السياسية المتعاقبة ، حريصة على كبح جماح ذلك الطموح الإيراني ؛ تارة عبر موائد الدبلوماسية والحوار ، وتارة أخرى من خلال العقوبات والحصار الاقتصادي . وبمرور السنوات، بات واضحاً للعيان ، أن ما تملكه إيران في مواجهة المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية ، من وسائل التحايل والمراوغة بخصوص تطوير برنامجها النووي ، قد مكنها فعلياً من ترويض المتربصين بهذا البرنامج ، ومن خداع الجميع ، خاصة إدارة جورج بوش الإبن ، ومن بعدها إدارة باراك أوباما ، لتصبح إيران النووية واحدة من حقائق العصر والأوان ، خاصة بعد أن تكللت مساعيها مؤخراً برفع الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً عليها من المجتمع الدولي ، وهو ما أدى إلى انفتاحها مجدداً على صعد دولية وإقليمية عدة . ثم قيامها بإبرام صفقة ” الاتفاق النووي ” في جنيف بسويسرا مع الولايات المتحدة ضمن مجموعة الدول الخمسة زائد واحد[2] في الرابع عشر من يوليو عام 2015 المنصرم .

ولا يتوقف السجال الأمريكي / الإيراني عند حدود الإشكاليات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني فحسب ، إنما يتعدى ذلك إلى ما يمكن اعتباره الهدف الإيراني الأسمى  من وراء ذلك البرنامج ، ألا وهو رغبة إيران التوسعية في المنطقة والعالم ، ورغبتها الدفينة في تحقيق إمبراطورية فارس المأمولة إيرانياً ، والتي تستهدف زيادة هيمنة المد الشيعي وولاية الفقيه في منطقة الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا ، بل وفي أي منطقة من العالم يمكن للنفوذ الإيراني أن يتسلل إليها. لذا فإن السجال الثنائي بين هذين الطرفين ، لا يلبث إن خفت في منطقة ما ، أن يشتعل ويلتهب ويصل إلى حد الصراع المحموم على الهيمنة في منطقة أخرى ، خاصة وأن الرغبة الإيرانية الحثيثة في مواصلة صراعها المراوغ مع محيطها الإقليمي والدولي من أجل بناء إمبراطوريتها تلك ، يدفعها دوماً إلى التورط في ملفات إقليمية ساخنة وملتهبة في منطقة الشرق الأوسط ؛ كالملف السوري واللبناني والعراقي وملف منطقة الخليج . وهو ليس تورطاً من قبيل التعاطف السياسي العابر والبسيط ، وإنما من قبيل الحراك السياسي والعسكري والاستراتيجي الفاعل . الأمر الذي يدفع بالولايات المتحدة الأمريكية ، إلى تكريس المزيد من الحذر تجاه إيران على كل المستويات والأصعدة .

ومع رحيل الإدارة الأمريكية الماضية والمهادنة مع إيران بزعامة باراك أوباما ، ومجيء الإدارة الجديدة الحالية والمصادمة مع إيران بزعامة ” دونالد ترامب “[3] ، طرأت متغيرات سياسية واستراتيجية جديدة تجاه إيران ، سواء على المستوى الأمريكي المحلي ممثلة في القناعات السياسية الشخصية للرئيس الأمريكي الجديد ، أو على المستوى الدولي العام ممثلاً في تعقيدات مواقف الأطراف الدولية من قضية الحرب على الإرهاب من جهة ، وقضية الحرب السورية من جهة أخرى ، ومدى إسهام الدور الإيراني سلباً وإيجابا في هاتين القضيتين . الأمر الذي يثير  تساؤلاً أساسياً هو : ما مستقبل النفوذ الإيراني الذي تمارسه طهران خارج الحدود الإيرانية في المنطقة والعالم وخاصة في الميدان السوري المشتعل ؟ ومن ثم ، فإن هذا التقرير يمثل طرحاً منطقياً في إطار البحث عن إجابة شافية لهذا التساؤل الأساسي ، من خلال منهج استقرائي وصفي واستشرافي ، مع التركيز على الملف السوري ، وذلك من خلال محاور ثلاثة هي :

  • ملامح المواجهة الأمريكية / الإيرانية في مناطق النفوذ ؟
  • ملامح النفوذ الإيراني في سوريا السياسة وسوريا الحرب ؟
  • مستقبل الموقف الأمريكي من النفوذ الإيراني في الجبهة السورية ؟

أولاً : ملامح المواجهة الأمريكية / الإيرانية في مناطق النفوذ :

بوصول الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض ، طرأت ملامح جديدة على طبيعة المواجهة الأمريكية لإيران في مناطق النفوذ خارج الحدود ؛ إذ لم تعد تلك المواجهة تعتمد على ” الحراك الناعم ” ، كما كانت الحال في عهد الرئيس السابق أوباما ، وإنما باتت تعتمد على التطبيق العملي لشعار ترامب الأثير ” أمريكا أولاً ” ، وهو الشعار الذي يعني من وجهة نظر ترامب ، دحر أية قوة دولية أو إقليمية تحاول مناطحة الولايات المتحدة في زعامتها العالمية وهيمنتها الاستراتيجية والعسكرية . لذا فلم يحتمل ترامب قيام إيران مؤخراً بتجربة أحد صواريخها الباليستية ، معلنأ أنها ” تلعب بالنار ” على حد قوله ، ومؤكداً أن كل خيارات الرد الأمريكي على تصرفاتها مطروحة ومحتملة ، بما فيها إلغاء الاتفاق النووي إلى جانب الخيار العسكري . بل إن الإدارة الأمريكية اتهمت إيران صراحة بدعم الإرهاب ؛ حيث وصف ” جيمس ماتيس ” وزير دفاعها ، إيران ، بأنها أكبر الدول الراعية للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط والعالم . وهو الأمر الذي ترتب عليه مجملاً ، توتر العلاقات بين الطرفين ، وظهور ردود فعل عنيفة ومتبادلة ؛ حيث قامت الإدارة الأمريكية من جانبها بتصنيف كيانات وشخصيات إيرانية تجاوزت العشرين شخصية وكياناً ، بوصفها داعمة للإرهاب . وأرسلت أمريكا المدمرة ” كول ” إلى المياه الإقليمية اليمنية في مضيق باب المندب ، لتحجيم الدعم الإيراني المقدم للحوثيين في حربهم مع المملكة العربية السعودية . بل حرصت البحرية الأمريكية على إجراء مناورات بحرية مشتركة في تلك المياه الإقليمية مع كل من القوات البحرية البريطانية والفرنسية والاسترالية .  هذا بينما ردت إيران عملياً من خلال الحرس الثوري الإيراني بإجراء مناورات برية وجوية في الشمال الإيراني تحت شعار ” المدافعون عن سماء الولاية ” ، تم خلالها استعراض الأسلحة المتطورة المملوكة لدى الإيرانيين . في حين عزز قائد الحرس الثوري الإيراني هذه الإجراءات والردود بتصريحات نارية ، أعرب خلالها عن جاهزية إيران للرد على أي اعتداءات . بينما ألمحت أطراف إيرانية عدة من طرف خفي ، بأن القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ، ستكون أول الأهداف المشروعة للصواريخ الإيرانية إذا حدث اعتداء أمريكي على إيران . ويبدو فعلياً أن إيران في عهد ترامب أصبحت أقوى مما كانت عليه في عهد أوباما ؛ فرغم نجاح الاتفاق النووي نسبياً في ” الحد من تطلعات إيران النووية، إلا أن طهران طورت من قدراتها الصاروخية، ولديها اليوم قدرة على ضرب قواعد أمريكا في الدول الحليفة “[4]

وانطلاقاً من تلك البوادر الخلافية المتواترة بين الإدارة الأمريكية والجمهورية الإيرانية ، يمكننا رصد ملامح المواجهة بين الطرفين على النحو التالي :

  • الساحة العراقية : تعد الساحة العراقية من أعقد ساحات المواجهة الأمريكية الإيرانية في الوقت الحالي وفي قادم الأيام ، نظراً لما تمثله هذه الساحة من حيث تنازع النفوذ والهيمنة ، بالإضافة لما تمثله إيران في العراق من خصم عنيد ومسيطر على القرار السياسي . عبر تقديم الدعم المعلن والخفي لكافة الميليشيات والطوائف الشيعية المتغلغلة في النسيج الاجتماعي العراقي وفي المؤسسات العراقية كذلك ، وهو ما يمثل في مجمله عبئاً ثقيلاً على الإدارة الأمريكية منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدام حسين وحتى الآن ، خاصة مع تداعيات ” داعش ” في الميدان العراقي . لذا فإن الإدارة الأمريكية الجديدة بزعامة ترامب ترى في النفوذ الإيراني بالساحة العراقية خطراً داهماً يجب التخلص منه في أسرع وقت ممكن ، إما بتقليم أظافر إيران الخفية في العراق ضمن خطة ممنهجة لقطع دابر الأذرع الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، أو بممارسة ضغوط صريحة وحاسمة على الحكومة العراقية لوقف التعاطي مع النفوذ الإيراني في البلاد . وهو ما يتم الآن على قدم وساق ؛ إذ لوحت الإدارة الأمريكية للحكومة العراقية بضرورة تحالف العراق مع الولايات المتحدة في مواجهاتها السياسية والميدانية مع إيران تجنباً للدخول في صراع إقليمي قد يكلف العراق مواجهة عقوبات اقتصادية مشابهة لما يمكن أن تواجهه إيران في المرحلة القريبة القادمة ؛ لذا فمن المتوقع أن تنحاز الإدارة العراقية بقيادة رئيس الوزراء العراقي ” حيدر العبادي ” ــ المعروف بسياسته الوازنة ـ إلى تبني التعاطي الإيجابي مع الولايات المتحدة الأمريكية في توجهاتها الجديدة بشأن إيران في العراق والمنطقة ككل، خاصة وأن ” هناك توجس عراقي من التوتر الأمريكي الإيراني بعدما صرح ترامب بأن إيران ابتلعت العراق ” [5]
  • الساحة الخليجية : وهي ليست بأقل اشتعالاً من الساحة العراقية فيما يتعلق بصراع النفوذ والهيمنة بين الولايات المتحدة وإيران ، خاصة مع ما تدركه الولايات المتحدة من أهمية استراتيجية للتحالف الخليجي ضد طهران . بالإضافة لما تمثله منطقة الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بالنسبة لأمريكا كأحد مصادر الشراكات الاقتصادية الدائمة . وإلى جوار ذلك تبقى القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ، واحدة من ركائز العلاقات المتبادلة مع دول المنطقة ، والتي تضمن للولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها في الخليج والشرق الأوسط ككل . ومؤخراً ذابت ملامح الجفاء بين الولايات المتحدة والسعودية ، والتي سادت المراحل الأخيرة في حكم باراك أوباما ، ليستعيد التحالف الأمريكي السعودي في منطقة الخليج حضوره مجدداً ، عبر زيارة مثمرة للرئيس ترامب حركت المياه الراكدة في ملف التعاون الخليجي الأمريكي من أجل تقليص النفوذ الإيراني ومنع تمدده . الأمر الذي يمهد حالياً لمشاركة أمريكية أكثر فاعلية في الحرب الدائرة بين المملكة العربية السعودية والحوثيين المدعومين من إيران فوق الأراضي اليمنية[6]
  • الساحتان اللبنانية والفلسطينية : وهما ساحتان تمثلان ركيزة أساسية لإيران للولوج إلى نفوذ أكبر في منطقة الشرق الأوسط ، وهو ما تدركه الولايات المتحدة جيداً ؛ فمن خلال حزب الله اللبناني تسعى طهران إلى تدشين مشروع توسعي ذي نفس سياسي طويل يضمن تمدد نفوذها في بعض البلدان والعواصم كالعراق وسوريا وأفغانستان وفلسطين واليمن وغيرها . ويعد لبنان هو البوابة الكبرى لمشروع التوسع الإيراني ، خاصة وأن حزب الله اللبناني الموالي لإيران والمنتصر دوما لولاية الفقيه ، والذي طالما استطاع أن يعطل الحياة السياسية اللبنانية بما في ذلك معظم المؤسسات الدستورية المعنية باختيار رئيس لبناني حتى وقت قريب ، أصبح هو الأداة الاستراتيجية والعسكرية ـ عبر ميليشياته ـ التي تمولها إيران وتستدعيها دوماً لتنفيذ خروقاتها التوسعية المدروسة بدقة في الشرق الأوسط . ولعل قيام إيران باستدعاء تلك الميليشيات للعمل على تثبيت أركان النظام السوري بزعامة بشار الأسد ، وكذلك إفشال الثورة السورية ، لهو خير دليل على ذلك . وحالياً تتعامل إدارة ترامب الجديدة مع حزب الله باعتباره منظمة إرهابية مأجورة من قبل النظام الإيراني ؛ لذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على تعزيز مواجهتها لإيران في لبنان ، من خلال العمل الحثيث على إنهاء النفوذ الإيراني في سوريا ، ومن ثم تطويق حزب الله وطرد ميليشياته منها استعداداً لمحاسبة الحزب على مجازره في حق الشعب السوري وتسخيره المدن اللبنانية لتدشين ترسانته المسلحة بالمخالفة للقانون الدولي . وعلى الساحة الفلسطينية تعمل إيران على توظيف القضية الفلسطينية في إحداث توازنات وضغوطات خاصة في علاقاتها الخارجية. كما أنها تستفيد من وراء تبنيها الدفاع عن هذه القضية في تحقيق أكبر قدر من التعاطف بين الجماهير العربية ، وهو ما يمنحها فرصاً واعدة لاختراق تلك الجماهير . ويأتي من قبيل هذا الأمر قيام إيران بنوال السبق في طرد السفارة الإسرائيلية من طهران وإحلال منظمة التحرير الفلسطينية مكانها . أما الولايات المتحدة فهي تدخل على خط المواجهة مع إيران على الساحة الفلسطينية ، من خلال توظيف التوازنات الإيرانية لتأمين إسرائيل وتطويق الحركات المقاومة في فلسطين وعلى رأسها حركة حماس .

ثانياً  : ملامح النفوذ الإيراني في سوريا السياسة وسوريا الحرب  :

لا شك أن إيران تتمتع بنفوذ كبير في سوريا ، وهو نفوذ ليس بالجديد ؛ فأياديها في سوريا قديمة قدم نواياها التوسعية وأيديولوجيتها الدينية والسياسية ، إلا أن هذا النفوذ ازدادت حدته السياسية والعسكرية بظهور الثورة السورية ، وتنامي الخوف الإيراني من احتمالات إقصاء الأنظمة الموالية لها وعلى رأسها النظام السوري بقيادة بشار الأسد ؛ لذا بذلت إيران ما بوسعها للحيلولة دون سقوط هذا النظام فتبنت مشاريع الثورة المضادة في سوريا ، و عرقلت كل الجهود العربية الرامية إلى نزع فتيل الأزمة السورية ، في حين قامت باستدعاء أذرعها السياسية والاستخباراتية والميليشيات الموالية لها إلى الساحة السورية وعلى رأسها حزب الله اللبناني ومعه ميليشياتها المسلحة القادمة من أفغانستان والعراق وباكستان . ومؤخراً كان لطهران الدور الأكبر في إقناع بشار الأسد بضرورة تهيئة الأجواء السورية أمام وصول الدب الروسي إلى المنطقة مجدداً ليلعب دوره في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا النظام الموشك على التداعي والسقوط .

ويعد النفوذ الإيراني في الساحة السورية مختلفاً ومعقداً من حيث ملامحه السياسية والعسكرية ؛ إذ أنه نفوذ تحركه قوى الداخل السوري ، ولا يحتاج إلى تحركات إيرانية مباشرة ؛ فالنظام السياسي الحاكم في سوريا يوالي إيران ويتحرك وفق مقتضيات التوجيه القادم من طهران . في حين أن القوى العسكرية المضادة للثورة السورية والمتحركة في ميادين القتال وخوض المعارك ، هي بالأساس قوى داخلية وطنية من نسيج الشعب السوري ، لكنها قوى طائفية تدين بالولاء لإيران وللمذهب الشيعي . ومن ثم فإن الاستراتيجية السياسية والعسكرية لإيران في سوريا ، ترتكز إلى مخططات وكيانات طائفية نابعة من الداخل السوري ، وهو ما يمكن اعتباره إشكالية كبيرة أمام التعاطي الدولي والأممي مع الأزمة السورية .

وتنطلق قناعة إيران بحتمية التواجد على المسرح السوري سلماً وحرباً ، من  عدة وجوه تصب جميعها في خدمة الإمبراطورية الفارسية الشيعية على المديين القريب والبعيد ؛

  • أول هذه الوجوه هو ما يمثله حماية نظام بشار الأسد من ضمانة استراتيجية وعسكرية لحزب الله اللبناني ؛ فلطالما لعبت سوريا الأسد دوراً كبيراً في إمداد حزب الله بأسلحة نوعية لم يكن له أن يمتلكها إلا عبر البوابة السورية .
  • وثاني هذه الوجوه هو ما تمثله سوريا من ركيزة إيرانية فيما يعرف بـ ” الهلال الشيعي ” وهو مخطط يستهدف تحقيق نفوذ إيراني يمتد من الحدود الأفغانية إلى البحر المتوسط مروراً بالعراق ولبنان .
  • وثالث هذه الوجوه يتمثل فيما تجنيه طهران من التواجد على المسرح السوري من تهديد للمصالح الأمريكية والإسرائيلية والسنّية ، يتيح لها الإمساك بأوراق لعب استراتيجية وسياسية تستخدمها وقت اللزوم .

وخلاصة القول إن إيران ” تنظر إلى الحرب الأهلية في سوريا ودعمها لنظام الأسد على أساس أنه حرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومعهما الدول الغربية الطامحة لزيادة نفوذها في الشرق الأوسط “[7]

ويمكن التأكيد على أن إيران أعدت العدة للمضي قدماً في ترسيخ تواجدها السياسي والعسكري في الساحة السورية ، يفسر ذلك حجم إنفاقها المالي واللوجستي لنظام الأسد وللميليشيات الإيرانية المحاربة بين صفوف الجيش النظامي السوري ، وكذلك للمتدربين العسكريين السوريين في المؤسسات العسكرية الإيرانية ؛ فعلى مدار الخمس سنوات الماضية ” أنفقت إيران أكثر من 100 مليار دولار  في الحرب السورية ، أغلبها كان من الميزانية السرية للمرشد الأعلي لإيران علي خامنئي ، بالإضافة لإرسال ما يقرب من 70 ألف جندي من الحرس الثوري إلى ميادين الحرب السورية “[8]  ومن جهة مقاربة ، فإنه لا يمكن تصور انعدام حصول إيران على مصالح اقتصادية ضمنية وثمينة جراء إسهامها الفاعل في حماية النظام السوري ؛ إذ شهدت السنوات الخمس الماضية قيام نظام الأسد بعقد اتفاقيات تجارية مع إيران ، وإسناد مهام إدارية واقتصادية عديدة لها في الداخل السوري . بالإضافة لسماحه بتملك إيران للعديد من الشركات والمؤسسات السورية .

ولكن يبدو أن انشغال إيران مؤخراً بإعادة صياغة سياساتها الخارجية وفق التوازنات الدولية الجديدة التي صاحبها صعود الجمهوريين المعادين لها ، قد شوّش على العقلية السياسية والاستراتيجية الإيرانية نوعاً ما ، حين لم تفكر طهران  في العواقب الوخيمة التي يمكن أن تلحق بالنفوذ الإيراني في سوريا والمنطقة ، جراء قيامها بتهيئة الأجواء للتدخلات الروسية في الأزمة السورية ؛ إذ أن الساحة السورية حالياً باتت تشهد تمدداً روسياً كبيراً على حساب الحضور الإيراني في مناطق الصراع والشد والجذب ، إلى الدرجة التي يتوقع معها في قادم الأيام القريبة ، إمكانية قيام الدب الروسي بالاستحواذ على مناطق النفوذ الإيراني في سوريا ، وطرد ميليشياته منها ، في إطار ما يمكن تسميته بـ ” مقايضة سياسية ” بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا ، يتم بموجبها انفتاح أمريكي جديد على روسيا مقابل التعاون في إخراج إيران وكافة ميليشياتها من المشهد السوري ، ثم العمل على حل ديمقراطي يحل الأزمة السورية .

ويبدو جلياً أن التخوف الإيراني الكبير من إمكانية قيام الولايات المتحدة الأمريكية بإقصائها من المشهد السوري ، دفعهاً دفعاً إلى طلب المساعدة من عدو عدوها ( روسيا ) ، بل وإلى تقديم تنازلات كبيرة له مقابل الحفاظ على النظام السوري ، وبالتالي الحفاظ على مصالحها في سوريا وفي غيرها ، وهو ما رحبت به روسيا وفق مقتضيات المصلحة المتبادلة ؛ فلأول مرة منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وبالمخالفة للبنود الدستورية في إيران ، وبتزكية صريحة من الرئيس الإيراني حسن روحاني والمرشد الأعلى لإيران علي خامنئي ، تم السماح لسلاح الجو الروسي باستخدام قاعدة ” نوجيه ” الواقعة في همدان ، لتنفيذ طلعات جوية هجومية فوق الأراضي السورية ، وهو ما يعد مكسباً استراتيجياً غير مسبوق لروسيا في منطقة الشرق الأوسط . ومن جهة أخرى ، فإن روسياً أجادت توظيف الانفتاح الإيراني عليها ، فقامت بتعزيز مشاركاتها الفعلية في الأزمة السورية ، ما أظهرها أمام غريمها التقليدي ( الولايات المتحدة الأمريكية ) بمظهر الند العسكري والاستراتيجي .ليس هذا فحسب ، وإنما قامت روسيا بعقد صفقات بيع مع إيران لأسلحتها ومنظومة صواريخها المتطورة . الأمر الذي أدى مجملاً إلى تغلغل الدب الروسي مجدداً ، ليس في جيوسياسية المشهد السوري فحسب ، وإنما في جيوسياسية المنطقة العربية ككل .

ولم يكن البعد الديني بعيداً أبداً عن وجه إيران السياسي والعسكري في سوريا ؛ فمن المعروف عن إيران أنها ترتكز مجملاً على العامل الديني في كافة سياساتها الخارجية ، وهي في الشرق الأوسط تحديداً تعول كثيراً في نزعتها القومية والإمبراطورية على توظيف الانقسام الديني ( سنة / شيعة ) لصالحها . كما أن حرصها على حرمان خصومها السياسيين في المنطقة من إمكانية منازعتها على الاستحواذ السياسي والعسكري في سوريا ، نابع في الأساس من توجه ديني ، مفاده أنها تتحاشى ضياع الحليف السوري ، ووقوعه في يد التحالف الإسلامي الخليجي المناويء لها بقيادة تركيا والمملكة العربية السعودية ، ومن ثم التأثير على نفوذها في سوريا وفي مناطق أخرى مشابهة كالعراق مثلاً . لذا فإن إيران تنظر بعين الريبة والحذر حالياً إلى دعم الولايات المتحدة الأمريكية للمملكة العربية السعودية ، في تفعيل تقاربها مع العراق ، باعتبار أن مثل هذا التقارب سيكون من شأنه تطويق إيران خليجياً وإقليمياً ، خاصة مع السعي الحثيث الذي تقوم به إدارة ترامب حالياً من تهيئة الأجواء لظهور تحالف عربي أمريكي إسرائيلي جديد ضد إيران ” سيضم بلدانا بينها السعودية والإمارات ومصر والأردن، على أن تلتحق به دول عربية أخرى في وقت لاحق من تشكيله ، وفق ما يتردد في كواليس الإدارة الأمريكية الجديدة ، من أن هذا التحالف أقرب إلى تسميته بـ ” ناتو عربي ” لاستلهامه بنود قريبة من بنود حلف الناتو الأوروبي “[9]

ثانياً  : مستقبل الموقف الأمريكي من النفوذ الإيراني في الجبهة السورية   :

ليس من شك في أن القناعات السياسية والاستراتيجية لدى الإدارة الأمريكية الجديدة ، تتجه اتجاها صارماً نحو إقصاء إيران من المشهد السوري إقصاءاً كاملاً . وهو ما سيترتب عليه حضور أمريكي مختلف شكلا ومعنى عن حضور الاستحياء الذي كان يميز إدارة باراك أوباما السابقة . الأمر الذي سيكون له ردة فعل شاملة من جانب الجمهورية الإيرانية وحلفائها وأذرعها المنتشرة هنا وهناك ، خاصة وأن ملامح الإقصاء الأمريكي لإيران من سوريا ، لن يكون إلا خطوة البداية في اتجاه تطويق إيران مجدداً على كل الأصعدة ، خاصة في لبنان والعراق واليمن ، وعودتها إلى سابق عزلتها القديمة سياسياً واقتصادياً ومذهبياً .

وفي خضم المواجهة المتوقعة على الساحة السورية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، وبعيداً عن الحرب المباشرة التي يستبعدها حالياً هذا التقرير ، هناك جملة من الآليات والآليات المضادة التي يمكن رصدها في مشهد هذه المواجهة بين الطرفين ، وذلك على النحو التالي :

أولاً : آليات أمريكية لإقصاء إيران :

من جانبها ستتخذ الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من الآليات التي تتوافق وتوجهاتها السياسية الجديدة ، بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية ومصالح نفوذها لدى حلفائها في المنطقة ، وذلك على النحو التالي :

  • توظيف أي تورط سوري في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين السوريين ، في تنفيذ ضربات أمريكية ضد النظام السوري ومعه أذرع النظام الإيراني في سوريا ، كاستراتيجية عسكرية وجوية محدودة النطاق ، يكون من شأنها تحقيق عنصر الردع العسكري ضد التحالف الإيراني السوري . ويعد الهجوم الأمريكي على مطار ” الشعيرات “[10] السوري أفضل مثال على هذه الآلية .
  • تجاوز القيود الجماعية المكبلة للقرارات العسكرية الأمريكية ؛ بمعنى أن إدارة الرئيس ترامب سوف يكون لديها جرأة القفز على مشاورة الأطراف الدولية في شرعنة ضرباتها العسكرية الخاطفة ضد كل من نظام بشار الأسد، وأذرع النظام الإيراني في سوريا واليمن وفي مناطق النفوذ المتصارع عليها الأخرى . وكذلك ضد المصالح الروسية المتعارضة مع المصالح الأمريكية على الساحة السورية وغيرها . ويمكن في ضوء هذا الإطار أن نتصور قيام الإدارة الأمريكية بتجاوز مشاورة الكونجرس الأمريكي داخلياً ، ومعه تجاوز الإجماع الأمني للدول الأعضاء في مجلس الأمن . الأمر الذي يعني تنامي الفردية الأمريكية في اتخاذ القرار العسكري والقرار السياسي معا . وتراجع الحاجة لمشاورة الحلفاء وفق آلية القوانين الدولية .
  • توسيع دائرة الضغوط الأمريكية على التواجد الإيراني في مناطق النفوذ ، في كل من لبنان والعراق ومنطقة الخليج ؛ كآلية حثيثة لتشتيت الذهنية الإيرانية في التعامل مع الأحداث ميدانياً فوق الأراضي السورية . وسوف يكون للتنسيق الأمريكي / الروسي ـ وفق منطق المصلحة المتبادلة بين الطرفين ـــــــــــــ دور كبير في تقليص النفوذ الإيراني في سوريا الحرب وسوريا السياسة ، خاصة مع ما تملكه روسيا من حضور متزايد في المشهد السوري على حساب الحضور الإيراني . وهو ما يعطيها القدرة على التعاطي الإيجابي مع الإدارة الأمريكية ، رغم حالة التناقض التي تغلف المواقف الأمريكية الروسية من الأزمة السورية . ورغم هشاشة التنسيق الحالي بين الجانبين في سوريا ؛ حيث يكفي التأكيد هنا على أن الضربات الروسية والأمريكية فوق الأراضي السورية تتم بالتنسيق بين البنتاجون والقوات الروسية لتلافي قيام أي طرف بالإضرار بالطرف الآخر عسكريا خلال تلك الضربات .
  • ضرب الشراكة الاستراتيجية القديمة / الجديدة بين النظام السوري الحالي بقيادة بشار الأسد ، والنظام الإيراني ؛ حيث ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية خلال إدارة الرئيس ترامب على تفتيت وتفكيك التحالف الاستراتيجي بين طهران ودمشق ، عبر تهيئة المسرح السوري لقيادة سياسية جديدة تحتل مكانها على أنقاض عرش الأسد المتهالك ، على أن تكون هذه القيادة بعيدة كل البعد عن موالاة الإمبراطورية الشيعية ونظام الملالي في إيران . مع استدعاء أدوار قريبة أخرى إلى المسرح السوري ومنها الدور التركي ، باعتباره يحتل منطقة وسطى في القدرة على التعاطي بين نظام الأسد والثوار الراغبين في تنحيته . الأمر الذي يمكن إجمالاً أن يمثل تصدعاً كبيراً في العلاقات الإيرانية السورية ، بل وفي الطموح الإيراني التوسعي ذاته ؛ إذ أن النجاح الأمريكي في إقصاء الأسد عن منصة الحكم في سوريا ، سوف يتبعه هزة عنيفة في سياسة إيران الإقليمية ، ستضطر معها إيران حتماً إلى الانكفاء والتقوقع على نفسها لإعادة ترتيب أوراق تعاملها مع اللعبة السياسية وصراع النفوذ إقليمياً ودوليا ، في وقت سيكون التغيير الجذري قد طال مسرح العمليات السياسي والاستراتيجي في سوريا وفي لبنان والعراق واليمن ، بل وفي إيران نفسها ، الأمر الذي قد ينتج آثاراً كارثية على الطموح التوسعي الإيراني بما في ذلك أذرع إيران الثورية كحزب الله اللبناني والحرس الثوري متعدد الفيالق والشعاب .
  • تخلي الولايات المتحدة عن عقلانيتها السياسية والاستراتيجية ـ كحل أخير ــ ، واعتمادها منطق رد الفعل القوي والصارم تجاه إيران والأسد ، كنتيجة طبيعية لشعور الإدارة الأمريكية الحالية بتقصير الإدارة السابقة بزعامة أوباما في الملف السوري والملف النووي الإيراني . وكذلك حال وجدت أمريكا ( ترامب ) نفسها تجر أذيال الخيبة والحرج الدولي جراء خروجها منهزمة من سوريا مثلاً ، في مقابل نجاح الروس وإيران . ووفق هذا المنطق ، فإن الإدارة الأمريكية في ظل رئاسة ترامب المندفع بجنون نحو الصدام ، والذي يعاني ضبابية استراتيجية وعسكرية في المنطقة والعالم عموماً ، وفي سوريا على وجه الخصوص ، يمكنها الحسم العنيف في سوريا عبر التورط في حرب مباشرة في سوريا ، قد يكون من نتائجها اغتيال بشار الأسد ورسم خريطة جديدة للواقع السوري والواقع الإيراني والأمريكي والإسرائيلي كذلك ؛ إذ ستتورط ساعتها المنطقة في حرب شاملة على جبهات عدة . وهو ما لا يمكن توقع التفاصيل الدقيقة المصاحبة له على المستوى السياسي والأمني .

ثانياً : آليات إيرانية لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية :

مما لا شك فيه أن إيران بدورها ستكون حاضرة في منطقة رد الفعل على أي دور أمريكي يستهدف تواجدها وحضورها الفاعل في الساحة السورية . وسوف يكون الرد الإيراني شاملاً على أصعدة عدة منها الدولي والإقليمي والمحلي ، وهو ما يمكن رصده على النحو التالي :

  • دولياً ستقوم إيران بتحقيق انفتاح أكثر جدوى واستثماراً للمصالح مع الجانب الروسي رغم الانتقاد الشديد الذي تلقاه في الداخل الإيراني ؛ بمعنى أن إيران ستستميت في موقفها الداعم للحليف الروسي كي يبقى حاضراً بقوة في المشهد السوري ؛ باعتبار أن بقاء الروس حاضرين هناك يحقق لإيران أهدافاً عديدة ؛ أولها استمرار تعزيز الإمداد اللوجيستي  الإيراني لحزب الله عبر الحضور الإيراني في منطقة الساحل الغربي السوري وحتى الحدود الشرقية اللبنانية مع تنامي احتمالية قيام إيران باستغلال حضورها في مثل هذه المناطق الساحلية لبناء قواعد بحرية تخدم تحركات الأسطول الإيراني . وثاني هذه الأهداف يتمثل في اتخاذ إيران حليفها الروسي جداراً للحماية والمواجهة مع الغريم الأمريكي ، بالإضافة لأن تواجد الروس في الميدان السوري يضاعف من صعوبة التعامل الأمريكي مع الأزمة السورية ، ويحرمه من الانفراد بالتعاطي الميداني على الأرض السورية . في حين أن ثالث الأهداف يتمثل في تمكين إيران من عقد صفقات اقتصادية وتجارية مع الحليف الروسي تتيح تبادل المنفعة وتغري الروس بجدوى دعمهم للموقف الإيراني في سوريا وللملف النووي الإيراني دوليا.
  • وانطلاقاً من الساحة السورية ، ستحاول إيران عبر الحشود والميليشيات والتحالفات الجزئية السرية مع جماعات العنف المسلح وغيرها ، استغلال خبراتها العسكرية والاستراتيجية في هذه الساحة ، وفي الساحات الحدودية القريبة والمجاورة كالساحة العراقية ، لإقصاء الأمريكيين من المشهد أو عدم إعطائهم الفرصة لتحقيق أية نجاحات سياسية وعسكرية ميدانية ، خاصة وأن السيطرة الميدانية الحالية في شرق المتوسط ، تعد في جانب الإيرانيين وحلفائهم الروس أكثر منها في جانب الولايات المتحدة الأمريكية ، نظراً لتردد الإدارة الأمريكية وعدم ثقتها بحتمية انتصارها حال المضي قدماً في حرب مباشرة في سوريا .
  • ومن الجهة الإقليمية ، فإن التوتر الحادث على الجبهة السورية ، وعدم وضوح ما ستؤول إليه الأوضاع في الأفق القريب ، ومعه ازدياد الضغوط الأمريكية لتطويق إيران إقليمياً ، يدفع إيران باتجاه تعزيز أذرعها السرية والمعلنة ، خاصة في مناطق الجوار السوري ومنها حزب الله في لبنان ، وذلك من قبيل الاستباق الاستراتيجي والعسكري واللوجيستي ، تحسباً لأسوأ السيناريوهات المتوقعة في سوريا ، وهي خروج الأسد من المشهد ؛ حيث سيكون من الصعب على إيران توفير ذلك الدعم المعتاد لحزب الله بعد سقوط النظام السوري الحالي . كما أن احتمالات تعرض الأذرع الإيرانية ومنها حزب الله لضغوط تستهدف تفكيكها والقضاء عليها ، سيكون أمراً وارداً في مثل تلك الظروف ؛ لذا ستسعى إيران في الفترة القادمة لتعزيز تلك الأذرع عسكرياً وبشرياً ، وهو ما يفسر صفقات السلاح الكبيرة مع النظام الروسي خلال الفترة القليلة الماضية .
  • دعم النموذج العراقي في سوريا : وهو من الآليات القوية المحتملة التي تدخرها إيران حال سقوط نظام الأسد ؛ إذ ستعمد إيران إلى إفساد أي نجاح أمريكي في سوريا ، سواء بتغيير النظام الحالي ، أو بإقصاء الأذرع الإيرانية من المشهد السوري الحالي . وذلك عبر آلية استدعاء فوضى المشهد العراقي فيما بعد سقوط بغداد وصدام حسين ، وهي آلية تجيد إيران استخدامها جيداً حتى الآن في العراق ، ومن السهل عليها استنساخها في سوريا حال سقوط بشار الأسد . خاصة وأن البعد الطائفي الذي ترتكز عليه إيران في تنفيذ هذه الآلية ، ليس بعيداً عن نسيج المجتمع السوري ذي الأغلبية السنية ؛ نظراً لقدرة إيران الشيعية على صناعة بؤر طائفية ذات بعد حركي وسياسي . وتعد مثل هذه الآلية الإيرانية ضامنة من وجهة نظرها لإطالة أمد الوضع السوري المتدهور ، بشكل يسمح لها بمواصلة تفعيل قنواتها الداعمة لذراعها الحزبي في لبنان عبر الممر السوري . ومن ثم مواصلة الضغط على المناوئين الإقليميين والدوليين وحفظ التواجد والحضور كجزء من المشهد الإقليمي والدولي .
  • ومحلياً ، ستسعى إيران خلال المرحلة القريبة القادمة بكل جهدها وعزمها ، إلى تحقيق أكبر استفادة من الاتفاق النووي الإيراني ، في تعزيز قدرتها النووية ولو بطرق ملتوية ؛ إذ تعي إيران جيداً أن برنامجها النووي هو وسيلتها المثلى لتحقيق طموحاتها التوسعية ، ولتحقيق الردع الكافي لكل مناوئيها الدوليين والإقليميين . وتراهن إيران في سعيها هذا على الأجواء المضطربة في المنطقة والعالم ، والتي يصعب معها قيام أعداء إيران بشن حرب مباشرة عليها ، نظراً لمعرفتهم بإمكانياتها العسكرية ، وبقدرتها على الرد المناسب ( ضرب القواعد الأمريكية في منطقة الخليج ) و أيضاً لإدراكهم لخطورة اشتعال حرب في المنطقة على مصير الأوضاع الإقليمية والدولية ، وكذلك على مصير بعض الكيانات المحورية في المخيلة الأمريكية وعلى رأسها إسرائيل .

ثالثاً : الأسد بين روسيا وإيران وأمريكا  :

يعد الرئيس السوري الحالي بشار الأسد ، أحد المحاور المهمة في تكييف المواجهة المزدوجة بين الولايات المتحدة وإيران من جهة ، والولايات المتحدة وروسيا من جهة ثانية . لذا فإن معرفة طبيعة المواقف المتبادلة بينه وبين هذه الأطراف الثلاثة ، من شأنه أن يكشف جزءاً من خلفيات تلك المواجهة المزدوجة ومستقبلها . وهو ما يمكن لهذا التقرير رصده في النقاط التالية :

* الولايات المتحدة وبشار الأسد :

ينطلق موقف الولايات المتحدة من بشار الأسد ، من عدة اعتبارات ومحاور مهمة ؛ أبرزها أن بقاء نظام الأسد في سوريا وبشكله الحالي ، هو انعكاس لبقاء النفوذ الإيراني في هذا البلد وفي المنطقة ككل . وأن نظاماً سياسياً كنظام الأسد ، يتعاطى وفق استراتيجية دائمة الولاء لإيران ، لهو نظام كفيل بعرقلة مصالح الولايات المتحدة في مواجهتها المتأزمة مع الطموح النووي والتوسعي الإيراني على المديين القريب والبعيد . ومن ثم فإن الإطاحة بالأسد وبنظامه من المشهد السوري ، هو في نظر الإدارة الأمريكية بداية الطريق نحو تقليص نفوذ إيران في سوريا ولبنان والعراق ، من جهة ، ومواصلة القضاء على عنفوان وعنجهية داعش في سوريا والعالم من جهة أخرى . وكذلك هو استعادة للسيادة الأمريكية العالمية في مواجهة الطموح الروسي الباحث عن دور جديد في المنطقة والعالم .

ومن جهته ينظر بشار الأسد ، إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها العقبة الكئود التي تعكر عليه صفو سعيه الدؤوب نحو لملمة أشلاء دولته المفككة قبل فوات الأوان ، خاصة في هذه المرحلة بالذات ، والتي تشهد تراجعاً كبيراً وهزيمة لتنظيم داعش في سوريا ؛ حيث تعتبر السيطرة على مدينة الرقة أكبر المدن السورية هي أمل بشار الأخير في حفظ كرسيه المتهالك ، وهو الأمل الذي تهدده قوات سوريا الديمقراطية الموالية لأمريكا حاليا .

* روسيا وبشار الأسد :

أما الموقف الروسي من بشار الأسد ، فإنه ينطلق من عدة محاور أهمها : أن بقاءه في حكم سوريا ، يضمن للروس الحصول على ميناء في البحر الأبيض المتوسط ، كما يمنح روسياً فرصة الحصول على ساحة حرب تقوم خلالها بتجريب بعض أسلحتها الجديدة . بالإضافة لكون التواجد الروسي على الساحة السورية يصدّر صورة إيجابية عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعن روسيا ككل باعتبارها دولة ذات حضور فاعل في المشهد السياسي والعسكري عالمياً . خاصة بعد فوز بوتين بفترة رئاسية جديدة ، ويضاف إلى كل ذلك قناعة الروس بأن غياب الأسد عن المشهد سيكون معناه غياب الدور الروسي وحضور الدور الأمريكي ، وهو ما لا تتمناه روسيا بكل تأكيد .

ومن جهته ينظر الرئيس السوري بشار الأسد إلى الدعم الروسي باعتباره الأكثر فاعلية وزخماً قياساً بنظرته للدعم الإيراني . خاصة في المرحلة الحالية ، والتي تراجعت فيها طهران عن تلبية طلبات الأسد بضرورة الإسراع في جلب مقاتلين جدد إلى الساحة السورية لحسم المعارك القائمة . ولعل قيام الأسد بإصدار قرارات تعمم اللغة الروسية كلغة دبلوماسية رسمية في سوريا بدلاً من الإنجليزية ، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك قناعة الرئيس السوري ، بأن روسيا ” هي القوة الرئيسية التي تعمل على صياغة المستقبل السوري “[11]

* إيران وبشار الأسد :

لاشك أن إيران وبشار الأسد يجمعهما حلف قديم / جديد مشترك ؛ إذ تنظر إيران لبشار الأسد باعتباره الحليف المخلص والضامن لاستمرار دورها التوسعي الفاعل في مناطق النفوذ خارج الحدود . ومن جهته ينظر الأسد إلى إيران باعتبارها الحليف التاريخي لسوريا ، والتي من خلالها يستطيع تثبيت أركان عرشه المهدد بالزوال . لذا يعمل الطرفان وفق إطار الشراكة الثنائية الشاملة التي تعززها قناعات واحدة وأيديولوجيات متقاربة .

خاتمة

في ختام هذا التقرير ، يمكننا القول إن المواجهة الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ، هي مواجهة ممتدة وطويلة ولم تنته فصولها بعد . فلا يزال مسرح هذه المواجهة مفتوحاً على مصراعيه في دول ومناطق مختلفة من العالم ؛ في سوريا ولبنان والعراق ومنطقة الخليج وفي القارة الإفريقية السمراء ، أمام المزيد من صور الأفعال وردود الأفعال على كافة المستويات والأصعدة السياسية والعسكرية والاستخباراتية . غير أنه يجب رصد جملة من الاستنتاجات والملاحظات الختامية على النحو التالي :

  • أن منطلقات الجمهورية الإيرانية في صراعها مع المجتمع الدولي ، ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص ، يرتكز إلى خطط ومناهج ضاربة في الرسوخ والمتانة والثبات من حيث الإعداد والتنفيذ والنفس الطويل . بينما منطلقات الولايات المتحدة الأمريكية ترتكز إلى اعتبارات متغيرة بتغير الإدارات والقيادة ، وأكثرها شيوعاً فقط هي اعتبارات حفظ الهيمنة وتأديب الخصوم
  • أن إيران هي الأقرب لتحقيق أهدافها التوسعية والنووية بصرف النظر عما تلوح به الولايات المتحدة تجاهها من نوايا سيئة في الوقت الراهن ؛ إذ هي نوايا إن تحولت إلى أفعال فلن تتجاوز حد المناوشات والضربات الجزئية غير المؤثرة .
  • أن مصير الأزمة السورية لا يزال غيباً في طي المجهول . وهو مرهون بنجاح التحالف المناويء لطهران ، في الحسم الميداني من عدمه . أو بصفقة ثنائية سرية بين الولايات المتحدة والدب الروسي .
  • أن معطيات الأطراف الفاعلة في الملف السوري حتى الآن ، تؤشر إلى إمكانية التضحية بنظام بشار الأسد وفق منطق المصالح المتبادلة ، لكن على المدى المتوسط والبعيد ، وليس القريب .
  • أن دعم الملف النووي الإيراني والسير فيه بخطى حثيثة ، هو الأولى حالياً لدى طهران من مسألة دعم الأسد أو مصير سوريا .
  • أن مصير سوريا والمنطقة ككل ، وكذلك مصير المواجهات المحمومة بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة ، وإيران وروسيا من جهة أخرى ، أصبح مرهوناً بالوجه الحقيقي أو المزيف لشعار ترامب الأثير ” أمريكا أولاً ” .

لائحة الهوامش والمراجع :

  • يرجع طموح إيران النووي إلى بدايات نشاة البرنامج النووي الإيراني في الخمسينيات والستينيات ( 1968 / 1978 ) ، إبان فترة حكم الرئيس ” رضا شاه بهلوي ” ، والذي قام بإنشاء ” منظمة الطاقة النووية ” رغبة في تعظيم قوة إيران الإقليمية .
  • مجموعة الدول الخمسة زائد واحد هي الولايات المتحدة الأمريكية ، فرنسا ، بريطانيا ، الصين ، روسيا . وهي دول تملك حق النقض ” فيتو ” . ثم إيران باعتبارها الطرف الوحيد المقابل لهذه الدول بالنسبة لبنود هذا الاتفاق .
  • تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي الجديد أبدى موقفاً حاداً وعدائياً تجاه إيران منذ حملته الانتخابية للرئاسة ، وقد تواصلت هذه الحدة إلى الدرجة التي صرح خلالها مهدداً بإمكانية اللجوء إلى الحل العسكري مع إيران . والسعي في اتجاه تمزيق بنود الاتفاق النووي الإيراني وإلغائه .
  • انظر : منال حميد ـ هذه أوراق إيران للمواجهة .. فماذا تملك أمريكا ـ مقال مترجم عن الواشنطن بوست ـ موقع الخليج أونلاين ـ بتاريخ 6/2/2017 ـ تاريخ الدخول إلى هذا الموقع وباقي المواقع التالية 5/4/2018 ـ على الرابط : http://klj.onl/1mq6TP ( بتصرف يسير )
  • انظر : عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب ـ داعش أداة المواجهة بين أمريكا وإيران في العراق ـ دراسة منشورة بموقع المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ بتاريخ 6 فبراير 2017 ـ متاح على الرابط : http://www.europarabct.com ، مع البحث بالعنوان المذكور . ( بتصرف يسير )
  • كانت المشاركة الأمريكية في اليمن مقتصرة فقط على دعم الجهود الخليجية في محاربة جماعات الإرهاب التابعة لتنظيم القاعدة ، ولم تكن تتجاوز حد المشاركة غير المباشرة . وبعد زيارة ترامب للمملكة شهدت هذه المشاركة تحولاً في اتجاه الدعم المباشر بالقوة والسلاح من أجل القضاء على النفوذ الإيراني .
  • انظر : برغيت سفنزون ، عبد الرحمن عمار ـ الدعم الإيراني للأسد : الخلفيات والوسائل ـ تقرير الـ DW الألمانية بتاريخ 21/2/2013 ـ متاح على الرابط http://p.dw.com/p/17h3x ( بتصرف )
  • انظر : لميس الشرقاوي ـ دراسة أوربية : إيران أنفقت أكثر من 100 مليار في الحرب السورية ـ تقرير صحيفة الوفد المصرية ـ الموقع الإلكتروني ـ بتاريخ 11 مارس 2017 ـ متاح على الرابط : https://alwafd.org/article/1473862 https://alwafd.org/article/1473862 ( بتصرف )
  • راجع : صفوان أبو حلا ـ إدارة ترامب تحشد لـ”ناتو” عربي أمريكي ضد إيران ـ  تقرير مترجم عن وول ستريت جورنال ـ موقع RT عربية ـ بتاريخ 16/2/2017 ـ متاح على الرابط : https://ar.rt.com/iii4  ( بتصرف يسير )
  • كانت الولايات المتحدة قد قامت بضربة جوية محدودة النطاق لمطار الشعيرات كرد سريع على قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية في هجومه على بلدة خان شيخون السورية .
  • انظر : أمير طاهري ـ إيران تبحث عن سياسة جديدة في سوريا ـ تقرير صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ـ بتاريخ 3 مايو 2017 ـ العدد 14036 ــ متاح على الرابط : https://aawsat.com/home/article/916921/ ، مع البحث بالعنوان المذكور .

 

[1] يرجع طموح إيران النووي إلى بدايات نشاة البرنامج النووي الإيراني في الخمسينيات والستينيات ( 1968 / 1978 ) ، إبان فترة حكم الرئيس ” رضا شاه بهلوي ” ، والذي قام بإنشاء ” منظمة الطاقة النووية ” رغبة في تعظيم قوة إيران الإقليمية .

[2] مجموعة الدول الخمسة زائد واحد هي الولايات المتحدة الأمريكية ، فرنسا ، بريطانيا ، الصين ، روسيا . وهي دول تملك حق النقض ” فيتو ” . ثم إيران باعتبارها الطرف الوحيد المقابل لهذه الدول بالنسبة لبنود هذا الاتفاق . 

[3] تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي الجديد أبدى موقفاً حاداً وعدائياً تجاه إيران منذ حملته الانتخابية للرئاسة ، وقد تواصلت هذه الحدة إلى الدرجة التي صرح خلالها مهدداً بإمكانية اللجوء إلى الحل العسكري مع إيران . والسعي في اتجاه تمزيق بنود الاتفاق النووي الإيراني وإلغائه .

[4] انظر : منال حميد ـ هذه أوراق إيران للمواجهة .. فماذا تملك أمريكا ـ مقال مترجم عن الواشنطن بوست ـ موقع الخليج أونلاين ـ بتاريخ 6/2/2017 ـ تاريخ الدخول 28 يونيو 2017 ـ على الرابط : http://klj.onl/1mq6TP ( بتصرف يسير )

[5] انظر : عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب ـ داعش أداة المواجهة بين أمريكا وإيران في العراق ـ دراسة منشورة  بموقع المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ بتاريخ 6 فبراير 2017 ـ تاريخ الدخول 27/6/2017 ـ على الرابط : http://www.europarabct.com ، مع البحث بالعنوان المذكور . ( بتصرف يسير )

[6] كانت المشاركة الأمريكية في اليمن مقتصرة فقط على دعم الجهود الخليجية في محاربة جماعات الإرهاب التابعة لتنظيم القاعدة ، ولم تكن  تتجاوز حد المشاركة غير المباشرة . وبعد زيارة ترامب للمملكة شهدت هذه المشاركة تحولاً في اتجاه الدعم المباشر بالقوة والسلاح من أجل القضاء على النفوذ الإيراني .

[7] انظر : برغيت سفنزون ، عبد الرحمن عمار ـ الدعم الإيراني للأسد : الخلفيات والوسائل ـ تقرير الـ DW الألمانية بتاريخ 21/2/2013 ـ تاريخ الدخول 29/6/2017 ـ على الرابط  http://p.dw.com/p/17h3x ( بتصرف )

[8] انظر : لميس الشرقاوي ـ دراسة أوربية : إيران أنفقت أكثر من 100 مليار في الحرب السورية ـ تقرير صحيفة الوفد المصرية ـ الموقع الإلكتروني ـ بتاريخ 11 مارس 2017 ـ تاريخ الدخول 29/6/2017 ـ على الرابط : https://alwafd.org/article/1473862 https://alwafd.org/article/1473862 ( بتصرف )

[9] راجع : صفوان أبو حلا ـ  إدارة ترامب تحشد لـ”ناتو” عربي أمريكي ضد إيران ـ  تقرير مترجم عن وول ستريت جورنال ـ موقع RT عربية ـ بتاريخ 16/2/2017 ـ تاريخ الدخول 26/6/2017 ـ على الرابط : https://ar.rt.com/iii4  ( بتصرف يسير )

[10] كانت الولايات المتحدة قد قامت بضربة جوية محدودة النطاق لمطار الشعيرات كرد سريع على قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية في هجومه على بلدة خان شيخون السورية .

[11] انظر : أمير طاهري ـ إيران تبحث عن سياسة جديدة في سوريا ـ تقرير صحيفة الشرق الأوسط اللندنية ـ بتاريخ 3 مايو 2017 ـ العدد 14036 ـ تتاريخ الدخول 1 يوليو 2017 ـ على الرابط : https://aawsat.com/home/article/916921/ ، مع البحث بالعنوان المذكور .

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسين شاكر:بقايا ملحمة جلجامش في ملحمة سيامند

حسين شاكر كاتب صحفي وباحث   ملخص يُقرأ من الملاحم البشرية وجود تكثيف ـــــــ كثافة ...