الرئيسية | دراسات | مسعود دالبوداك _التيه الكُردي (الأنا الكُردية بين الدين والقومية،بديع الزمان سعيد النورسي نموذجاً)

مسعود دالبوداك _التيه الكُردي (الأنا الكُردية بين الدين والقومية،بديع الزمان سعيد النورسي نموذجاً)

مسعود دالبوداك

كاتب وباحث

طالب ماجستير في معهد العلوم الاجتماعية

mesutdalbudak@hotmail.com

 الملف بصيغةPDF أضغط على السطر أدناه 

النسخة-المعدلة

صورة الباحث مسعود دالبوداك

((أستطيع العيش بلا طعام لكن لا أستطيع العيش بلا حرية))

بديع الزمان النورسي

الملخص

تعدَّدت هُويَّة “الأنا” الكُردية نتيجة التأثيرات الدينية(الثيولوجية)،السياسية، والفكرية، أو نظراً للأيديولوجيات والأفكار والتيارات المختلفة التي تبنتها، تنوَّعت إثرها “الأنا” الكُردية بين دينية، إلحادية،قومية،ليبرالية، شيوعية، ورأسمالية… إلخ، وفي هذه الدراسة نعمل على توضيح مفهوم “الأنا” عند سعيد النُّورْسِي “بديع الزمان” من خلال مؤلفاته المعروفة بـ “رسائل النور” أو “كلِّيات النورسي”، كـ نموذج “للأنا” الدينية الكُردية المسلمة، وموقفها من التيارالإنسانوي(الهومانيزمي)، والتيار القومي، وكِلا التيارين نشآ في الغرب بعد عهد النهضة(الرينيسانس)، وكما تُسلط الدراسة الضوء على حياة شخصية هامة في التاريخ الكُردي الإسلامي ومؤلفاته، وتهدف الدراسة إلى فك وتحليل “الأنا” الكُردية الدينية الإسلامية ذات الطابع التصوفي من خلال “الأنا” النورسية التي غلّبت الجانب الديني على الجانب القومي، حيث تسهم الدراسة في فهم الجدل(الدياليكتيك) القائم بين الدين والقومية في “الأنا” الكُردية، وتعتمد الدراسة على مؤلفات بديع الزمان النورسي بالدرجة الأولى، وأبحاث ودراسات أجريت حوله بالدرجة الثانية.

الكلمات المفتاحية: الأنا، الأنا الإنسانوية، الأنا الدينية، الأنا القومية، الأنا الكُردية، الأنا النورسية.

المقدمة

ارتأينا استعمال مصطلح “الأنا” نظراً لاستعماله من قبل النورسي في مؤلفاته، بالإضافة إلى أن الدراسة تعمل على تحليل البنية النفسية (البسيكولوجيا) للنورسي، بالاعتماد على أفكاره التي تتعلق بالدين والقومية بشكل أساسي، وكون الشخصية النورسية ذات الميول الدينية ظاهرة حاضرة ومنتشرة بين الكُرد المتدينين المنكرين تماماً للجانب القومي من شخصيتهم، ولا تسعى الدراسة إلى إبراز أفضلية الشخصية الكُردية سواء المتدينة أو القومية، إنما تتناول الظاهرة كما هي، ولا تسعى الدراسة إلى اثبات كُردية النورسي من عدمها، ولا إلى إجراء محاكمة تاريخية لشخصيته التي تبنت الجانب الديني، وأدارت ظهرها للجانب القومي في توقيت حساس من تاريخ الشعب الكُردي، وبالتالي إن فهم “الأنا” النورسية هدفه الأساسي توضيح شخصية الإنسان الكُردي المتدين.

سعت التيارات الفلسفية، الفكرية، والدينية منذ بدايات البحث الإنساني إلى فهم ذات الإنسان، وأناه، ظانةً أن معرفة ذات الإنسان الحقيقية تقود إلى معرفة أسرار الكون،الحياة،الموت، الخلود، والمصير،وعجّت أديان الشرق الأقصى وفلسفاتها بطقوس وتعاليم وإشارات تدل على ذلك، منها ما كُتب علىالصحف أو نُقش على الجدران، كـ العبارات المكتوبة على باب مدخل معبد نيودلهي دلالةً على أهمية معرفة الإنسان لذاته، ودارت أفكار الشرق الأقصى وخصوصاً الصوفية(الميستيزمية)  في فلك الذات و”الأنا”، ولا تقل الفلسفة اليونانية شأناً عن غيرها في هذا الإطار، كما كان للفكر، والفلسفة، والتصوف الإسلامي نصيبه الوافر من البحث في ماهية “الأنا” ووجودها، ويُعتبر بديع الزمان النورسي أحد الذين أسهبوا في ذكرها، فـ “الأنا” الدينية(الثيولوجية) عند النورسي تعمل على ربط الإنسان، الطبيعة والخالق معاً، ويؤكد النورسي أن فهمنا “للأنا” يعتمد على المعرفة، وما يحيط بها معرفياً(ابستمولوجيا) ووجودياً (انطولوجيا)، حيث يمكّننا ذلك من فهم مكان “الأنا”كونياً (كوزمولوجيا)، ويُسلط النورسي الضوء على الأشياء المحيطة بِنموذجية(براديكما) خاصة ومتميزة.

سعيد النورسي[1]:

ولد النورسي في عام (1878م) بقرية “نُورسْ” التابعة لبلدة هيزان في مدينة بدليس لأسرة كُردية متدينة،وكان أبوه متصوفاً،بدأ حياته العلمية الأولى في مدرسة محمد أمين أفندي[2]، وفي عام (1892م)التحق بحلقة الشيخ محمد جلالي وأخذ الإجازة العلمية، وهو في سن (14)فقط، سافر لطلب العلم إلى سيرت، جيزرة، ومردين، وفي عام (1898م) توجه إلى وان ليدرس فيها العلوم العلمية، ولُقب بـِ”بديع الزمان” لجمعه بين العلوم الدينية والعلمية، وفي عام (1907م) توجه النورسي إلى إستنبول في ظل العلاقة السيئة التي كانت تجمعه مع السلطان عبدالحميد الثاني نتيجة أفكاره وتصرفاته، نشر فيها مجموعة من المقالات والرسائل والكتب، وفي عام (1911م) توجه إلى الشام وبعد فترة عاد إلى إستنبول، وفي عام (1916م) تعرض للأسر من قبل الروس، ونتيجة للاضطرابات التي حدثت في روسيا استطاع الهرب والعودة إلى إستنبول عام (1918م)، حيث تابع النورسي حياته التأليفية بشكل مكثف وكتب القسم الأكبر من كلياته المعروفة بـ “رسائل النور” بعد هذه الفترة،وبعد انتهاء الإقامة الجبرية المفروضة عليه استطاع التنقل بين المدن، وفي عام (1935م) ألقي القبض عليه مع طلابه وَوُضِعُوا في سجن أسكي شهير، وبعد سنة نُفِي إلى كاستامون، وفي عام (1944م) صدرت البراءة بحقه مع (126) طالباً من محكمة دنيزلي، وأصدرت المحاكم قرارات متتابعة بالسجن تارةً والإفراج تارةً أخرى إلى أن توفي النورسي في عام(1960م) بعد حياة مليئة بالبحث والعلم.

تتمتع شخصية النورسي برمزية كبيرة بين متبني الفكر النورسي، ونالت الاهتمام الكبير من قبل العلماء والباحثين، وأجريت حول النورسي ومؤلفاته حوالي (15)رسالة ماجستير ودكتوراه في مختلف الفروع والاختصاصات.

“الأنا” النورسية:

نعم، إنّ (أنا) بذرة، نشأت منها شجرةُ طُوبى نورانية عظيمة، وشجرةُ زقوم رهيبة، تمدّان أغصانهما وتنشران فروعَهما في أرجاء عالم الإنسان من لدن آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر” (النورسي).

يستخدم النورسي مصطلحات الأنا، النفس، والروح بأبعاد اصطلاحية (ترمينولوجية) تختلف أحياناً، وتتوافق أحياناً أخرى مع الفهم العام، ويتناول مفهوم “الأنا” من خلال موقفه المعارض للتيارين الإنسانوي (الهومانيزمي)، والقومي، وتملك الأنا في كليات النورسي “رسائل النور” مكانة هامة جداً، فالأنا النورسية حسب رسائل النور متعلقة بدرجة وثيقة بمجموعة من المصطلحات القريبة منها، كـ الروح، العقل، النفس، فالنورسي يربط الأنا بالروح من جهة أنها لا تتغير عند الإنسان، الذي مهما تغير شكله وعمره تبقى روحه ثابتة دون تغيير، فالإنسان ” كائن فيزيائي متغير باستمرار” و”الأنا” روحاً في سن العشرين هي نفسها “الأنا” في سن الثلاثين[3]، أي الحقيقة ذاتها.

وأما “النفس” وعلاقتها بـ “الأنا” عند النورسي فلا تختلف كثيراً عن مفهوم الروح سوى أنها تمتلك ثلاث قوى رئيسية، ليتفق النورسي مع مَنْ سبقه من الفلاسفة في هذا الإطار، كـ فلاسفة اليونان وعلى رأسهم أفلاطون الذي قسّم قوى النفس إلى عقلية، وغضبية، وشهوانية[4]، واتبع هذا التصنيف أغلب فلاسفة وعلماء المسلمين كـ الكندي[5]، والرازي[6]، وابن مسكويه[7]، والطوسي[8]وغيرهم،فعندما تتوسط النفس هذه القوى دون افراط أو تفريط يتحقق اعتدالها، وتسيطر القوى العقلية على القوى الأخرى، وهذا يقود النفس إلى العدالة[9].

أما “العقل” عند النورسي فيأخذ بعداً معرفياً (أبستمولوجيا) يتركز على الفهم، ورغم الأهمية التي يُبديها للعقل، يعتقد النورسي أن بعض المسائل الدقيقة والمعقدة لا يمكن للعقل فهمها[10]، ويقف عاجزاً أمامها، يسعى النورسي من خلال هذه المفاهيم إلى توضيح العلاقة بينها وبين “الأنا”، ورسم الحدود بينها، ليتمكن من تحديد ملامحها، وعلاقتها مع “الأنا”، وبدون شك يبني النورسي قسماً كبيراً من أفكاره الدينية(الثيولوجية) على “الأنا” التي ترتبط بعلاقة وثيقة هي الأخرى مع الطبيعة والخالق بشكل منظّم ومنقطع النظير، وهذا الترابط الذي يسعى النورسي إلى إيجاده من خلال توضيح مفهوم “الأنا” يعتمد بالأساس على تحديد وظائف “الأنا” دون الخوض في ماهيتها ووجودها، ليتجاوز بذلك تاريخاً طويلاً من الإشكاليات في تحديد ماهية ووجود”الأنا”، وأنّبحث النورسي في وظائفها يظهر لنا أفكاره المتعلقة بالأخلاق، والسياسة، والحضارة.

تجاوز النورسي سابقِيه ممَنْ حاولوا فهم ماهية “الأنا” كـ فلاسفة الإغريق على اختلاف مشاربهم الفكرية، وفلاسفة المسلمين وعلى رأسهم ابن سينا الذي اعتبر “الأنا” جوهراً غير البدن، وابتكر نظرية “الرجل المعلق في الهواء” الذي سيشعر بشيء واحد فقط فيما لو تجرد عن كل أجزاء بدنه المادية، ألا وهو وعيه بوجود ذاته[11]، وسعى ابن سينا إلى إثبات وجود “الأنا” من خلال اثبات وعيها بذاتها عند التجرد من البدن، وربما حذا ابن سينا حذو مَنْ سبقه لذلك لمْ نأتِ على ذكرهم.

ولم تتغير محاولات تحديد ماهية “الأنا” من خلال اثبات وجودها إلا مع الفلاسفة العقليين في عصر النهضة، وعلى رأسهم ديكارت الذي وضع نظرية الشك “كوجيتو” ومقولته الشهيرة “أنا أفكر، إذاً أنا موجود” حيث تُعتبر أول محاولة لإثبات وجود”الأنا” من خلال المعرفة(الابستمولوجيا)، لا من خلال إثبات وجودها وجودياً(انطولوجيا)، فـ كوجيتو يشك بكل شيء إلا أنه يشك ويفكر، واعتبر ديكارت “الأنا” جوهرة مفكِّرة غير مادية، لا نهائية، وغير قابلة للموت، ورغم ما تقدم من محاولات لتحديد ماهية “الأنا” لم تفلح هذه المحاولات بشكل حقيقي في تقديم معلومات عن وجود “الأنا”، فـ الكوجيتو الديكارتي وإن سعى لإثبات وجود “الأنا” لم يعطنا معلومات عن ماهيتها، ولم يعطنا ابن سينا معلومات عن علاقة “الأنا” بالبدن وشكل الاتصال بينهما، فمن الأكيد دعت هذه المحاولات النورسي لتجاوز مسألة الخوض في وجود “الأنا” لِما يمكن أن تشكِّل من عبثية لا فائدة منها، وخصوصاً مع هذا التاريخ الطويل من المحاولات المستميتة من سابقيه.

ويتضح من أفكار النورسي في رسائل النور عدم خوضه في اثبات وجود “الأنا” لأسباب ذكرناها سابقاً، ويفضل البحث في وظائفها على وجودها وماهيتها، ولكون معرفة الوظائف ممكنة، فالنورسي يرى أنه “لا ضرورة لأن يكون الموجود موجوداً وجوداً مادياً، أو حقيقياً لا يقبل الشك” قاصداً بذلك “الأنا”، فالتوضيحات التي يسوقها النورسي لا تتطلب إثبات وجود “الأنا”، وإن معرفة وظائف “الأنا” تحقق الغاية المعرفية التي يمكن من خلالها معرفة أسرار الكون،والصفات، والأسماء، والحياة الخفية[12].

و”الأنا” عند النورسي هي العامل الأساسي في تحصيل المعرفة،وهي لا تحتاج إلى وجود مادي لتحقيق هذه الغاية[13]، كـ الرياضيات المجردة التي لا تمتلك وجوداً مادياً لكنها تساهم بشكل أساسي في هندسة البناء المادية، وبهذا يبني النورسي على “الأنا” المجردة علوم الوجود، الأخلاق، والسياسة، وهي تمتلك مزايا القوة، الإرادة والقدرة، لتتمكن من معرفة الخالق، الإنسان والمجتمع، بالإضافة إلىحل المشاكل الحياتية والثيولوجية[14]، إذاً “الأنا” في الفكر الديني(الثيولوجي) النورسي ليس لها وجود مادي حقيقي مثبت، إنما لها مكانة مُتَخيَّلة، فالوجود الأساسي هي مرحلة تحصيل المعرفة الحقيقية التي تمكِّن من فهم أسرار الكون والحياة.

ويُشبّه النورسي “الأنا” بالمنظار والمقياس الذي تتحدد به الأشياء، وتُعرف من خلالها أسماء وصفات الخالق[15]، وتحمل بعداً ثنائياً في إطار معرفي(ابستمولوجي) برؤية الذات تارةً، وذات الآخر تارةً أخرى، كما أن “الأنا” من خلال وجودها المجرد(غير المادي) تملك تأثيرَيْن، أولهما قبول الإلهام المعرفي المجرد، وثانيهما امتلاك القدرة والإرادة على القيام بالفعل.[16]

ثم إنّ ماهية (أنا) حرفية، أي يدل على معنىً في غيره، فربوبيتُه خيالة، ووجوده ضعيف وهزيل إلى حدٍ لا يطيق أن يحمل بذاته أيَّ شيء كان، ولا يطيق أن يُحمل عليه شيء، بل هو ميزان ليس إلا؛ يبيّن صفات الله تعالى التي هي مطلقة ومحيطة بكل شيء، بمثل ما يبيّن ميزانُ الحرارة وميزانُ الهواء والموازين الأخرى مقاديرَ الأشياء ودرجاتِها”(النورسي).

ويُقسّم النورسي “الأنا” إلى مذهبين أساسيين، الأولديني نبوي، والثاني فلسفي، وبالتالي تختلف نظرة الإنسان إلى الأشياء معرفياً(ابستمولوجيا) وفق هذين المذهبين، وتتحدد العلاقة بين الإنسان وخالقه من خلالهما، فالإنسان حسب الفلاسفة يبذل جهداً مستمراً للتَّشَبُّهِ بالخالق، وتمتلك “الأنا” في هذا المضمار تاريخاً طويلاً من الأمثلة، فـ الآلهة اليونانية المتعددة(البولثئيسمية) كانت تشارك البشر في حروب، تتزوج وتغضب كنوع من التشابه بينها وبين “الأنا”، ونرى العلاقة بين “الأنا” والآلهة السومرية في ميزوبوتاميا من خلال تأليه ملكهم، وكذلك عند الفراعنة في مصر الذين تَشَبَّهُوا بالآلهة لفرض حكمهم على الشعوب، واعتبروا أنفسهم آلهة[17]، وفي الهندتحوَّل بوذا إلى إله، ويُلاحظ تاريخياً علاقة كبيرة، وتأثيرمتبادل بين “الأنا” وخالقها بأشكال مختلفة، خصوصاً عند العلماء والفلاسفة، كـ افلاطون وأرسطو طاليس، والفارابي، وابن سينا وغيرهم.

إن في تاريخ البشرية، منذ زمن سيدنا آدم عليه السلام إلى الوقت الحاضر، تيارين عظيمتين وسلسلتين للأفكار، يجريان عبَر الأزمنة والعصور، كأنهما شجرتان ضخمتان أرسلتا أغصانَهما وفروعَهما في كل صَوب، وفي كل طبقة من طبقات الإنسانية، إحداهما سلسلة النبوة والدين، والأخرى سلسلة الفلسفة والحكمة” (النورسي).

ويعتقد النورسي أنّ محاولة تشبُّه “الأنا” بخالقها من حيث الماهية، والشكل الذي يطرحه الفلاسفة يحرِفها عن فطرتها ووظيفتها الأساسية[18]، فـ “الأنا” النورسية، الناقصة، الضعيفة، والمحتاجة تتجاوز حدودها، وتغتر بنفسها، عندما تتشبَّه بخالقها، كـ نمرود، وفرعون عندما انحرفت “أناهما” عن الفطرة السليمة فعمّ البلاء والقتل[19]، وكـ هتلر، وغيره ممن تعظّمت “الأنا” عنده فأحدثت الكوارث، ويُلاحظ أنّ رأي النورسي يختلف عن مبدأ التَّشبُّه من حيث الماهية مع واجب الوجود، ويعتقد أن “الأنا” يجب عليها “التخلق بصفات” الحاجة، العجز والضعف، و”الأنا” النورسية خليفة الله على الأرض بشرط تحقيقها للعدالة.

أين ماهيةُ الإنسان التي عُجِنت بالعجز والضعف والفقر والحاجة غير المحدودة من ماهية واجب الوجود، وهو الله القديرُ القويُّ الغني المتعال !!” (النورسي).

“ولقد اعتقد عظماءُ الفلسفة وروادُها ودهاتُها، أمثال: افلاطون وأرسطو وابن سينا والفارابي بأن الغاية القصوى لكمال الإنسان هي (التشبه بالواجب)! أي بالخالق جل وعلا، فأطلقوه حُكما فرعونيا طاغيا، ومهدوا الطريقَ لكثير من الطوائف الملتبسة بأنواع من الشرك أمثال: عَبدة الأسباب وعَبدة الأصنام وعبدة الطبيعة وعبدة النجوم، وذلك بتهييجهم (الأنانية) لتجري طليقة في أدوية الشرك والضلالة” (النورسي).

 

 

“الأنا” الإنسانوية (الهومانيزم):

تعرض النورسي للتيار الإنسانوي(الهومانيزمي) بالنقد،الذي اتخذ من “الأنا” مركز كل شيء في الكون، ولم يعطِل غيرها أي قيمة حقيقية، فـ “الأنا” تملك قيمة مطلقة دون منازعبعدما يقطع هذا التيار العلاقة بالجانب الماورائي(الميتافيزيقي) للإنسان، معتمداً على الفكر العقلي والتجريبي المادي، فلا وجود للإله في ظل القيمة المطلقة للـ “أنا”، وتعود جذور هذا التيار إلى الفلسفة اليونانية التي أعطت قيمة عليا للـ “أنا”، ثم لتظهر بنسخة شبيهة معدّلة مع عصر النهضة(الرينيسانس) مفادها أحقّية عيش “الأنا” في أعلى مرتبة حياتية مرفّهة، لتفقد “الأنا” الجمعية قيمتها في مقابل “الأنا” الفردية، وتتفوق القيم الفردية على القيم الجمعيّة، وتحدِث انحلالاً في منظومة الأخلاق حسب منتقدي هذا التيار.

يعتقد النورسي في مستهل نقده، أنّ قطع العلاقة مع الجانب الماورائي(الميتافيزيقي)، وتبنّي الجانب المادي(الماتيرياليزمي) فقط، ربما تؤدي إلى غنى وسعادة، إلا أنها حسب النورسي مؤقتة وغير حقيقية[20]، فالجنة المادية التي نشأت في الغرب على أسس هذا التيار تحولت إلى حروب وكوارث، لذلك نرى أثناء الحرب العالمية الثانية توجه النخبة الثقافية والفكرية إلى الشرق التصوفي مثل الهند والصين في محاولة لتسليط الضوء على هذا الجانب الذي غاب عن المجتمع الغربي،ويرى النورسي أنه لا بد من إعادة الجانب الماورائي(الميتافيزيقي) الذي تُبنَى عليه منظومة الأخلاق والدين.

 

 

“الأنا” القومية:

يُركِّز النورسي في “رسائل النور” على مفاهيم الوطنية، القومية، والعرقية، وهنا سنحاول تسليط الضوء على مفهوم القومية عند النورسي، واستعملت كلمة القومية أول مرة في القرن الثالث عشر، وخلال القرنيَن الماضيين تحوّلت القومية إلى عقيدة قوية لدى كثير من الشعوب[21]،وبلغت الأفكار القومية أوجها، وأصبحت لغة السياسة رائجة مع نشر الجرائد لمواضيع حول القومية، ودخلت الأفكار القومية في التيارات المحافظة والرجعية[22]، واتخذت القومية طابعاً عسكرياً “الانتصارات” تجاوزت معها الحريات والديموقراطية، لتقترب القومية من الفاشية والعنصرية والعداء للأجنبي لسبب أو بدون بسبب، وظهرت العداوة بين الشعوب، وانتشرت المشاعر الفوقية بينها[23]، وبعد الحربيَن العالميتين الأولى والثانية ظهرت دول قومية حديثة، وظهرت على إثرهاحركات قومية مسلحة اعتباراً من العام (1960م)مثل الاسكتلنديين والأيرلنديين في إنكلترا، والباسك في شمال إسبانيا، والكُرد في شمال العراق وجنوب شرق تركيا.

ويستعمل النورسي مصطلحات مختلفة للتعبير عن القومية، كـ الوطنية، والعصبية[24]، والعنصرية[25]،والقوم[26]، ولا نرى ورود مصطلح العرقية في “رسائل النور”، التي ربما اعتبرها معنىً مرادفاً لمصطلح “تاريخ الحياة” أو كونها استعملت في معانٍ سلبية أو للدلالة عليها.

وعلاقة القومية بين “الأنا” الفردية بـ “الأنا” الجمعية عند النورسي قائمة على أساس تشابهي(أنولوجي)، و”الأنا” الفردية ذات الطابع القومي تتمظهر في “الأنا” الجمعيةالقومية[27]، فـ”الأنا” الجمعية التي تسعى إلى معرفة أسماء وصفات الخالق، تتشابه مع “الأنا” الفردية التي تسعى إلى معرفة الخالق وأسرار الكون والحياة، فلا فرق بينهما من حيث الوظيفة، و”الأنا” الجمعية القومية من خلال الجانب المعرفي(الأبستمولوجي) أيضاً تنقسم إلى “أنا” جمعية ذات طابع قومي سلبي[28] وقومي إيجابي[29]، فـ “الأنا” الجمعية القومية عند النورسي تتمحور حول التضامن والمساعدة والتعارف بين الشعوب، وإلَّا لكانت سبباً للصراعات والحروب مع الآخرين[30]، ومن هنا نفهم تقسيم النورسي لـ “الأنا” الجمعية إلى عرقية سلبية، وقومية إيجابية.

اهتمت مؤلفات النورسي بمصطلح القومية نتيجة للفترة التي كان يعيشها النورسي وطبيعة المرحلة، حيث اعتبرت القومية أحد العوامل المهمة التي ساهمت في تغيير البنية النفسية (البسيكولوجية) للأفراد والاجتماعية (السوسيولوجية) للشعوب[31]، ويعتقد النورسي أنّالشعور النفسي (البسيكولوجي) للفرد نتيجة الانتماء إلى قومية معّينة؛ كان أحد بواعث اللذة، السعادة والطمأنينة، إلَّا أنّ مع تحوّل هذا الشعور إلى غرور وفوقية جعلها تنحرف إلى الجانب السلبي.

الخاتمة(مقاربة نقدية):

يُعتبر البحث محاولة لفهم ترجيح الميول الدينية عند الإنسان الكُردي على الميول القومية من خلال شخصية النورسي المتدينة، وتكاد نمطية التفكير تؤكد وجود تطابق بين الشخصية المتدينة في المجتمع الكُردي وبين شخصية النورسي من حيث تناول مسألة القومية، كما لا ننسى التنوع في الشخصية الكُردية بين دينية، وقومية، وأحيانا جامعة بين الإثنين.

تميّز مفهوم “الأنا” الدينية عند النورسي عن الذِين سبقوه، فتجنّب الخوض في ماهيتها ووجودها لعدم جدوى البحث في هكذا مسألة، ولم يسعَ إلى إثبات وجودها كحقيقة مادية، لأنّ النورسي ركّز على وظيفة ودور “الأنا” بشكل تُصار فيه إلى فائدة معرفية روحانية،وفعلية حياتية.

تركّزت وظيفة “الأنا” النورسية في فهم “أنا” الذات، و”أنا” الآخر، وعلاقة “الأنا” بخالقها، ومعرفة الأسماء والصفات، وأسرار الكون، الحياة، المصير والموت، ومكانة الإنسان (كونياً) كوزمولوجيا، وعلاقته بالأشياء المحيطة به معتمدةً على المعرفة(الأبستمولوجيا).

وكان للنورسي موقف الضد من الميول القومية على العموم حيث عارض ثورة الشيخ سعيد بيران عام (1925م) ووقف ضدها بحجة أنها حرب بين المسلمين، ورغم أنّ الثورة كانت تحمل أهداف دينية إسلامية ضد العلمانية إلى جانب وجود أهداف كُردية قومية.

عاصر النورسي زوال الدولة العثمانية، والحرب العالمية الأولى، واتفاقية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة، وأدت إلى ظهور دول قومية حديثة، والحرب العالمية الثانية، فكان شاهداً حيّاً على أهم وأعقد المراحل التاريخية المتعلقة بتاريخ شعوب المنطقة، وخصوصاً الشعب الكُردي.

تعكس “الأنا” النورسية الحالة الاجتماعية، التعليمية والسياسية التي كانت موجودة في كُردستان في تلك الحقبة المهمة، كما تُجيب “الأنا” النورسية على كثير من التساؤلات، وتفسر الحالة الراهنة للشعب الكُردي في كُردستان الذي يعيش بلا وطن قومي، فكثير من الباحثين يحمِّلون الشخصية الكُردية ذات الميول الدينية البحتة فشل الكُرد في حصولهم على وطن قومي كون هذه الشخصية اُستغلت من قبل الغير ضد الكُرد أنفسهم.

تشهد حياته التي تعرض فيها للسجن والأسر والنفي مدى إيمانه بالمبادئ والأفكار التي آمن بها، وظل مخلصاً لها حتى مماته، ولعل ذلك أكسب النورسي رمزية وشعبية كبيرة بين الكُرد من ذوي الميول الدينية، وغيرهم من الشعوب التي تأثرت وتبنت الفكر النورسي.

انتقد النورسي “الأنا”الإنسانوية(الهومانيزمية) التي تسببت بحروب وكوارث، وأدت إلى فشل وزوال منظومة الأخلاق عند الفرد والمجتمعات، نتيجة تغييب الجانب الديني من حياة الإنسان، وترجيح القيم الفردية على القيم الجمعية، لتزداد معه الأنانية الفردية وحب الامتلاك بثمن وبدون ثمن، والسعي وراء الثروات والغنى وجنون الاستهلاك واللذة اللامتناهية، فيجب على “الأنا” إعادة بناء علاقتها بالخالق ويتحقق ذلك من خلال “الأنا” المعرفية (الأبستمولوجية).

وانتقد النورسي “الأنا” القومية “العرقية”، واعتبرهاالسبب الأساسي وراء الحروب والنزاعات بين الأمم، فالفوارق بين الشعوب كـ اللغة والثقافة والتاريخ واللون التي تُبنى عليها القومية هي للتعارف والتضامن والاحترام المتبادل بين الشعوب، ويحدث ذلك من خلال “الأنا” العادلة التي لا تتسبب باضطهاد الآخر المختلف عنها.

تعرضت “الأنا” الدينية عند النورسي إلى نقد كبير من القوميين الكُرد، واعتبروا الفكر النورسي حالة تفريط بالحقوق القومية للشعب الكُردي في كُردستان، ففي حين عاصر النورسي قيام الدول القومية وتقسيم المنطقة دون أي اعتبار لحقوق الكُرد الذين حرموا من وطن قومي يضمن حقوقهم وتاريخهم ولغتهم، واعتمد النورسي على عدالة الغير “الآخر”في منع اضطهاد بني جلدته!

وتُعتبر “الأنا” النورسية الدينية المتجاهلة لأي ميول قومية، مثالية وبعيدة عن الواقع، وإنّ تحقيق عدالة الآخر اتجاه الكُردي ليس إلا أحلام وأوهام تنادي بها “الأنا” النورسية، فالتاريخ الطويل للمنطقة يُثبت بلا شك عدم قدرة تخلّق “الآخر” بصفة العدالة اتجاه الكُرد، فهل على الكردي أن يتبنى أفكار مثالية في محيط غير مثالي، وغير عادل، ويتخذ هذا المحيط بنفس الوقت من المشاعر العرقية والفوقية أدوات لضمان وجوده واستمراره؟ وفي حين يُطلب من الكُردي أن يتنازل عن كل حقوقه التي وهبها الله له من لغة وثقافة،وحياة حرة، وأرض يعيش عليها، وينتظر الكُردي عدالة الآخر ليتصدق بها عليه! في ظل هذا الاتهادة عن الواقع، طهاد على ستان، وميين الكُرد، ية سايكس بيكو التي قسمت المنطقة، والحرب العالمية الثانية،

المراجع

الشكر الجزيل مقدم لكل من ساهم في إتمام هذا البحث وعلى رأسهم الباحث رضوان يلدز المتخصص في الفلسفة الإسلامية، والفكر النورسي.

النورسي، سعيد، رسائل النور، منشورات سوز، استنبول 2012.

افلاطون، الدولة، (ترجمة سباح الدين أيوب أغلو، محمد علي جيم جوز)، منشورات كلتور، استنبول 2014.

الكندي، الرسائل الفلسفية، (محمد كايا)، منشورات ايزي، 1994.

دمرمسوي، علي، مكانة الإنسان في فلسفة ابن سينا والعالم، منشورات كلية الإلهيات-مارمارا، استنبول 2012.

ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق، (ترجمة عبد القادر شنر، ايسمت كايا أغلو، جهاد تونج)، يويوسان افي، استنبول 2013.

الطوسي، نصير الدين، أخلاق الناصري، (ترجمة انار كافاروف، زاور شكتروف)، ليزرا، استنبول 2007.

ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، (ترجمة محي الدين ماجد، علي دروسوي، أكرم دمرلي)، ليترا، استنبول 2014.

تانيلي، سرفير، تاريخ القرن الماضية وحقيقتها، منشورات الثقافة، استنبول 1994.

هايوود، ادوارد، الأيديولوجيات السياسية: المدخل، (ترجمة ش. اكين، ا. ك. بايرام)، منشورات ادرس، انقرة 2013.

رابين درانتاه، تاكوريته، القومية، (ترجمة مراد جيفت كايا)، منشورات كاكيانوس، استنبول 1999.

باليبار، أتينا؛ واليسترين، ايمانويل، الفئة القومية العرق، (ترجمة نازلى اوتكان)، منشورات ميتيس، استنبول 2007.

دالبوداك، مسعود، جامعات الأمس المدارس الكُردستانية، دراسة علمية منشورة على الشبكة العنكبوتية، الموقع الكُردي السويدي للدراسات، موقع الحوار المتمدن، 2018.

[1]اعتمد هذا القسم من البحث على مجموعة متعددة من الكتب والمؤلفات المتعلقة بحياة النورسي وذلك باعتماد منهجية مقارنة تزداد معها قيمة المعلومات المقدمة.

[2]للحصول على معلومات أكثر حول المدارس والتعليم في تلك الفترة، انظر، مسعود دالبوداك، جامعات الأمس المدارس الكُردستانية، دراسة علمية نشرت على الشبكة العنكبوتية، الموقع الكُردي السويدي للدراسات، موقع الحوار المتمدن.

[3]النورسي، سعيد، الكلمات، منشورات سوز، استنبول 2012، ص 697.

[4]أفلاطون، الدولة، (ترجمة سباح الدين أيوب أغلو، محمد علي جيم جوز)، منشورات كلتور، استنبول 2014، ص 436.

[5]الكندي، الرسائل الفلسفية، (محمد كايا)، منشورات ايزي، 1994 ص 131-132.

[6]دمرمسوي، علي، مكانة الإنسان في فلسفة ابن سينا والعالم، منشورات كلية الإلهيات جامعة مارمارا، استنبول 2012، ص 35-36.

[7]ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق، (ترجمة عبد القادر شنر، ايسمت كايا أغلو، جهاد تونج)، يويوسان افي، استنبول 2013، ص 32.

[8]الطوسي، نصير الدين، أخلاق الناصري، (ترجمة انار كافاروف، زاور شكتروف)، ليزرا، استنبول 2007، ص 36-37.

[9]النورسي، سعيد، إشارات الإعجاز، منشورات سوز، استنبول 2012، ص 46.

[10]النورسي، سعيد، المحاكمات، منشورات سوز، استنبول 2012، ص 166.

[11]ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، (ترجمة محي الدين ماجد، علي دروسوي، أكرم دمرلي)، ليترا، استنبول 2014، ص 139.

[12]انظر، النورسي، الكلمات، ص 725.

[13]النورسي، الكلمات، ص 725.

[14]النورسي، الكلمات، ص 188.

[15]انظر، النورسي، الكلمات، ص 187.

[16]انظر، النورسي، الكلمات، ص 725.

[17]تانيلي، سرفير، تاريخ القرن الماضية وحقيقتها، منشورات الثقافة، استنبول 1994، ص 83.

[18]النورسي، الكلمات، ص 732.

[19]النورسي، الكلمات، ص 733.

[20]النورسي، المسنوية النورسية، ص 200.

[21]هايوود، ادوارد، الأيديولوجيات السياسية: المدخل، (ترجمة ش. اكين، ا. ك. بايرام)، منشورات ادرس، انقرة 2013، ص 161.

[22]هايوود، الأيدولوجيات السياسية، ص 162.

[23]انظر، رابين درانتاه، تاكوريته، القومية، (ترجمة مراد جيفت كايا)، منشورات كاكيانوس، استنبول 1999، ص 19.

[24]النورسي، الكلمات، ص 511-515؛ النورسي، المكتوبات، ص 89.

[25]النورسي، الكلمات، ص 195، 966؛ النورسي المكتوبات، ص 88.

[26]النورسي، الكلمات، ص 323، 494؛ النورسي، المكتوبات، 154.

[27]النورسي، الكلمات، ص 728.

[28]النورسي، المكتوبات، ص 452-53.

[29]النورسي، المكتوبات، ص 99، 452-453، وغيرها.

[30]النورسي، المكتوبات، ص 450.

[31]النورسي، المكتوبات، ص 451.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

علي رضا اسدي: اللغة الکردیة الفيلية (الكردية الايلامية)

  علي رضا اسدي :الـمُحاضر أستاذ جامعي  الملف بصيغة pdf اللغة الکردیة الفیلیة (1) الملخص ...