الرئيسية | مقالات | مسعود دالبوداك_الكُــــــــردُ فــــِــي خِضـــــــــم الصِّراعَـــــــــات الدّوليـــــــّـة

مسعود دالبوداك_الكُــــــــردُ فــــِــي خِضـــــــــم الصِّراعَـــــــــات الدّوليـــــــّـة

مسعود دالبوداك

كاتب وباحث

طالب دكتوراه – معهد العلوم الاجتماعية

mesutdalbudak@hotmail.com

دياربكر (آمد) – 2019.10.11

           “عِندما تتعرّضُ الشُّعوبُ للاضطهادِ تُصبحُ أكثرَ تَمَسُّكاً بِقضاياها وحُقُوقِها”

حَاولَ الكُردُ والعربُ والسّريانُ السوريّونَ فِي شمالِ شرقِ سوريا في ظلِّ الإدارةِ الذاتيّةِ إدارةَ خيوطِ الأزمةِ السوريّة مِن خِلال العلاقات الإقليميّة والدّوليّة القائمة على أساسِ المصالحِ المُشتركةِ تارةً، ومن خلال التّناقُضات المُتضاربة المبنيّة على ثُنائيّة التّقارب والتّباعد البراغماتي بين الدول تارةً أُخرى، وألقى الصِّراعُ الكُردستانيُّ-التركيُّ بِظِلاله الثّقيلة على الأوضاع الرّاهنة فِي سوريا مِنذُ البدايةوحتّى الغزو التّركيّ الأخير لشمال شرق سوريّا مدعوماً بقواتٍ تُركمانيّة – عربيّة مُوالية لتركيا،ولا ضَيْرَ مِن العودة إلى التّاريخ قليلاً، فطِيلة القُرُون السّابقة ظلّتْ تركيّا تُجاهِدُ للتّخلّص مِن الأقليات فِي الأناضول، ولا تزال أحْداثُ مجازرِ الأرمن حاضرةً، وتداعيتها شاهدةً على العقليّة التركيّة فِي التّعامل مع الأقليات، فربّما نَجحَ الأتراك في تطهير جنوب شرق البلاد ذات الغالبيّة الكرديّة/الأرمنيّة مِن المُكوِّن الأرمنيّ لكنّ نتائج هذه السّياسة أثبتتْ فشلها على المدى البعيد نتيجة تحوِّل المنطقة إلى أغلبيّةٍ كرديّةٍ مطلقةٍ، وأصبحتْ تركيا في مشكلة أكبر مع الكُرد في منطقةٍ جغرافيّةٍ واسعةٍ، ورغم ضعف آمال نجاح إنشاء منطقةٍ آمنةٍ “عربيّة” بين مدينة سري كانيه/رأس العين ومدينة كري سبي/تل أبيض تبقى نتائج هذه الخطوة على المدى البعيد أكثر أهميةً نتيجة تواجد أقليّة عربيّة في مدينة شانلي أورفا، فهل يأتي يوم يُطالبُ عرب تركيّا بالانفصال أيضاً؟ لا مُحرّمات فِي التّاريخ فإسبانيا بقيتْ ثمانمائة عام تحت الحُكْمِ الإسلاميّ ثمَّ اِسْتردّها الإسْبَان، فماذا عن القِسْطنطينيّة التي لم يمضِ على انتزاعها من الغرب إلّا خمسمائة عامٍ أو يزيد. تُبرِّر تركيّا غزوها قائلةً:”مُهمّتناهيمنعإنشاءممرٍإرهابيّعبرحدودناالجنوبيّةوإحلالالسّلامفِيالمنطقة! لكنْ هلْ حقّقتْ تركيّا السّلام على أرضها طِيلة العُقودِ السّابقةِ مع الكُردِ حتّى تُحقّقه على أراضي الغير؟ ولماذا لم تتحرّك تركيا في إدلب رغم وجود مُنظّماتٍ إرهابيّةٍ–جبهة النُصرة- فِيها، وعلى ن الاسْتراتيجيّة نفسها التي تَنْتّهِجُها مِنذُ قُرونٍ بدأتْ تركيّة بغزو الشّمال السوريّحيث يعيش الكُردٍ والعربٍ والسّريانٍ ويشكّلون جزءاً مِن قوات الدّفاعضد الإرهابِ”قسد”.بعد تغريدات “طْرّامب” التي ظهر التّناقضُ فيها للوهلة الأولى! لكنّ الواضح أنّ الحَلقة الاستشاريّة الضّيقة للرّئيس الأمريكيّ تُحدّد التّوجه الأساسيّ، وتتركُ الصّياغة اللّغويّة للرّئيس الأمريكيّ؛حيثُ أكّد كِبار مُستشاري ترامب لشبكة “سِي إنْ إنْ” أنّ الرّئيس “يَعرِف نِطاق هذه العمليّة بالتّحديد”ويقدّم الغزو باعتباره حتميّةً تاريخيّةً، قائلاً:”الأتراك والكُرديُقاتلون بعضهم بعضاً منذُ قرونٍ”، ويُبرّر بدايةً ثمّ يُقلّل مِن دورالكُرد، قائلاً: “لمْ يُساعدونا فِي الحرب العالميّة الثانيّة! لمْ يُساعدونا فِي نورماندي…! فهلْ مَنَحَترامب الضوء الأخضر لتركيّا لغزو الشمال السوري؟اِنْهالتْ موجةٌ مِن التّحليلات فِي الإعلام الأمريكيّ على مضمون الاتّفاق الأخير مع الأتراك، فهَلْ غَلَّب ترامب مصلحته الشّخصيّة مرّة أخرى؟ يتساءل الإعلام الأمريكيّ؟بِغضّ النّظر عن كثيرٍ مِن التّحليلات يهدف مُستشارو ترامب إلى زيادة تدابير بناء الثّقة بين الكُرد والأتراك! كما تُعدُّ مُحاولة ضغطٍ على جانبي الصراع للجّلوس والتّفاهم، وهِي ما تُشير إليه تغريدة ترامب “بالحرب القبليّة بين الكُرد والأتراك منذُ قُرونٍ” بالإضافة إلى “إعجاب”الحساب الخاص للسّفارة الأمريكيّةفي أنقرة على تويتر بتغريدةٍ تدعم سياسةً تركيةً بدون الحزب القوميّ!ويبدو أنّ الإدارة الأمريكيّة تضع “فيتو” واضح أمام الكُرد،وتمنعهم مِن التّفاوض مع دمشق، وترى الاتِّفاق التركيّ- الكُرديّ أكثر خِدمةً لمصالحها، وفِي ظلّ اِرتباك دمشق مِن بلورة ردّ واضحٍ على الغزو التركي نتيجة الضغط الروسيّ تبقى فُرص إبرام صفقةٍ بين النظام والإدارة الذّاتيّة لإقامة نظام اتحاديّ تحصل بموجبه شمال شرق سوريا على حكمٍ ذاتيّ أمراً غير واردٍ حالياً. ويَعدُّ طْرّامب نَفْسه بعيداً عن خطر الدّولة الإسلاميّة،ويتناسى الفيديو الشّهير الذي هُدِّد فِيه الرئيس الأمريكيّ السّابق بارك حسين أوباما بشكلٍ مباشرٍ، ربّما لا يدري طْرّامب أنّ مُستقبله الانتخابيّ يتوقف الآن على عمليةٍ واحدةٍ فقط مِن قِبل الدّولة الإسلاميّة داخل أمريكا! ويَعدُّ مُشكلة سُجناء الدّولة الإسلاميّة تخصُّ الأوروبيين بالدّرجة الأولى! فأوروبا تسعى إلى مُحاكمتهم في العِراق أو في شمال شرق سوريا، كون السُجناء سيتمّ إطلاق سراحهم حَسبَ القوانين الأوروبيّة، وترى أوروبا المناطقالسوريّةالتيتُسيطرعليهاتركياحالياًمليئةًبالفساد،وأكثرفساداًحتّىمِنمناطقالنّظامولنتُواجه”داعش”مشكلةًفِيشِراءالولاءِ،ودفعالرّشاوىللهرب،وبالتّأكيداِتاحة الفُرصة لداعش بالظّهور مِن جديدٍ، ورغم عدم دخول سُجون “داعش” في نِطاق منطقة الغزو التركيّ حمَّل طْرّامب مسؤوليتها للجانب التركيّ! فهلْ هِي رميٌ للكرةِ في مَلعب الأتراك والأوروبيين الّذين دعاهم طْرّامب دائماً لاسترداد مُواطنيهم من “داعش” الموجودين لدى قوات سوريا الدِّيمقراطيّة.أمّا الرُوس المُسْتميتون لإخراج الأتراك من الحِلف الغربيّ لا يُخفون الدّعم التركيّ كونهم لا يملكون أيّ خيارٍ على الأرض في شرق الفرات، وشَهِدَ العام الفائت(25) لقاءً مباشراً وغير مباشرٍ بين الرئيسين الروسيّ والتركيّ! ويسعى الرُوس إلى تحقيق اتّفاقٍ بين تركيّة والنّظام السوريّ، وتعترض حالياً على إجراء حوارٍ بين النّظام والإدارة الذّاتيّة يُفضي إلى حكمٍ ذاتيّ للكُردممّا سيؤدّي إلى إغِضاب الأتراك! تبقى مفاتيح الأمور جميعاً بيد الأمريكيين الّذين يعملون على إدارة الأزمات بالشّكل التّوافقيّ بين الحلفاء، ويمتلكُ الطّرفانِ–الكُرديّ والتركيّ- أسلحةً وأدواتٍ عِدّةً سَيعمل على الاستفادة مِنها في تحقيق النّصر، فالجانب التركيّ يعتمد على القوّة العسكريّة والحسم السّريع، وتهديد الغرب بموجةٍ جديدةٍ من اللاجئين السوريين! لكنْ هل يقتصر التّهديد التركيّ على اللّاجئين أم يشمل المُتطرّفين أيضاً؟ بينما تمتلك قوّات سوريا الدِّيمقراطيّة المُحترفة في قِتال المدن هيكليّة تنظيميّة وعقيدة قتاليّة قويّة، وستسَعى إلى إطالة الحرب قدر المستطاع، كما تُشكّل الدِّعاية الإعلاميّة لصور الضحايا نتيجة الغزو التركيّ أداةً لكسب التّعاطف الدوليّ وخصوصاً الأوروبيّ، وأمّا مُراقبة سُجناء تنظيم الدّولة الإسلاميّة فتُعدُّ الورقة الأهمّ في هذه المُواجهة، كما يُعدُّ وجود التّوافق النّادر الحدوث بين الحزبين داخل الكونغرس الرافض للغزو التركيّ أحد الأوراق التي تُحسب لقوات سوريا الدّيمقراطيّة الذين كانوا ولا يزالون إخوة السلاح مع الأمريكيين في حربهم المشتركة ضد الدولة الإسلاميّة.إنّ إصرار “قسد”على البقاء في التّحالف الدوليّ، وكسب العمق العربي، وإطالة أمد المعركة العسكريّة، وعدم السماح بالسيطرة على الأرض أهم عواملِ النّصر. 

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مستقبل سوريا شبابها مثلما هي مستقبلهم

عبد الباسط سيدا_ كاتب وباحث جاءت الوقفة الشبابية السورية في ظروف بالغة التعقيد تعيشها منطقة ...