الرئيسية | مقالات | مصطفى العمو: في غياب العقد المركزي الكردي ومعضلة الهويات الفرعية

مصطفى العمو: في غياب العقد المركزي الكردي ومعضلة الهويات الفرعية

مصطفى العمو: مخرج سينمائي كردي

 

تفتقر الحياة السياسية الكردية الى عقدها المعرفي المركزي الذي تتمحور حوله الهويات السياسية ومنتجي المعرفة، وتستوعب حقوق الهويات السياسية في الاختلاف والتعددية. دون هكذا عقد لا يمكن بناء الوحدة السياسية العليا للامة الكردية، لتكون بمثابة عقدها الاستباقي الوقائي المعطّل لنشاط منتجي ومستوردي المعرفيات السياسية المنحرفة، المعادية للتعددية والحرية وثقافتهما، حيث غاياتهم النهائية هو الصعود فوق أكتاف الشعب، واحتكار مكان الإقامة هناك، بالقوتين الناعمة او الفظة الخشنة.

مثلما للوحدة السياسية العليا دور في الحماية الداخلية، لها دور وقائي آخر، له اهمية قصوى في صد استطالات المجمعات المعرفية العدائية، المناهضة لثقافة بناء الوحدتين المعرفية والسيكولوجية للامة الكردية. وتكمن مكيافليات هذه المجمعات العدائية في استخدامها تقنيات بافلوفية (نسبة إلى الطبيب وعلم النفس الروسي إيفان بافلوف 1849-1936) اشتراطية مبنية على إثارة النرجسيات السياسية الحاملة للمعرفيات التسلطية، بوعود، ومدى استجابتها لهذه العهود للتحكم بها وتوظيف أصحاب تلك النرجسيات كفاعلين مناهضين لبناء اي عقد معرفي وطني – قومي كردي يستوعب التعددية، وينهي احتدام الخلافات البينية  لـ”الأناوات” السياسية ذات الحمولات المعرفية الصلبة، والأحادية البسيطة والمتفاوتة في حدة الاستفراد والصلابة.

الاغلبية الكردية المطلقة عاجزة عن التأثير في المعرفة السياسية، لافتقادها سلطتها الانتخابية لتكون فاعلة في تكوين الثقافة السياسية وتوجيهها بما يضمن لها الحق في هندستها، وتتناسب مع حقوقها وحرياتها. لذا فهي متأرجحة بين الحيادية الايجابية والحيادية السلبية، وتعيش اغترابها السياسي القسري، وعليها التماهي مع الهويات الفرعية. والكل السياسي يتنافس بينياً باسم حقوق هذه الأغلبية وحرياتها لاستمالتها واستدامة تشريع حق حرية التحدث باسمها والصعود فوقها، والتحكم بها وتوجيها بما تضمن شروط نفوذ المتنافسين.

إن غياب العقد المعرفي المحوري أفسح المجال أمام الديناميات السياسية المغلقة بالنشاط الاستثماري الوظائفي في استنهاض وتفضيل هويتها الفرعية وتقويتها، وتوسيع نفوذها، وتنشيط معرفياتها التي تشكل السببية في استتباب  ديناميات الهوية الجمعية، وتقوض بناء معرفتها المركزية المحورية الى حدود الشلل والعطالة، إن لم تكن الإماتة. وانطلاقاً من هذا، يمكن القول: تتقاطع الوحدات المعرفية المنظّمة في محورة القضية حول ذواتها، بدلاً من التمحور حول القضية ذاتها. وهكذا تتمركز المعرفة حول الاشخاص أيضاً، وليس الاشخاص حول المعرفة. لذا تتصادم “الأناوات” واالذوات والمحاور. فالحالة لم تكن افضل من حالة مهندس حديقة يخدع نفسه، ومن حوله، على أنه بإمكانه بناء حديقة بشجرة واحدة.

ومع عدم وجود عقد معرفي مركزي يستوعب التعددية ومعرفياتها، كروافد للمعرفة المركزية، ستسلك الديناميات الفرعية المنظّمة طرق التنافر والتباعد والتعاكس، نتيجة المخاوف من التهديدات الوجودية البينية المتبادلة، وصولاً لاعاقة اكتمال  تكوين ثلاثة وحدات رئيسية تشكل أعمدة بناء الامة وتحررها، هي الوحدة السيكولوجية، الوحدة المعرفية الثقافية والوحدة السياسية العليا.

الوحدة السيكولوجية، وأقصد بها؛ إن الانتماءين البيولوجي والعاطفي للهوية الكردية ليس كافياً للحديث عن وجود وحدة سيكولوجية مترابطة ومتكاملة للامة الكردية. إن العقد المعرفي للشعب الكردي ليس له ديناميكية معرفية محورية مركزية حتى الآن، إنما ديناميات فرعية قوية أفقية هشة الترابط والتواصل البيني، لأسباب تاريخية سياسية واقتصادية وجغرافية، لا تتقاطع حماياتها الاقتصادية والسياسية والبيئية. إضافة الى ذلك، يمكن القول: إن الهويات الفرعية قوية، لها عمقها المتجذر في  تكوينها النفسي والثقافي، وتختزل الهوية الجمعية في ذواتها، ولنتذكر منها وليس كلها، اللغوية، اللهجوية، والجغرافية المناخية، والدينية المذهبية، المناطقية والمحلية، وما انتجت من العادات والتقاليد والأعراف ونمط انتاج علاقات ومصالح تتطابق مع نمط حياتها وشروطها. هذه ينابيع غير متصلة، ولكل نبع أسماكه. وأية محاولة تغير قسري تؤذي طبائع أصحاب هذه الهوية ومصالحهم، مصيرها الفشل. كما تحاول بعض الهويات السياسية ذات التفكير السهل والبسيط، توجيه اتباعها وفق أجنداتها ومقاييسها بثقافات وتقنيات لا تتطابق مع تعددية المعرفيات الوجودية للهويات الفرعية، وتعاكس نمط حياتهم، ومعادية لإرثهم الثقافي والاجتماعي. إنما يجب التعامل معهم كمكونات الثقافة الكردية المركّبة، وتغيّرها وتوجيهها نحو التمحور الهوياتي الجمعي بالتدّرج الحضاري المدني المرن لتفادي احتدام اختلافات الهوياتية الفرعية، وتقليص فرص الاحترابات الجزئية.

إن تعددية الانغلاقات المعرفية الفرعية تشكل دفعة اضافية للمجمعات السياسية الاقليمية في تعميق اللاتقاطع القائم، وتشجع التباعد البيني للهويات ذات المعرفيات المغلقة، من خلال ربط الأفراد نفعياً بمراكزها السلطوية السياسية الاقتصادية والأمنية، وجرّهم الى تبادل التضادات البينية، وإضعاف الكل، بهدف التحكّم به.

وأقصد بالوحدة المعرفية والثقافية أن الثقافة الكردية في جوهرها ثقافة مركّبة، دفاعية ولامركزية. لكنها كانت الساتر الحامي الاستراتيجي والوجودي للهوية الكردية، المحاطة بثقافات مركزية، توسعية قومياً ودينياً ومذهبياً. إجمالاً، كانت للثقافة الكردية مشكلة مع التعددية والاختلاف نتيجة دينامية الثقافات المركزية وموروثها الامبراطوري التوسعي الإداري. إن بناء عقد معرفي ثقافي بإمكانه احتواء التعددية الداخلية والتمحور حول الانتماء الجمعي، ليس سهلاً. فالتقسيم الجغرافي والديموغرافي والاداري القسري الموجود، عمّق التقسيمات الفرعية المقسّمة بدورها، ونشّط      ديناميتها. فالتواصل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي غير مترابط في محور معرفي هوياتي مركزي بين حاملي المعرفيات الفرعية، وإنما متواصلة ومرتبطة بالمركزيات الإقليمية بتفاصيلها اليومية في الاحوال المدنية والتعليمية والامنية والمعيشية. بالتالي يمكن القول: إن تقاطع المصالح  ينتج معرفيات تناسب نمط المصالح. وفي الحالة الكردية، لا تتقاطع مصا لح الديناميات الفرعية، بل تخلق حالة من المعاكسات المتبادلة، تصلبن المعرفيات الفرعية، وكل هوية معرفية تجد نفسها مهددة ومستهدفة في وجودها، وتفتح لذاتها طرق تشريع الاستقواء بالمجمعات العدائية، وتقوض بناء العقد المعرفي الجمعي. وبدون الوحدة المعرفية الثقافية، لا يمكن بناء اي عقد سياسي كميثاق شرف قومي، لا تتجاوزه المعرفيات السياسية، ويحترم حدود هذا العقد.

المقصود بالوحدة السياسية العليا أن الحديقة السياسية الكردية مركّبة ومعقّدة وغنية بالتعددية، كانعكاس متطابق للمعرفيات الفرعية القوية التي لها مداخلها ومخارجها. والكلّ السياسي المنظّم يتقاطع في الميل الى احتكار مفاتيحها للتحكّم بالبوابات. اي أن شروط الاصطدامات مكتملة نظرياً ومنطقياً نتيجة غياب العقدين المعرفي والسياسي المركزيين. فالحركة السياسية تعيش اغترابها المعرفي المركزي، نتيجة قوة “الأنا” الفرعية السياسية وصلابتها، بدوافع سيكولوجية، ترى في الديمقراطية تهديد وجودي لها ولنفوذها. لذا، كل هوية سياسية تبرمج سياستها وتهندسها وفق “أناها” المعرفية الظاهرية، و”أناها” الباطنية. والحال هذه، الشخصية السياسية إذا كانت طبائعها دكتاتورية او فاشية او همجية او ديمقراطية، سوف تنظمّ الحزب وفق ما يتطابق وطبائع “أناها”. والحزب بدوره يحاول هندسة المجتمع بما يتناسب مع “أناه”.

التعددية السياسية الكردية تعيش أزمة. تعددية بأشجار مختلفة، واغصان متشابهة. تتقاطع الهويات السياسية في الميل الى الصعود فوق بعضها البعض، باسم الشعب والاقامة فوقه، واحتكار المكان بالقوة الناعمة، إذا أمكن. بالفجّة أو الفظّة، إذا امتلكتها، او استدعت شروط صعودها او بقائها إلى ذلك. كون الهويات السياسية لا تتقاطع مقاييسهما المعرفية والثقافية في مصب محوري جمعي واحد، فهي ليست روافد نهر واحد، بل إنما انهار لها منابعها المختلفة التي لا تتلاقى في المسير، ولا تنتهي في مصب واحد. لذا، تتأسس سلطات محلية متعاكسة متحاربة، وكل منها تضع لقوانين وفق معرفياتها وطبائعها و”أناها” السياسية، وتستثمر في ما تخدم بقائها كسلطة سياسية او اجتماعية اقتصادية.

إن الإشكالية الكبرى تكمن في غياب العقد المعرفي المركزي، وبدونه لا يمكن بناء وحدة سياسية عليا نحتاجها كمضاد حيوي للمجمعات البسيطة المغلقة التي لا يمكن إلا ان تنتج معرفيات مناهضة للدمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية، ليصل الحال بنا إلى القبلية السياسية التي تحاول استغباء أنصارها، قبل معارضيها، والتلاعب بهم سيكولوجياً، وإخضاعهم وفق ما يناسب بقائها فوقهم، وتوظيفهم كآلات قمعية للتسلط وحراسة التسلط. الهويات الفرعية لها معرفيات تتناسب ومصالحها وثقافتها وطبائعها وتقاليدها وعادتهما، انتجتها شروط البقاء والوجود خلال قرون. وعدم تطابق المصالح، يجبر كل هوية فرعية على التفكر في احلال معرفتها مكان المعرفيات الاخرى، لتنتج ديناميات متعاكسة. وكل دينامية تعجن المجتمع وفق مقاييسها وحاجاتها، تعاكس حاجات الاخرين. فتتأسس تلقائياً محاور متباعدة. بحيث يبتعد الكل عن الاستثمار في المعرفة المحورية الجمعية التي تستوعب المصلحة الشاملة للامة الكردية. إن غياب ترابط الشبكات النفعية بين الهويات الفرعية يعزز التباعد البيني المتبادل. ويحاول كل طرف هندسة سياسته وبرمجته وفق مقاييس تضمن البقاء في مواقعه، وتوسيع نفوذه، بتقنيات معرفية تحمي مصالحه، اغلبها لا تتقاطع مع المصالح العليا للامة الكردية المقيدة بترتيب حديقتها، التي في النهاية، ستهندسها وفق ما يتناسب وذكائها ومعرفتها وثقافتها، ويتطابق وطبائعها البيولوجية، ونمط حياة مكوناتها وتضمن لها حرياتها.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إيان بلاك_الأسد أو نحرق البلد لـ سام داغر

إيان بلاك ترجمة: مصطفى إسماعيل في صيف 2012، انتشرتْ أخبار مفادها أن مناف طلاس- وهو ...