الرئيسية | مقالات | محمد الحسيني:الواقعية السحرية والدلالات الرمزية في رواية * فقهاء الظلام * للأديب الكردي سليم بركات

محمد الحسيني:الواقعية السحرية والدلالات الرمزية في رواية * فقهاء الظلام * للأديب الكردي سليم بركات

محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي

 

سليم بركات الشاعر المبدع , يبدأ مشواره الروائي بالمفهوم المتداول للرواية الحديثة , مع روايته * فقهاء الظلام * التي نحن بصددها في هذا المقال النقدي , ثم توالتْ سلسلة من الروايات التي أسستْ لكاتب روائي قلّ نظيره في العصر الحديث , حيث صدرتْ له روايات عديدة منها ,, أرواح هندسية , كهوف هايدرا هوداهوس , هياج الإوز , الريش , معسكرات الأبد , السماء شاغرة فوق أورشليم , ولديه ثلاثية روائية هي الفلكيون في ثلثاء الموت ,, .
إذا كان النقد الأدبي هو الكشف عن مواطن الجمال والقبح في الأعمال الأدبية , فإنه في روايات سليم بركات , الجمال بأبهى صوره رغم طوفان الألم والوجع . ونحن نحاول في هذا المقال قراءة روايته وتحليلها مع التأكيد على خصائص الواقعية السحرية
والدلالات الرمزية والتركيز عليها , وذلك لبيان قيمتها الفنية ولانقوم بالتقريظ للمدح والثناء إلا إذا كان الجمال هو الذي يبوح بمدح روايته المبدعة , فنحن نحاول معرفة الأثر والحكم في عمله وفهمه وتفسيره , ولانبتغي المفاضلة بين سليم بركات وأدباء
العربية وهي اللغة التي يبدع بها ويكتب أدبه , رغم أن التفوّق اللغوي لدى بركات من الناحية الشكلية , واضح لالبس فيه , فهو في شعره ونثره متمكن لغوياً أكثر من أي كاتبٍ آخر , والنقد هنا يجب أن يكون ثاقب النظر وسريع الخاطر ومهذّب الذوق لتكون أحكامه منصفة , لذا لابد للناقد أن يجيد تمحيص النص الأدبي وفك وتركيب عناصره , ونحن نحاول أن نتمتع بأفق الموضوعية الرحب في قراءتنا لهذه الرواية لأن النقد الذي يمكن أن يحظى بالقبول والإقناع والمشروعية , هو ذاك الذي
لم ينحدر من رحم الذاتية وحدها أو يتكيء على حدس الانطباع , إنما هو ذاك الذي يحتكم إلى معيار موضوعي معيّن من الناحيتين الشكل والمضمون . ومن نافل القول أن سليم بركات قد بدأ بكتابة سيرة طفولته وصباه منذ بدء رحلته في عالم الأدب , علماً أن سير الأدباء عادة تأتي في نهاية مطاف رحلتهم مع الكتابة . لم نكن نعرف أن من هذه الكتابة التي عنتْ
بالطفولة , سيطلع الروائي الكامن فيه , وتتناسل منه سلسلة متشعبة من الروايات التي تمثله في هديرها اللغوي وصورها الرعوية وحوارياتها الناطقة بغريزة الماء والطين , تماماً مثلما هم عليه شخوص رواياته ,, . إن سليم بركات هو ابن بيئته
الأولى في الشمال الشرقي الكردي في سوريا ثم بيئات الغربة المتتالية في لبنان وقبرص والسويد , ولكن مهما ابتعد عن مكانه
الأول حيث الطفولة والنشأة والصبا , فإنه يبقى وفيّاً للهم والوجع الكرديين . رواياته ترصد المصير الإنساني للكردي للوقوف
على مغزى حياته حيث يولد وقدره ألا يكون له وطن!.
إننا نجد خلق عوالم فانتازية في روايته هذه , تجعل السرد لايخلو من الواقعية السحرية التي هي تقنية روائية تم استخدامها في
الأدب الألماني منذ الخمسينات من القرن الماضي وفي آداب أمريكا اللاتينية فيما بعد ثم وجدتْ لها طريقاً إلى آداب شعوب أخرى . وقد وظف سليم بركات هذه التقنية في روايته من فانتازيا غرائبية اخترعها بنفسه بحيث اختلط الواقعي بالخيالي في نصه , وتستمد الواقعية السحرية عناصرها من الخرافات والحكايات الشعبية والأساطير , وعلى هذا الأساس بنى كاتبنا شخصية
بطله * بيكاس * كخرافة غير بعيدة عن الواقع المجازي , وذلك إذا ما أدركنا رمزية * بيكاس * بالنسبة للحالة الكردية عبر
التاريخ القديم والحديث . وفي هذا السياق نجد أثراً للواقعية السحرية وخاصيّة ضخ الأرقام في الحبكة والسرد الروائي مثل جملة وردتْ في الصفحة 37 من الرواية : كثيرون يستأجرون ثور * حيندر * ليلقّح بقراتهم مقابل مائة قرش مؤلفة من قطعة معدنية واحدة , ثقيلة هي مزيج من الفضة بثلاثة أرباع مقابل ربع من معدن رخيص ) .
الواقعية السحرية أو الغرائبية , تعتمد الشعري كأفق وتكنيك يخالف البنية العمودية ليغدو الزمن من أحد ألعابه الأثيرة , ويتغذى
المضمون على الغرابة التي هي مكوّن رئيسي في الواقع وعمود أساسي في السرد . وبالعودة إلى الرواية نجدها ترصد سيرة
* ملابيناف * وزوجته * برينا * اللذين أنجبا * بيكاس * هذا الطفل الذي يكبر كل ساعة ثلاث سنوات , فيولد ويتزوج ويموت في يوم واحد !.. هذه الغرابة تؤسس لهذه الواقعية في روايته , فالواقعية السحرية تعتمد على فكرة الخيال وتداخلها
بالواقع , وتركّز على التفاصيل الخاصة بالشخصيات في المقام الأول ثم تتتابع الأحداث الواقعية ولكنها تجنح إلى الخيال بطرق
مختلفة . ولايخلو النص من إشارات غرائبية أخرى تتخلل السرد هنا وهناك , وكمثال نشير إلى قوله في ص 186 : حيث كانت أمها ترضع دون سبب واضح , خاروفاً في يومه الثالث من ثديها ). هذا ونجد في مجريات ووقائع الرواية , إشارة
دائمة إلى دفترٍ أزرق يتنقل من جيل لآخر , دفتر كبير كان * الملا بيناف * قد ورثه من أبيه ثم أخذه * بيكاس * معه
إلى المقبرة حيث اختفى ومات , وهذا الدفتر يحمل دلالة رمزية بما فيع من حسابات وطلاسم وكأنه وصية أزلية عن شعبٍ يولد ويتناسل ويموت ليؤكد على الحياة رغم كل أوجاعها , ليورثها الأب إلى الابن والجد إلى حفيده وكأن الحياة والحرية والإنعتاق أمانة في أعناق الأجيال القادمة . هذه الوصية رغم كل شيء لاتموت مثلما يشير الكاتب إلى شجرة الزيتون التي
لاتطول رغم الوحشة وهي على هذه الحال منذ زمن بعيد , ويرد ذكرها في مواقع كثيرة في هذه الرواية ونعتقد أنها ترمز إلى حلم الكورد الذي ينتظر ليصبح حقيقة مشتهاة . من ناحية ذات صلة , فإننا لا نبالغ إذا ما قلنا أن الكاتب يسمّي شخوص
روايته بأسماء كردية ذات مغزى رمزي , فاسم الأب * ملا بيناف , يعني بالكردية منْ لااسم له *وكأن الكاتب من وراء هذه التسمية يعني أن الكردي فقد اسمه وهويته بين شعوب الأرض لأن الآباء والأجداد تقاعسوا عن هذا الأمر .كما أننا نلتمس
دلالة رمزية أيضاً في اسم * بيكاس الذي يعني بالكردية الوحيد الذي لاأحد له * , وبالطبع هذا هو حال الشعب الكردي الوحيد الذي ما من أحدٍ يؤازره في كفاحه لنيل حقوقه المشروعة .
من ناحية أخرى يبقى سليم بركات وفياً لذاكرته حيث يستعيد الزمن الكردي من مشاهد واقعية مرّتْ ذات يوم في ذاكرته , فهاهو يروي سيرة * بافي جواني * ومهرّب التبغ المدعو * عفدي ساري * , ومسائل الثأر والقتل رداً على تجاوزات الآخر
في الاشهار بإمرأة أو ابنة فلان وهذا ما أدى إلى قتل * مجيدو ابن عفدي * للمدعو * بافي جواني * , إنه الواقع الكردي
القديم والحديث أيضاً المحكوم بعادات وتقاليد بالية لايزال الكردي منسجماً بها إلى حدٍ ما . ولكن في الحين نفسه لايتوانى الكاتب في الإشارة إلى طبيعة المرأة الكردية التي تتفانى في واجباتها تجاه العائلة وذلك في سيرة أخت الملا بيناف المدعوّة
* خاني * التي تقوم بواجباتها التي لاتنتهي تجاه أخيها وأولاده وتجاه زوجها وأولادها وتقدّم الخدمات دون كلل أو تأفف !.
على محورٍ آخر نجد أن كاتبنا قد يسترسل في حبكته الدرامية وسرده الطويل نسبياً عن حيوان لزج ودبق , ونعتقد أنها تقنية
تخلق التشويق لشد القارئ من خلال وصف فانتازي لهذا الحيوان الذي في نهاية المطاف يجري توضيحه بأنه الحيوان المنوي
للملابيناف الذي خلق منه ابنه الغريب بيكاس وذلك لإشراك المتلقي في عملية التخيّل .
سليم بركات في سرده النثري يبقى وفياً لشعره من ناحية خلقه لمشاهد تصويرية مكثّفة حيث تتدفق الصور التي يكاد المتلقي أو القارئ يستحضرها في خيال تتراكم فيه الصور السردية بحيث يجد كل جملة مشهداً ولقطة يتخيلها القارئ بيسرٍ وكأنه أمام فيلم
سينمائي يشاهده بمفرده . وكيف لاينتعش الخيال في سرده الذي يقدّم وصفاً للشخصية سواء كانت رئيسية أم ثانوية وكأنه يرسمها بدقةٍ متناهية , وكمثال نورد وصفه لأم بيكاس في ص 24 : ردتْ الغطاء عن جسمها فبدتْ كأنها تهيأتْ للموقف ..
ثيابها كأكمل ماتكون , وعلى رأسها غطاء موصلّي أحمر مرقط ببقع سوداء وحول استدارة الرأس منديل زهري من الحرير )
وأخيراً نقول أن سليم بركات يدوّن ملحمة الإنسان الكردي ماضياً وحاضراً ومستقبلاً , كما أنه استطاع إحياء الميت في اللغة
العربية وتوظيفه ومنحه حياة جديدة والأدب العربي مدين له بذلك , وقد ترجمتْ أعماله إلى عدة لغات .

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: الظرف الاستثنائي يستوجب وحدة الصف والتضحية والصبر

عبدالباسط سيدا_ كاتب وباحث كان من الواضح اليقيني أن التحديات ستكون كبيرة جسيمة بعد استفتاء الاستقلال، ...