الرئيسية | مقالات | الحسيني_ “كهوف هايدراهوداهوس” لسليم بركات : رواية غنى الشكل وفقر المضمون ..
محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي

الحسيني_ “كهوف هايدراهوداهوس” لسليم بركات : رواية غنى الشكل وفقر المضمون ..

محمدعبدالوهاب الحسيني_كاتب وصحفي كُردي

 

بداية حاولنا أن نفهم الأسطورة , معتقدين أن ثمة أسطورة أو أكثر , قام الكاتب بإسقاطات أدبية عليها , غير أنه بعد فحص وتمحيص لم نجد أية أصول أسطورية وكهوف تاريخية تدعى هايدراهوداهوس , إذاً نحن إزاء عوالم أسطورية من ابتكار الروائي في مختبره القصصي !.

يمكن القول أن هذه الرواية مشبعة بالمحاورات بين مخلوقات هذه الأرض المسماة هايدراهوداهوس , ومنذ أول كلمة في هذه الرواية تبدأ المحاورة بين * خارتيماس * و * هوداهوس سوسينو * وسرعان ما تبدأ لعبة اللغة والبلاغة التي يجيدها سليم بركات بجدارة ودونما منازع : تنهّد سوسينو , حرّك في الهواء دوائر القلق الخصب كبذور اليقطين حول برك المياه ) ثم قال محاوره : ماالذي يجري في أرض هايدراهوداهوس ياسوسينو ؟ خمائر العافية غدتْ حامضة , غدا خبز يقيننا حامضاً ) ص 5 .

بعد ذلك تبدأ لعبة الخيال حيث المحاورة بين شخصين أو مخلوقين من نصف إنسان ونصف جواد , فالقاريء مقبل على رواية غير عادية وغير مألوفة وربما أسطورية !. الراوي يبدأ بسرد حكاية أمير أرض هايدراهوداهوس المدعة * ثيوني * عاشق الأحلام , فهاهو يقول في ص8 : رأيت نصف حلم بهيجاً في ليلتي , سأنتظر قدوم الأميرة * أنيكساميدا * لتتمّه لي , عندها النصف الآخر ) .
ثيوني أمير أرض هايدراهوداهوس المليئة بالكهوف والملأى بدورها بالمنحوتات , وهو يبدو ككائن خرافي أو أسطوري كأبي الهول لدى الفراعنة أو الإغريق الذي يجمع بين كائن آدمي وآخر حيواني , فهذا الوصف يشير إلى هذا الأمر في ص15 : ذو العباءة القصيرة المنحدرة بمخملها الأصفر من كتفيه على ظهره , ظهر الجواد والآدمي المتصلين ).
إن سليم بركات أنشأ شخوصاً أسطورية , إلا أنه لم يتمكن من إنشاء أسطورة ذات مضامين ومدلولات عميقة وباهرة , ولكنه يبث في جسد روايته شيئاً من الحكمة : الحروب تمرين عقلي لاستدراج النفس إلى صلح مع القلق , بين كل حرب وأخرى فسحة لاتعوّض لأنها فسحة بين حرب وأخرى ) ص 11 . ومن ناحية أخرى يمكن القول , إن الفن رؤيا وحدس وهونشاط روحي تعبّر فيه الروح وتتجلّى في أمثلة مجسّدة .. وفي هذه الرواية لم نجد تجسيداً سوى للجواد الآدمي وصهيله !.. لقد كان بوسع الكاتب أن يحوّل روايته التي بين أيدينا , إلى ملحمة وذلك بالاهتمام بالرموز الشعائرية والأساطير مثل علماء الأنثروبولوجيا الذين يهتمون أيضاً بالموروثات الشعبية والخرافات والطقوس . حيث أن المكان هو سلسلة كهوف مكتظة بالمنحوتات وبالتالي لو أهتم الكاتب بالمضمون الروائي مثلما أهتم بالشكل الجميل والبلاغي , لكان بوسعه استنطاق تلك المنحوتات من خلال قراءة مكثّفة لعلم الأساطير والطقوس القديمة , غير أن منحوتاته بقيتْ في كهوفها خرساء ولامعنى لها .
هذه الرواية تقوم على الحوارات التي لاتفضي إلى عوالم روائية زاخرة بالدراما أو خلق الحكاية التي تساير الشكل المنمّق الذي جاءت به هذه الرواية !. والحق يقال , فقد وردتْ بضعة جمل تعبّر عن أسئلة الإنسان الوجودية حول معنى الموت , حيث يسأل الأمير ثيوني ابنته * أنستوميس * حاكمة أرض هوداهوس , غير أن الجواب جاء على لسان المهرّج *خانياس * : إذا لم نولد لايولد الموت ياأميري ). من جهة أخرى نجد أن الكاتب يستمدّ طريقة دفن الموتى في أرض هايدراهوداهوس , من معتقدات الهندوس من خلال إحراق الجثث وذرذرة الرماد على نهر الغانج المقدّس . وهذا مايعبّر عنه السرد في ص35 : سيجرّ تيتونا العملاق بحبله جثة قتيل إلى ضفة سيتام .. سينقلون الجثث إلى طوف فوق الماء , سيتولّى اثنان وهما جالسان , دفع الطوف بمجذافين إلى أحراش القصب في ملتقى نهر سيتام ببحيرة سايدين ذات الضباب المؤرق , سيحرقون الجثث هناك وسيلقون بالرّمم والرماد في الماء الموحل ).
إن سليم بركات في روايته هذه , يمارس لعبته اللغوية في ترويض اللغة العربية مستخدماً كافة التصريفات والاستعارات الصريحة والمكنية محاولاً بذلك خلق مشاهد تداعب الخيال ولكنه فشل من وجهة نظرنا , في إغناء الشكل بالمضمون الثري الذي غاب عن أجواء الرواية فبدت باهتة إزاء فكر ومشاعر القاريء حقيقة , فهو لم يقدّم معانٍ أسطورية مكتفياً بخلق شخوص غير عاديين وإنما نصفهم آدمي والنصف الآخر جواد لاوجود له في السرد سوى بصهيله الخافت حيناً و الصاخب في أحياناً أخرى !.
إن الأدب هو تعبير جمالي يعبّر عن معاناة الأديب ويجسّد أحاسيسه بلغة تتصف بصفات فنية إيحائية في مفرداتها وتراكيبها ومضامينها المعنوية وفي أشكالها البنائية الإبداعية , والأدب الذي يصح أن نسميه أدباً , إنما هو ذلك الذي يتميز بفنية الشكل وفنية المضمون معاً , مما يهيؤه ليكون أثراً فنياً خالداً . حيث لايمكن للكاتب التركيز على الشكل الفني من حيث تهذيب الإسلوب وتجويد اللغة واختيار المفردات المصقولة بعناية على حساب المعنى والمضمون , كما أنه لايمكن التعبير عن المضمون
بإسلوب ركيك و مفكك . وتأسيساً على هذا الفهم , أراد الروائي سليم بركات أن ينشيء أسطورة من خياله ولكن أسطورته في هذه الرواية لاتحمل أية دلالات ومحتويات تطرح أسئلة ما حول الوجود , فهو استطاع إدخالنا إلى كهوف عديدة مليئة بالمنحوتات والنقوش التي لم تنطق بكلمة واحدة فبقيتْ دونما معنىً على الإطلاق . لذا فقد انتهت الرواية بالشكل الذي لاغبار عليه على حساب المضمون , فاللغة المطواعة جعلت السرد مدهشاً ولكن لم يتناول سيرة أو أكثر ذات معنىً ما يتخطى العادية , الأمر الذي جعل العوالم اللامألوفة التي أرادها الكاتب من كتابه , مبتورة ولامغزى لها !.
كنّا نتمنى أن تروي متاحف الكهوف , شيئاً من الحقيقة حول الإنسان والوجود والأسئلة الكبرى التي هي عادة ما تتناولها روائع الأدب العالمي , كما أن الرواية تفتقر إلى التشويق الذي هو لجام أية حكاية يسير بها القاريء في مخيلته , وذلك لأن الدراما الحكائية تبدو خجولة وواهنة .
في نهاية الرواية يختفي الأمير ثيوني ثم تعثر ابنته الحاكمة أنستوميس وأمها الأميرة أنيكساميدا , على جثته حيث وجدتاه قتيلاً , فيتم إخفاء جثته دون أيما تلميح إلى سبب مقتله وإختفائه قبل ذلك وكأن حلمه قد قتله , وقام شبيهه بأداء دوره ولم تعبر مثلاً الرواية عن حدوث انتفاضة ضد الأمير أو أن إظهار حالة عداء ضده !.
من ناحية أخرى نجد أن أسماء الشخوص والأماكن في هذه الرواية , إما أن الكاتب قد ابتكرها أو هي ألقاب وأسماء قد عاينها الكاتب خلال إقامته في قبرص لسنوات طويلة .
إن سليم بركات أراد خلق عوالم غير مألوفة من خلال سلوكيات ومحاورات شخوصه الروائية , محاولاً من خلال إمكاناته الإبداعية إنشاء أسطورة من صلصال الخيال ومنح هذا الخيال لإمكانات فوق طاقته , فقد جاء المضمون غير ذي قيمة فيما إذا كان له حضور , بينما الشكل بدا في علوه الفني ولكن الشكل هو عادة وعاء يصب فيه المضمون , فإذا اختفى المضمون في العمل الأدبي , تحول الشكل إلى زخارف لغوية وتعبيرات لفظية إبداعية في حد ذاتها , فالنظرة الحديثة إلى العمل الفني في جميع صوره تحتّم اعتباره وحدة مترابطة لاتنفصل في الشكل والمضمون اللذين في اندماج تام , يستعصي معه مناقشة أحدهما دون التعرض للآخر , فالشكل الفني الناجح هو النتيجة المباشرة لنجاح الفنان والأديب في استيعاب مضمونه الفكري وإخضاعه للمقوّمات الدرامية التي تعتمد على الأدوات الفنية مثل الحوار والشخصية والموقف والحدث …الخ عند الأديب . ورواية سليم بركات هذه , نجد أن الأداة الفنية الأكثر بروزاً فيها هي الحوار التي راهن الكاتب عليها من أول صفحة حتى آخر الكتاب , وإذا أراد القاريء البحث عن الدراما التي تتفاعل فيها الأحداث في الفضاء الروائي , فإنه لن يعثر إلا على أحداث جاءتْ حيية ولم تستطع الاستحواذ على مخيلة القراء أو النقاد !.وغالباً مايرتبط المضمون الفكري في ذهن القاريء أو الناقد , بالمعنى أو الهدف الذي يقصده الأديب من عمله وإذا ضاعت المعاني في العمل الأدبي , بقي الشكل كعمارة جميلة ولكنها مهجورة من قاطنيها , وفي رواية هايدراهوداهوس , يسأل القاريء نفسه بعد الانتهاء من قراءة هذه الرواية , ما الذي أراد الكاتب قوله , فإنه لن يعثر على جواب شافٍ , فلاشيء سوى الغموض والإبهام , فالمعنى لايوجد في الشكل أو المضمون وإنما في كليهما في آن معاً بدءاً من أول كلمة وحتى آخر كلمة في العمل الأدبي , فالأحداث في هذه الرواية لاتتنامى وتتفاعل وإنْ تفاعلت قليلاً سرعان ما ينتهي إلى الغموض , مثل مقتل الأمير ثيوني الذي ظهر على حين غرّة مقتولاً في أحد الكهوف المخفية في حالة من الغموض !.
وأخيراً يمكن القول : أن رواية * كهوف هايدراهوداهوس * , تحفة شكلية غنية على حساب مضمون فقير وغير متفاعل الأحداث ويكتنفه الغموض , وقد كان بإمكانه وهو المتمكن من الأدوات الروائية , باستنطاق المنحوتات لتسرد الرواية برمتها ولكنها للأسف بقيت أحجاراً لامعنى لها .
إن الكاتب في عمله هذا يبدو وكأنه صنع الفن لأجل الفن بحدذاته , وليس لكي يعلّم القاريء شيئاً ما , ويقدّم عملاً ناضجاً ونابضاً بالحياة من خلال الطرائق الفنية والسيكولوجية والجمالية , بيد أنه بقي متقاعساً نوعاً ما في إعطاء جدلية الشكل والمضمون سماتها المتوخاة من أي عمل أدبي راقٍ وخالد عبر التاريخ , فلايموت بمرور السنوات القادمة والمتتالية .

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد المجيد محمد خلف:هل للكرد وجود في الإعلام العربي

  عبد المجيد محمد خلف_كاتب كردي- سوريا سؤال طالما طرح، ويطرح نفسه كل مرة، حين ...