الرئيسية | تقارير | مخيمات اللجوء في إقليم كُردستان: مطالبات بالجنسية، فساد إداري، محسوبيات حزبية وزواج القاصرات

مخيمات اللجوء في إقليم كُردستان: مطالبات بالجنسية، فساد إداري، محسوبيات حزبية وزواج القاصرات

هولير ـ كُردستان العراق ـ من رائد محمد ـ خاص

تعتبر مخيمات اللاجئين أو النازحين إحدى المظاهر التي تدل على وجود حرب أو أزمة ما، وهي من أهم نتائج الحروب أو الأزمات التي يمكن مشاهدتها داخل البلد المعني أو خارجه، فالهجرة القسرية، وكذلك النزوح الناجم عن النزاعات والكوارث يعتبران كارثة إنسانية بحد ذاتها تؤدي، بالإضافة إلى ما تتضمنه من مآسي إلى انتشار ظواهر ومشاكل أُخرى لها تأثيرات على المدى القريب والبعيد. إن إقليم كُردستان، الذي ذاق كُرده مرارة وقسوة الهجرة والنزوح والسكن في مخيمات اللجوء في دول الجوار “سوريا، تركيا وإيران”، نتيجة تجارب الحروب التي مروا بها منذ مطلع القرن المنصرم وحتى قبل 1998، سواء مع المركز “النظام العراقي السابق” أو الحروب الداخلية الكُردية ـــ الكُردية، يستضيف اليوم على أراضيه عدداً من مخيمات اللجوء، التي يقيم فيها مواطنون سوريون وعراقيون، منهم عددٌ كبير من كُرد سوريا وشنكال، وعربٌ فروا من المعارك بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة من جهة، وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” من جهة اخرى. إن هذا التحقيق الميداني يسعى إلى رصد بعض أحوال مخيمات اللجوء الكُردية السورية داخل كُردستان العراق.

يعود تاريخ أول مخيم للاجئين الكُرد من غرب كُردستان، في كُردستان العراق إلى سنة 2004، عقب انتفاضة قامشلو على نظام الأسد الأبن. فنتيجةً لتلك الانتفاضة والتضييق على المواطنين الكرد، لجأت أعداد كبيرة من الكُرد السوريين إلى جنوب كُردستان هرباً من قمع السلطات السورية. وتم إنشاء مخيمين لهم من قبل حكومة إقليم كُردستان، الأول؛ في منطقة (موقبلي) الواقع بين مدينتي دهوك وزاخو، ويبعد عن العاصمة هولير (اربيل) إلى جهة الشمال الغربي قرابة 196 كم. تناقص أعداد اللاجئين في هذا المخيّم بعد انتقال أعداد كبيرة منهم إلى مدن (دهوك، زاخو، اربيل)، حيث يقطن في المخيم حالياً 41 عائلة، في حين كان يضم سابقاً قرابة 100 عائلة، وأصبح هذا المخيّم بلدية شأنها شأن أية بلدية في إقليم كُردستان، ويطالب بعض المقيمين في المخيم بمنحهم الجنسية، لأنه مرّ على إقامتهم في كردستان العراق بشكل رسمي 13 سنة، كما يشتكي آخرون من عدم تواجد منظمات أجنبية تهتم بأمورهم أسوة ببقية المخيمات الأخرى.

مخيم دوميز

يعتبر مخيم دوميز المخيم الأشهر في إقليم كُردستان العراق بالنسبة لكُرد غرب كُردستان. وينقسم إلى 3 أقسام أو مخيمات هي:

1 – دوميز 2004. تم بناءه سنة 2004 بالتزامن مع بناء مخيم موقبلي. يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة دهوك، ويبعد عنها قرابة 15 كم، وإلى الشمال الغربي من العاصمة اربيل، على بُعد 177 كم. والمخيم الآن عبارة عن شقق سكنية (حوالي 120 شقة) سكّانها هم من اللاجئين الكرد الذين هربوا من قمع السلطات السورية إبان إنتفاضة 12 آذار.

تحدّث لنا (بافي زورو)، وهو بيشمركة في نهاية العقد الخامس من عمره عن الأوضاع في المخيم الذي يسكن فيه قائلاً: “في البداية لاقينا معاناة كبيرة، ولكن بعد أن قامت حكومة الإقليم ببناء شقق سكنية لنا، تقلّصت مشاكلنا كثيراً، والآن نُعامل تقريباً معاملة أهل الإقليم. إلا أنه توجد بعض التفرقة، لأننا في النهاية لاجئون. أطفالنا يدرسون في مدرسة خاصة بنا، والتدريس باللغة الكُردية وبمنهاج الإقليم. ولدينا بعض الشباب والشابات ممن التحقوا بجامعات الإقليم بعد إنهاء المرحلة الثانوية. الفرص أمامنا من ناحية التعليم جيدة. ويوجد مستوصف صغير في منطقة دوميز”. وأشار إلى أن  من أكثر المشاكل التي يعانون منها هي عدم منحهم الجنسية. “على الرغم من مرور 13 سنة من تاريخ قدومنا إلى هذا المخيم. ولا يتم منحنا مادة الكاز او المعونات التموينية، كبقية المخيمات. نحن محرومون منها. بخاصة أن المنظمات لا تهتم بشأننا لأن خيمنا أصبحت شقق. وبالتالي حرمنا من امتيازات عديدة”.

مخيم دوميز الأساسي

يعد مخيم دوميز الأساسي المخيم الأكبر للاجئين الكُرد السوريين، تم بناؤه سنة 2011 عقب الثورة السورية، لإيواء الشبان الكُرد الفارين من الخدمة الإلزامية لدى النظام السوري، والذين لم يرضوا استخدام النظام لهم لقمع الثورة السورية، وبالتالي طرفاً في مواجهة الثوار، مع أزدياد أعداد الشبان المنشقون عن الجيش السوري، كبر المخيم خاصة بعد لجوء عائلاتهم أيضاً، ثم لجوء أعداد كبيرة من الكُرد السوريين، بخاصة بعد تدهور الأحوال الأمنية في مناطق سكناهم وازدياد جرائم القتل والخطف، والقتال الدائر بين النظام والمعارضة، هذا بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية المختلفة. إن ما يقارب نصف سكان المخيم، هم من الذين كانوا قد هاجروا سابقاً من المناطق الكُردية إلى العاصمة السورية دمشق وريفها بهدف العمل، وبعد تردي الأوضاع، عادوا إلى مناطقهم في الجزيرة وكوباني وعفرين. ولكنهم، بحسب أقوال العديد ممن التقيناهم “لم يجدوا مكاناً للعيش، بعد تدهور الأوضاع الامنية والاقتصادية في المناطق الكُردية أيضاً، التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي. فبدأت قوافل اللاجئين تهرب من جحيم الإضطرابات باتجاه نعيم إقليم كُردستان العراق”. وبحسب قول أحد المشرفين على المخيم: “بلغ عدد اللاجئين فيه ما يقارب الـ60 ألفاً. لكن أعداداً كبيرة غادرت المخيم، واستأجرت بيوتاً في مدن دهوك وزاخو واربيل. يضم المخيم في الوقت الحالي قرابة 25000 لاجئ من مختلف المناطق السوريةـ، ولكن أغلبهم من المناطق الكُردية، وبخاصة منطقة ديريك وكركي لكي وجل أغا وقامشلو، حيث يلعب قرب هذه البلدات من إقليم كُردستان دوراً في طبيعة ساكنيه.

 

 

زواج القاصرات

تبلغ جوانة خليل من العمر 31 سنة، وقد أتت من مدينة قامشلو وسكنت في المخيم منذ سنة 2012 وتعمل فيه كمدرسة. تحدّثت لنا عن المشاكل التي تؤثر بشكل سلبي على اللاجئين، بالقول: “الزواج المبكّر، من أكثر الظواهر انتشاراً وأخطرها، بخاصة بالنسبة للفتيات، حيث نجد حالات زواج لطفلات لم تبلغن سن 13 سنة، وفي بعض الحالات لم تبلغن 12 سنة”. وتعتبر جوانة هذا الزواج “جريمة بحق الإنسانية يرتكبها الأهل، نتيجة عدم الوعي وقلة الثقافة لديهم”. وأن المجتمع “يتحمل تبعات هذا الزواج من مشاكل إجتماعية وصحية وجسدية”.

في السياق ذاته،عبرت  الاخصائية بالحوامل والرضع الدكتورة (س.م) عن أسفها لوجود حالات كثيرة من هذا النوع قائلةً: “للأسف لاحظنا ازدياد حالات الزواج المبكر، خاصة من قبل الفتيات الصغيرات واللاتي لم يكتمل نمو أجسادهن بعد، إن الزواج بالنسبة لهن عبارة عن قنبلة موقوتة، ربما تؤدي إلى الموت نتيجة الحمل المبكّر”.

من جهته، عبّر المرشد الاجتماعي (ف.ا) عن انزعاجه بسبب كثرة حالات الزواج المبكر، وآثار هذه الظاهرة وقال: “إن حالات الزواج المبكر أصبحت ظاهرة متفشية بشكل كبير في المخيمات، حيث نجد العديد من الشباب يعمل لعدة أشهر. ويقوم بجمع تكاليف الخطبة والزواج، ويطلب من أهله ان يختاروا له زوجة، أو يدخل في علاقة مع فتاة مراهقة، تصل إلى مرحلة الزواج. إن الأمر الأخطر في هذه الحالة هو فارق السن بين المتزوجين. ويترتب على ذلك ازدياد حالات الطلاق في المخيم، والذي أصبح ظاهرة منتشرة. وللاسف، لا توجد أحصائيات دقيقة بهذا الخصوص”.

مشاكل الأطفال

أثناء التجوال في المخيمات، لاحظنا انتشار ظاهرة غريبة هي تدخين الأطفال الصغار وتشبههم بالكبار، وتدخين النرجيلة أيضاً. الطفل محمد سعيد من سكان مخيم دوميز يبلغ من العمر12 سنة، يبيع عبوات الماء البلاستيكية في المخيم، ترك المدرسة منذ سنتين، بسبب عدم وجود معيل له ولعائلته، يحمل سيجارة بين أصابعه وينفخ الدخان في الهواء ويقول: “السيجارة لذيذة جداً وتنسينا همومنا. أصبحت شاباً يعيل العائلة، وعملي مربح قليلاً والسيجارة هي صديقتي الوحيدة. أنا لا أدخن الممنوعات مثل غيري. هناك العديد من الأطفال والشباب الذين يعيشون في المخيم ويقومون بتدخين الحشيشة، وغيرها من المخدرات”.

محمود سيد محمد من سكان المخيم يقول بهذا الخصوص: “لدي ثلاث شباب في أعمار مختلفة. أبني الكبير جوان (21 سنة)، يدخّن أمامي دون خجل. العادات الاجتماعية اختلفت عن السابق. أما أبني الأصغر ريبر (18 سنة)، فهو يتجنب التدخين خلال وجودي، ورغم نصائحي إلا أنهما لا يتركان التدخين”.

الاستغلال الجنسي

يتعرض الكثير من اللاجئين للاستغلال الجنسي، خاصة الفتيات اللواتي يعملن خارج المخيم، حيث يتم استغلال سوء أوضاعهم المعيشية وحاجتهم للعمل، سواء من قبل اللاجئين نفسهم أو من قبل المجتمع المضيف، ولا توجد احصاءات دقيقة بهذا الخصوص. بسبب الخجل والخوف من الفضيحة، حيث تكون أغلب هذه الحالات سرية.

تبلغ الفتاة (ك.م) 23 سنة من العمر، وهي لم تستطع أن تكمل دراستها الجامعية بسبب الحرب في سوريا ولجأت مع عائلتها إلى المخيم سنة 2013، تعرضت للتحرش الجنسي من قبل صاحب الفندق الذي تعمل فيه. بسبب حاجتها للعمل لم تخبر أهلها بالأمر، بخاصة أن عائلتها تمر بضائقة مالية، ولا بد من استمرارها في العمل، لأنه يدر عليها مبلغاً جيداً تستطيع من خلاله تأمين الدواء لأمها المريضة. تقول بهذا الخصوص: “أعمل منذ سنة 2013 في فندق بمدينة دهوك. تعرضت عدة مرات لتحرش جنسي من قبل صاحب العمل، ولست الوحيدة التي حصل لها ذلم، فلدي عدة صديقات تعرضن لنفس الموقف. الظروف صعبة ولا بد لنا من التحمل”.

الخدمات الطبية

يوجد في كل مخيم مستوصف طبي يحتوي على العديد من المعدات الطبية، ويداوم به عدد من الأطباء من مختلف الاختصاصات، لكن هناك نقصاً في بعضها، بخاصة الامراض المزمنة. حسب أحد العاملين في الحقل الطبي، رفض ذكر أسمه، “الحالات المستعصية يتم تحويلها إلى مدينة دهوك، بخاصة إلى مستشفى (آزادي) ليتم معالجتها هناك”. وأشار هذا العامل إلى وجود “عدة منظمات تهتم بتلقيح الأطفال ضد مرض الشلل، والحصبة إضافة إلى حملات التوعية ضد الكوليرا والاهتمام بالنظافة العامة”.

 

التعليم

يوجد في مخيم دوميز 7 مدارس، بدوامين صباحي ومسائي. بحسب آراس رمضان، وهو لاجئ في المخيم، ويدريس مادة اللغة الانكليزية في المدرسة الثانوية، فإن عدد الطلبة “يقترب من 4500 طالب وطالبة في مختلف المدارس، والمنهاج، هو منهاج إقليم كُردستان باللغة العربية. إضافة إلى وجود مادة اللغة الكُردية البادينية. وبالتالي لا تدرس اللغة الكُردية بالاحرف اللاتينية. وهذه من المشاكل التي يعاني منها اللاجئون في التعليم”. ذكر رمضان بأن “رواتب المعلمين تتأخر بشكل كبير، الأمر الذي يرهق كاهلهم، ويدفع بعض المعلمين إلى التهرب من أداء واجبهم. بل أن الكثيرين يضطرون إلى العمل في مجال آخر”. أفاد رمضان بأنه “توجد العديد من المنظمات التي تهتم بالقطاع التعليمي، بخاصة منظمة اليونسيف التي تقوم بتأمين الدفاتر والاقلام، ولكن نوعيتها سيئة جداً، وتقوم مؤسسة البارزاني الخيرية كذلك بتأمين مواد دراسة للطلاب، وتساهم إلى حد كبير في استمرار العملية التربوية في مدارس المخيم”.

التنقل داخل الإقليم وخارجه

يقوم عدد كبير من اللاجئين بزيارة مناطقهم الأصلية في كُردستان سوريا، أو الهجرة بشكل غير شرعي إلى أوروبا، ويتعرض الكثير منهم إلى مخاطر جمة بسبب خطورة الطرق، تؤدي هذه الظاهرة إلى اختلاف في عدد اللاجئين في المخيم بين الفترة والأخرى. إضافة إلى ذلك هناك العديد من اللاجئين ممن يقومون بزيارة مناطقهم عبر التهريب ودفع المال للمهربين، ما يعرضهم لمشاكل ومخاطر كبيرة. أو أن تتم الزيارة بطرق قانونية عبر بوابة (بيشخابر سيمالكا ) وأغلب الزائرين ـ العائدين يقصدون قامشلو أو دمشق بهدف المعالجة، بسبب رخص تكاليف الطبابة والعلاج في سوريا قياساً بالإقليم.

التقسيم الإداري والخدمي

يشرف على المخيم إدارة خاصة تابعة لسلطات إقليم كُردستان، في البداية تم تقسيم المخيم إلى قواطع، وكان لكل قاطع رئيس أُختير من بين اللاجئين، أما الآن فقد تم تقسيمه إلى أحياء، وكل حي يرأسه مختار يشرف عليه وعلى خدمته. تقوم العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، مثل منظمة (WFP) بالعمل في المخيم، والتي تقوم يتوزيع حصص غذائية على اللاجئين، ومؤخراً تقلص عدد هذه المنظمات بشكل كبير. حسب أحد الموظفين في المنظمة المذكورة: “كانت حصة كل لاجئ في البداية قرابة واحد وثلاثين دولاراً، ثم تقلصت إلى أحد عشر دولار لبعض العائلات، واثنين وعشرين دولار لعائلاتٍ أُخرى. وتوجد عائلات لا تستلم أي حصص غذائية، بسبب النقص في الميزانية وقلة الدعم. حسبما قيل.

مريم أحمد، وهي لاجئة عبرت عن انزعاجها، بسبب حرمانها وحرمان عائلتها من الأغذية التي كانت تتلقاها سابقاً قائلةً: “انا أم لتسعة أطفال، وعمل زوجي لا يكفي لإعالتنا. كانت الحصص الغذائية التي نأخذها من المنظمة الإغاثية تساعدنا إلى حد كبير. ولكنها بعد أن أجرت إحصاء عشوائي للاجئين بهدف معرفة من يستحق ومن لا يستحق الحصص والسلات الغذائية، تم حرمان عائلتنا منها، وهذا الشيء حدث في كل مخيمات اللجوء وليس في مخيمنا فحسب”. بدوره أضاف علي رمو، وهو من اللاجئين في المخيم قائلاً: “إن التقييم على أساس الدخل المالي للاجئ لم يكن مدروساً، بل تخلله المحسوبية والفساد. وتم حرمان قرابة نصف اللاجئين من الحصص الغذائية، وهذا ظلم كبير جداً”.

 

 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.