الرئيسية | مقالات | نارين عمر: حول المأساة السوريّة والخيارات الصعبة والضيّقة

نارين عمر: حول المأساة السوريّة والخيارات الصعبة والضيّقة

نارين عمر: كاتبة كردية سورية

 

معظم الثّورات والانتفاضات، بمفهومها الذي هي عليه الآن، خْلِقَت لتكون في خدمة الشّعوب والمجتمعات، لأنّها تسعى إلى تحقيق الأهداف، والوصول إلى الغايات المنشودة بأقلّ الخسائر الماديّة والبشريّة. بعكس الحروب والمعارك التي تنهك قوى الطرفين المتنازعين أو الأطراف المتنازعة، وتهلك وتدمّر. هذا من جهة، من جهة أخرى الثّورات والانتفاضات، غالباً، تُعلَن من قبل الشّعب والمجتمع ضدّ قوى متمثّلة في السّلطة العليا، تراها مستبدّة، ظالمة، دكتاتوريّة، وتظلّ كفّة السّلم متأرجحة فيها على كفّة القوّة والسّلاح. بينما الحروب والمعارك فتكون بين جماعات ضمن دولة واحدة، أو بين دولة وأخرى، أو دول متحالفة مع بعضها ضدّ قوى أو دول أخرى.

إذا نظرنا إلى ما أطلقَ عليها “ثورات الرّبيع العربيّ أو الشّرق أوسطيّ” نستطيع أن نرى أنّ نسبة مئويّة معيّنة من شروط الثّورة أو الانتفاضة يُطبّق عليها، باستثناء الحالة السّوريّة التي قلبت الموازين كلّها، وعكست المفاهيم والأهداف تماماً، وتحوّلت إلى حربّ مدمّرة، لم ينل أذاها سوى فئات الشّعب المغلوبة على أمرها أو الفئة التي أفنت عمرها، وتحديداً قبل عام 2011 في النّضال السّياسيّ والأدبيّ والفكريّ، والتي هلّلت لها، وباركت شرارة انطلاقها، واستأنفت نضالها بعده.

ما أسموها “ثورة الشّعب السّوريّ أو الشّعوب السّوريّة” بدأت سلميّة تماماً، لأنّ السّوريّين حاولوا أن يؤكّدوا للسّلطة الحاكمة وللمجتمع الدّولي ككلّ، على أنّهم متمكّنون من الوعي والإدراك الذين يجعلهم يسيدون ثورتهم، وينهونها بتحقيق الأهداف والرّغائب بشكل سلميّ وحضاريّ. ذلك أنّ جماهير المجتمع السّوريّ لم تكن تعيشُ حالة صراعات أو خلافات قوميّة أو اثنيّة أو طائفيّة، والكلّ كان يسعى إلى تحقيق السّلام والطّمأنينة لهم وللأجيال القادمة، وصون ما أسموها “الكرامة والحرّيّة” واسترجاعهما. فيما بعد، وبقدرة قادرين معروفين أو مجهولين، انحرفت الثّورة من مسارها، وأفلِت َ الزّمام من يد المخلصين، المناضلين، السّلميّين السوريين، وبدأت القوى والأطراف الاقليميّة والعربيّة والدّوليّة تحطّ على الأرض السّوريّة مع كلّ خلافاتها وحساباتها وتناقضاتها، وكأنّها كانت تنتظر هذه الفرصة الماسيَة منذ زمن، أو أنّها هي مَنْ افتعلت كلّ هذه الأحداث لتتمكّن من دخول الأرض، بحجج وذرائع قويّة ومقنعة. ولم تتناسَ هذه القوى شرطها الأساسيّ في الدخول واستمالة أعداد بشريّة من السّوريّين ليعاونوهم، ويتعاونوا معهم في تحقيق أهدافهم ومطامعهم. وبكلّ تأكيد، وفّقوا إلى حدّ بعيد في اختياراتهم التي تركّزت على المستغلّين، الانتهازيّين الوصوليّين، الطّامعين في تحقيق الجاه والثّروة خلال فترة قصيرة، الخانعين، السّاجدين لمقولة “الغاية تبرّر الوسيلة”. ومن أجل غاياتهم ومصالحهم، باعوا الشّعب والوطن والأرض. وقبل كلّ شيء، باعوا نفسهم وأسرهم وحريّتهم، فقط لأنّ أسيادهم أغرقوهم بما لذّ وطاب من المغانم والغنائم التي لا تعدّ ولا تحصى. وأوكلوا إليهم مهام لا توكَل إلا للشّخصيّات رفيعة المستوى. وأبعدوا، من خلال هؤلاء وأساليبهم، معظم المناضلين، الخيّرين، الأكاديميّين في النّضال والأنشطة التي تستوجبها مثل هذه الظّروف، حتّى بدت سوريّا الدولة الصّغيرة مساحة وحجماً بالنّسبة إلى الدّول الكبيرة، وكأنّها تحوّلت إلى عدّة دول وأقاليم توازي نصف أو لنقل ربع مساحة العالم!. وتحوّلت أرض سوريّا إلى أشطار متفاوتة في الطّول والعرض، تحكمها عدّة أطرافٍ متعاونة، مشتركة في المصالح والأهداف.

 

أدرك السّوريّون، باستثناء الفئة المذكورة سابقاً، هذه الحقائق بعد حين؛ أن البعض الذي ترك وراءه خطوط رجعة، عاد وحاول أن يتأقلم مع الوضع الجديد. البعض لم يتمكّن من التّأقلم، فوجد في الهجران والبعد سبيل النّجاة من هلاكٍ مفاجئ. ورأى البعض الآخر في البعد المكانيّ عن الوطن غايته في استمرار النّضال والمقاومة. بالإضافة إلى وجود البعض الذي ساند السّلطة الحاكمة، وأسموا نفسهم “الموالاة” وما تزال هي السّند والعضد للسلطة.

المهاجرون أيضاً انشطروا إلى فئات. شطرٌ ظلّ يعمل ما في وسعه ليكون لسان حال جماهيره المظلومة، المهاجرة، المشرّدة. وشطْرٌ استطاع أن يحقّق لنفسه وعائلته أهدافاً وطموحات ما كانوا يجرؤون على التّفكير بها ولو في الأحلام، فصاروا من كبار الشّخصيّات السّياسيّة والثّقافيّة والأدبيّة والفكريّة ومعظمهم لا يفقه من هذه الأمور شيئاً. أمّا الشّطر الآخر، فقد اكتفى بالانسحاب والانعزال في أماكن معيّنة للحفاظ على ما تبقّى من ثقتهم بنفسهم وصحوة ضميرهم.

كلّ الأطراف المتواجدة، المتحاربة على الأرض السّوريّة تُعتَبَر شريكة في قتل السّوريّين وهدر دمهم وتشريدهم وتشرّدهم، وإن بنِسَب متباينة. كلّها أباحت دم السّوريّ وكأنّ بينه وبينهم أعوام من الثّأر ووجوب الانتقام!. لم يعد السّوريّون يثقُون بطرف أو تيّار، بعد أن انحصرت أحلامهم وأمانيهم في تأمين الماء والكهرباء، حتّى باتوا يصفونهما بأنّهما “زينة الحياة الدّنيا”!. نعم، بعد المطالبة بـ “الحرّيّة والكرامة” صارت الكهرباء تمثّل كرامتهم، والماء حرّيّتهم، وفي تحقيقهما الانتصار الخارق.

هذه القوى والأطراف أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا يقظة الضّمير والوعي الذي غيّبوه عنوة، بهدف الإسراع إلى الحفاظ على ما اغتنمته من صفقات وامتيازات ومآرب، والحفاظ على ما تبقّى من السّوريّين، وتسوية  أوضاعهم، أو الاستمرار في التّصعيد والوعيد، وقد تودي هذه الأطراف بنفسها والمنطقة ومناطق كثيرة بالعالم إلى الدّمار والهلاك، كما فعلت بسوريّا والسّوريّين.

قبل هذا وذاك، لا بدّ من صحوة ضمير وأخلاق للسّوريّين الذين نصّبتهم تلك القوى عليهم باسم “المعارضة”، وصدّقوا هذه الكذبة التّاريخيّة، والسّعيّ إلى تغيير مسار نيّاتهم وأعمالهم، أو الابتعاد عن السّاحة وتركها للذين يستطيعون تسيير مركبهم إلى برّ الأمن والسّلام.

أعرف أنّ مطلبنا في هذين الخيارين كمطلب الغريق بكومة قشّ، ولكن لم يعد أمامنا خيارات أخرى ندعو إليها، بعد أن ضاقت بنا السّبل وتاهتِ المسارات. وأعي تماماً أنّ العبارات الأخيرة فيها من الحلم والتّخيّل الكثير، إذ لم نعد مخيّرين في أمرنا ومصيرنا، بل مسيّرين مستَضعَفين، منهزمين لأقصى درجات الضّعف والانهزام.

---

المواد المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز، وينبغي اﻹشارة إلى المصدر عند إعادة النشر.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عبد الباسط سيدا: مسؤولية النخب أمام جهود تعطيب التواصل بين السوريين

عبد الباسط سيدا_ كاتب وأكاديمي محاولات تفجير العلاقة العربية الكردية في سوريا عبر إثارة الهواجس ...